تعد فكرة أنه يجب على القادة اتباع مجموعة من المبادئ السليمة وسياسات الدعم التي تعكس قيمهم من نماذج القيادة النمطية المتبعة على نطاق واسع؛ ذلك أمر جيد إلا أنّ له سلبياته. اكتشفنا في أحد أبحاثنا أنه عندما يتصرف القادة بنزاهة عالية، فإن مرؤوسيهم قد يضطرون للتخلي عن نزاهتهم في سبيل تحقيق التوازن بين قيمهم وبين قيم المؤسسة التي يعملون فيها، حيث سيضطرون إلى إظهار امتثال زائف، وبالتالي سيقمعون قيمهم الخاصة ويتظاهرون بأنهم يتشاطرون القيم ذاتها التي تتبعها المؤسسة للحفاظ على وظائفهم وتحقيق النجاح في العمل.

دعونا نتعمق أكثر في توضيح جانبين اثنين من الامتثال والتظاهر الزائفين، وذلك بالاستناد إلى عدد من المقابلات التي أجريناها مع المدراء التنفيذين ومدراء المستوى المتوسط عبر مجموعة واسعة من مختلف القطاعات في أميركا الشمالية.

تعمل آلاء رائدة أعمال مبتكرة، في إحدى الشركات متعددة الجنسيات، وهي الآن على خلاف مع سياسة العمل التي تنتهجها الشركة، حيث أدى الاندماج الأخير للشركة إلى تحويل ثقافة عملها القائمة على التعاون لتحقيق أداء عالٍ إلى ثقافة عمل تشجع على المنافسة إلى حد كبير. تؤمن آلاء بضرورة تبادل المعلومات مع زملائها والتعاون مع قادة الأعمال الآخرين ضمن الشركة، حيث أمضت سنوات عديدة في العمل بناء على هذه القيم، إلا أنها تجد نفسها الآن مضطرة للتظاهر بالموافقة على النهج الجديد الذي تعمل به الشركة.

يشعر حمد، بالمقابل، ببعض الضغوطات ليتمكن من التكيف لسبب مختلف. فهو صاحب مبادئ، ويرى أن قيمه وثقافته تتعارضان بشدة مع العديد من القيم التي يتسم بها غالبية زملائه ورؤسائه في الشركة التي يعمل فيها. وبسبب هذه الاختلافات، يدرك حمد أن التعبير عن آرائه المختلفة حول القرارات والممارسات التنظيمية ينطوي على مخاطرة كبيرة لأن ذلك قد يثير وجهات نظر نمطية لدى الآخرين حول ثقافته، أو قد يتعرض للتمييز السلبي. ولتجنب أي من هذه المضايقات التي قد يتعرض لها في مكان العمل، يفضل حمد في كثير من الأحيان التحفظ على آرائه، وكذلك الأفكار التي يحتمل أن تكون ابتكارية، حيث قد ينظر إليها الآخرون من منطلق آخر خارج إطار العمل.

وفي الحقيقة، يضطر معظم الأشخاص إلى التظاهر عكس ما يجول في خاطرهم من أفكار وآراء بشكل يومي لكي يتمكنوا من التكيف مع محيطهم والحصول على رضا وقبول الآخرين. ولكن يشير بحثنا إلى أن أشخاصاً مثل آلاء وحمد الذين يتبنون قيماً ووجهات نظر تختلف مع تلك التي تتباها الشركات التي يعملون فيها، أو حتى مع تلك القيم والآراء التي تخص أغلبية زملائهم قد يظهرون مستويات أعلى من الامتثال الزائف عند التعامل مع المسؤولين عنهم (مثل رئيسهم المباشر في الشركة) حرصاً لنيل رضاهم. ولقد وصلنا إلى النتيجة  ذاتها في أكثر من دراسة، وهي ما نطلق عليه "تأثير نزاهة القيادة على الموظفين".

وفي إحدى الدراسات، شارك 131 طالباً في اختبار عبر الإنترنت يحاكي بيئة العمل في المكاتب. وأُخبر المشاركون إنهم سيكونون ضمن جلسة حوارية عبر الإنترنت مع أشخاص آخرين يعملون في المكاتب حول موضوع يتعلق بقانون جديد يختص بالمشروبات الكحولية والمخدرات ضمن الحرم الجامعي. بدأ المشاركون بطرح وجهات نظرهم بشكل خاص حول الموضوع (مؤيد أو معارض)، ومن ثم صنّفهم النظام بشكل عشوائي ضمن 4 حالات مختلفة. تضمنت كل واحدة من الحالات الأربع مشاركين لديهم مجموعة قيم تتطابق أو تتعارض مع معظم قيم المشاركين عبر الإنترنت، إلى جانب قائد يتسم بمستوى عال أو منخفض من النزاهة. وبعد قراءة ردود المجموعة، رأى المشاركون أن الرسائل الخاصة التي تصف قائدهم (الشخص الذي تم اختياره لإدارة المناقشة) تتنوع بين مستوى عال أو منخفض من النزاهة. وأخيراً، طلب مدير الجلسة من كل مشارك كتابة بيان يلخص فيه وجهة نظره حول الموضوع المطروح للنقاش. وعند مقارنة هذه البيانات مع آراء المشاركين السابقة، وجدنا أن أولئك الذين يعدون الأقلية ممن وصفوا قادتهم بأنهم على درجة عالية من النزاهة والمصداقية، غيّر معظمهم آرائه لتتوافق مع رأي الأغلبية.

وفي استطلاع آخر شمل 135 شخصاً يعملون في أكثر من 20 قطاعاً مختلفاً، كانت النتائج متشابهة إلى حد كبير. وفي كلتا الدراستين اللتين فصلت بينهما فترة 3 أشهر، أجاب المشاركون عن أسئلة حول مدى توافق قيمهم الخاصة مع قيم الشركة التي يعملون فيها. كما سألناهم عن مستوى نزاهة ومصداقية قادتهم وأسلوبهم في إظهار امتثالهم لقيم الشركة. وأظهرت نتائجنا أن المشاركين الذين أشاروا إلى وجود تداخل بسيط بين قيمهم وقيم الشركة التي يعملون فيها، سجلوا أعلى المستويات لناحية التظاهر بالموافقة عندما تمت الإشارة إلى قائدهم في العمل على أنه شخص يتسم بنزاهة ومصداقية عالية. وسجلت المجموعة ذاتها أدنى مستوى من ناحية المشاركة في عملهم (أي حماسهم وإقبالهم على العمل، وكذلك شعورهم بالفخر وبمدى أهمية عملهم). تتماشى هذه النتيجة مع البحث السابق الذي استند إلى نتائج الاستطلاع الذي أشار إلى أن التظاهر بالموافقة والرضا يمكن أن يتسبب في إرهاق عاطفي للموظفين وتحفيزهم على الاستقالة من عملهم.

تكشف النتائج التي توصلنا إليها حالة من الدينامية المتناقضة: النزاهة والمصداقية هما من الخصال الحميدة في شخصية القائد، ولكن قد تثيران حالة من السلوك المعاكس لدى الموظفين من خلال إخفاء قيمهم وشخصيتهم الحقيقية.

لماذا قد يعتبر ذلك مشكلة؟ وفقاً لمبادئ نظرية التبادل الاجتماعي، فإن المعاملة الإيجابية أو القائمة على الفائدة من قبل الشركة أو القائد يمكن أن تدفع الموظفين إلى الشعور أنهم ملزمون بالمثل من خلال المشاركة باتباع سلوكيات محددة تصب في مصلحة الشركة فقط. وباعتماد هذا النهج، قد يحفز السلوك الحقيقي والأخلاقي للقائد الموظفين الذين يعملون تحت إدارته على الاستجابة بالمثل من خلال اتباع أساليب يعتقدون أنها ستفيد قائدهم والشركة. وبمعنى آخر، يمكن أن يضطر الموظفون أصحاب وجهات النظر التى تختلف عن وجهات نظر القائد أو الشركة إلى العمل وفقاً لمعايير وقيم الشركة على الرغم من معارضتهم لها. وبالإضافة إلى ذلك، يشير البحث إلى أن اضطرار الموظفين إلى التعامل مع قائد يتسم بدرجة عالية من النزاهة والمصداقية قد يثير لديهم مشاعر الخوف والمسائلة، ما سيدفع الموظفين إلى التظاهر عكس ما يشعرون به واتباع قيم الشركة على الرغم من معارضتها.

إن هذا التظاهر بالرضا عن سياسة عمل الشركة سيعود بالآثار السلبية على الشركة والموظفين، حيث إنه يتسبب في الجهد النفسي للموظف ومشاركته الفعالة في عمل الشركة، كما يتسبب في فقدان الشركة لوجهات النظر والأفكار المختلفة التي يمكن لها أن تحفز الإبداع والابتكار والتطور المؤسسي.

لذا ننصحكم في حال كنتم من أولئك القادة الذين يتسمون بالنزاهة والمصداقية، أن تعملوا على إنشاء بيئة عمل تحفز على إبداء وجهات النظر والأفكار المختلفة والاستفادة منها. وأن تتأكدوا من إيصال الرسائل الإيجابية إلى فريقكم بشكل دائم، التي من شأنها أن تشجعهم على التعبير عن ذاتهم وأفكارهم باعتبارها وسيلة ضرورية للارتقاء بمكانة الشركة وضمان نجاحها.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

error: المحتوى محمي !!