تابعنا على لينكد إن

“كيف أجد هدفي؟”، منذ نشري لكتاب مع دانييل غولاتي وأوليفر سيغوفيا والذي كان بعنوان “الشغف والهدف” (Passion & Purpose) قبل سبعة أعوام، استلمت مئات الأسئلة عن ماهية الهدف، من الشباب والكبار بالسن على حد سواء. فجميعنا يبحث عن هدف، ويشعر معظمنا أنه لم يجده أبداً، أو أنه فقده أو أنه عاجز عن تحقيقه.

ولكن وسط حالة الهلع هذه، أعتقد أننا نعاني أيضاً مما أعتبره مجموعة مفاهيم خاطئة أساسية بشأن الهدف، هذه المفاهيم الخاطئة تكون مغلّفة بالسؤال الذي أتلقاه دوماً: “كيف أجد هدفي؟”، وربما تكون مواجهتنا لهذه المفاهيم الخاطئة هي الوسيلة لمساعدتنا جميعاً في تطوير رؤية أشمل للهدف.

المفهوم الخاطئ الأول: الهدف هو شيء تجده فقط.

غالباً ما أرى على مواقع التواصل الاجتماعي اقتباساً ملهماً عن مارك توين يقول فيه: “إنّ أهم يومين في حياتك هما يوم ولادتك ويوم تكتشف سبب ولادتك”. فهو يشرح بدقة ما أدعوه “النسخة الهوليودية” من الهدف. إذ يمكن اعتبارنا نحن البشر مثل شخصيتي نيو (Neo) في فيلم “ماتركس”، وري (Rey) في فيلم حرب النجوم، كلنا نمضي في الحياة بانتظار أن يحدد لنا قدرنا هدفاً أسمى.

لا تُخطئ، فالأخطاء ممكنة ولو بشكل ما. شاهدت مؤخراً خطاب سكوت هاريسون من مؤسسة تشاريتي ووتر الخيرية (Charity Water). وكانت قصته تدور من عدة جهات حول كيفية إيجاده لهدف أسمى بعد فترة من التخبط والحيرة. ولكنني أظن أنّ حصول ذلك أندر مما يظنه معظم الناس. بالنسبة لطالب جامعي في العشرين من العمر أو رجل في الأربعين يعمل بوظيفة لا تلبي طموحاته، غالباً ما تكون الخيبة هي نهاية البحث عن حل سحري لمنح الحياة معناها، وليس الرضا.

أما فيما يتعلق بتحقيق الأهداف المهنية، يتوجب التركيز على جعل عملنا هادفاً بقدر تركيزنا على اكتساب الفائدة منه. إذا فكرنا بالأمر من وجهة نظر مختلفة، فالهدف هو شيء تبنيه، ولا تجده. ويكاد يكون لكل عمل هدف متميز. على سبيل المثال، يحمل سائقو حافلات المدارس على عواتقهم مسؤولية كبيرة عند اعتنائهم بعشرات الأطفال والحفاظ على سلامتهم، وهم جزء أساسي من ضمان تلقي أطفالنا التعليم الذي يحتاجونه ويستحقونه. كما يمارس الممرضون والممرضات دوراً ليس ببسيط في معالجة الأمراض، بالإضافة إلى إرشادهم ومساعدتهم لتجاوز إحدى أصعب الأوقات في الحياة. ويمكن أن يشكّل التعامل اللطيف لموظفي الصناديق الودودين رفعاً لمعنوياتنا، حيث نكون غالباً بحاجة ماسة لهذا النوع من التعامل أثناء النهار، أو على العكس، أن يكون التعامل سيئاً ويجعلنا نندم على رؤيتهم. ولكن في كل من هذه الأمثلة، غالباً ما يُستقى الهدف في المقام الأول من التركيز على ما يحمل الهدف والقيمة في العمل نفسه وأدائه بطريقة تُعزز هذا الهدف وتضعه في المحور. وبالطبع فإنّ بعض الوظائف تحمل بصورة طبيعية طابعاً هادفاً. ولكن الكثير من الوظائف الأخرى تقتضي أن نبذل جهداً بسيطاً على الأقل من أجل استثمارها في سعينا نحو أهدافنا.

المفهوم الخاطئ الثاني: الهدف هو شيء مفرد.

المفهوم الخاطئ الثاني والذي أسمعه كثيراً هو أنّ الهدف يمكن وصفه بأنه شيء مفرد. وبالفعل يبدو أنّ بعض الناس يملكون هدفاً عظيماً واحداً في حياتهم. فقد عاشت الأم تيريزا حياتها لخدمة الفقراء. ووضع سامويل جونسون كل ذرة من روحه في كتاباته. وكرّست ماري كوري كل طاقتها لعملها. ومع ذلك، كان لهؤلاء النجوم مصادر أخرى للأهداف في حياتهم. فالأم تيريزا خدمت الفقراء كجزء مما كانت تؤمن أنه هدف أسمى. وكانت العالمة كوري الحائزة على جائزة نوبل زوجة وأماً متفانية أيضاً (كتبت سيرة حياة زوجها بيير وحازت إحدى بناتها وتدعى أيرين على جائزة نوبل). كما عُرف جونسون بالإضافة إلى كتاباته أنه ناشط إنساني عظيم في مجتمعه وغالباً ما اعتنى بالفقراء.

سيحظى معظمنا بمصادر متعددة للأهداف في الحياة. عن نفسي، أجد أهدافاً في أطفالي، وفي زواجي، وفي عقيدتي وكتاباتي، وفي عملي ومجتمعي أيضاً. وبالنسبة للغالبية لا يكفي وجود هدف واحد. فنحن نبحث عن أهداف متعددة، نبحث عن مصادر متعددة للأهداف تساعدنا على إيجاد القيمة في العمل والحياة. وتُعتبر المجتمعات المهنية أحد عناصر هذا الهدف. وغالباً ما يكون عملنا وسيلة تساعدنا على مساعدة الآخرين بمن فيهم عائلاتنا ومجتمعاتنا وليس محوراً لأهدافنا. وإدراك هذه المصادر المتعددة للأهداف يخفف عنا ضغط إيجاد شيء وحيد يُعطي حياتنا معنى.

المفهوم الخاطئ الثالث: الهدف ثابت مع مرور الوقت.

من الشائع اليوم أن يمارس الإنسان عدة مهن على مدى حياته. مثلاً، أعرف شخصاً غادر مهنته الناجحة في القطاع التمويلي الخاص لإنشاء شركة ناشئة. وأعرف اثنين آخرين غادرا وظيفتيهما في عالم الأعمال للترشح لمنصب حكومي. وسواء غيّرنا التزاماتنا المهنية أم لا، سيمر معظمنا بمراحل شخصية يتغير فيها مصدر هدفه. كمراحل الطفولة والمراهقة والشباب والأبوة ومرحلة الفراغ عند مغادرة الأولاد للبيت.

ولا يعكس هذا التطور في مصادر أهدافنا نقص الالتزام لدينا، ولا يُعتبر ظاهرياً. بل هو طبيعي وجيد. والواقع أنّ مصادر أهدافنا التي نجدها في أماكن متعددة تتغير فعلاً عبر الزمن. فهدفي ومحور تركيزي عندما كنت في العشرين من العمر يختلف كلياً وبشتى الطرق عن هدفي اليوم، ويكاد ينطبق ذلك على كل الناس.

إذاً، سؤال: “كيف تجد هدفك؟” هو سؤال خاطئ. يجب علينا أن نسعى لتحديد هدف لكل أمر نقوم به، ونسمح بوجود عدة مصادر للأهداف في حياتنا ونتقبل تطورها الطبيعي عبر الزمن، حيث سيساعدنا فهم المقصود من “الهدف” على فهم وجوده ودوره في حياتنا بصورة أفضل.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz