ما سبب النجاح الباهر لبعض شركات وادي السيليكون؟

4 دقائق
النجاح الباهر لشركات وادي السيليكون
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

سافر مسؤولون تنفيذيون ورواد أعمال من جميع أنحاء العالم إلى وادي السيليكون لمعرفة أسرار النجاح الباهر لشركات وادي السيليكون تحديداً، إلا أننا في أثناء حديثنا مع مسؤولين تنفيذيين حول ما تعلموه، وجدنا أنهم يميلون إلى التركيز على عناصر سطحية بدلاً من التركيز على الأسباب الرئيسية لنجاح الشركات. لا شك أن السرعة والشجاعة أمران مهمان، لكن ماذا عن ثقافة هذه الشركات التي تساعدها على التطور؟ لهذا قررنا إجراء بعض البحث بأنفسنا.

التقينا خلال أسبوع في وادي السيليكون بأكثر من 50 شخصاً اختيروا بتأنٍ كي نحصل منهم على مجموعة كبيرة من الرؤى. قضينا بعض الوقت مع كبرى الجهات الفاعلة في المجال الرقمي وشركات متوسطة (منها شركتا “بوكس” (Box) و”بالانتير” (Palantir)، وخصوصاً العاملين بصفة أساسية في مجال التكنولوجيا المالية والخدمات التقنية. كما التقينا بقادة في مجال تمويل الأسهم الخاصة، ورأس المال المغامر، وحاضنات الأعمال، ومنها “آندرسن هورويتز” (Andreessen Horowitz) و”بلاي غراوند” (Playground). ومررنا على روّاد الفكر في وادي السيليكون، بدءاً من عميد جامعة “ستانفورد”، مروراً بمؤسس شركة “لونر” (Lunar)، انتهاءً بعضو مجلس إدارة شركة “تيسلا” (Tesla).

التعرّف على الهوية الابتكارية لوادي السيليكون

أبرزت هذه المحادثات بعض التوجهات والقيم التي ساعدت في شرح الهوية الابتكارية لوادي السيليكون. فيما يلي أكثر ما أدهشنا منها:

اجمع بين الجرأة والمثابرة

دائماً ما يسبح الابتكار الذي يخلق أسواقاً جديدة عكس التيار، لكن الجرأة بمفردها حيلة سهلة. ما لفت انتباهنا في هذه الشركات هو إصرارها اليومي على متابعة العمل على شيء حتى النهاية رغم الفشل شبه المستمر. وجدنا أن الأشخاص في جميع المستويات يتصرفون باتّزان فيما يتعلق بالفشل، ولا يتبرمون من الفوضى الكامنة في عملية التجريب. فالسحر بالنسبة لهم لا يكمن في لحظات الإلهام الأولية، بل في الالتزام بتقييم وصقل وإعادة العمل على النظم التي ستحقق النجاح.

استخدم قيادة قوية لتمكين التعاون الحقيقي مع الآخرين

في وادي السيليكون، يجمع القادة الذين يحدثون تأثيراً قوياً بين الرؤية الواضحة والمثابرة والقدرة على بناء مؤسسة تجذب غيرهم من كبار المفكرين. كما يتمتعون بإصرار أحادي التفكير يصعب الوقوف ضده، وذلك لتحقيق رؤيتهم.

ورغم أهمية هذا النوع من القيادة، فإن الأعمال لا تدار إلا بالقدرة على استغلال العقلية الجمعية للمؤسسة. شاع حديثاً التشدق بلفظ “التعاون مع الآخرين”، إلا أن أفضل شركات وادي السيليكون تجعله حقيقةً بالاستثمار في بيئة تعزز التعاون مع الآخرين. الأمر يتعدى المكاتب المفتوحة وطاولات البينغ بونغ في مكان العمل، فهو ثقافة تعمل الفرق فيها على تنظيم نفسها، ويعتاد الأشخاص بوظائفهم المختلفة على الاجتماع والعمل على مشاريع محددة فلا يكون تعاونهم ظرفاً استثنائياً، كما تكتسب الأفكار الجيدة زخماً من الأشخاص باجتذاب المهارات من جميع أنحاء العمل. فمع تقدم المشاريع وتكتلها، تتكون فرق جديدة لجمع المهارات والأولويات اللازمة، ويعمل المدراء على تمكينهم وتوصيلهم بتقديم تقييمات منتظمة ومتابعة التقدم.

أعطِ الموظفين قدراً كافياً من الحرية

تتعرف أقوى المؤسسات الخاضعة لقيادة مؤسسيها على ما يحفّز موظفيها. وفي الأحوال العادية يتوقع الموظفون العاملون على رسالة المؤسسة مقابلاً تنافسياً، لكن الأكثر أهمية بالنسبة لهم هي الفرصة لتشكيل طريق الابتكار ولعب دور هادف في نمو الأعمال وتطوير مهاراتهم القيادية. فكلما تعين على الموظفين المستقلين التمتع بسعة الحيلة واتخاذ القرارات، ازداد احتمال استمرارهم في العمل. أما القيود المفتعلة، مثل التسلسلات الهرمية الرسمية للمؤسسة، والنقاش بتفصيل شديد حول العمليات للوصول إلى رأي بالإجماع، فتتسبب في خسارة وتثبّط حسّ الموظفين بالحافز. تضع الشركات الأكثر ابتكاراً توقعات واضحة لمخاطر الأهداف والاستثمار، لكنها تترك الموظفين يحددون الطريقة الأفضل لمواجهتها، ولو عنى هذا الموافقة على جداول عمل مرنة وترك الموظفين يحضرون كلابهم أو دراجاتهم إلى مقر الشركة.

بناء المنصات لا المنتجات

في الاقتصاد القديم، كانت المسائل الحسابية بسيطة: كلما ازدادت المنتجات التي تبيعها، ازداد ربحك. إلا أن وادي السيليكون لا يفكر في “المنتجات”، بل يعتنق الاقتصادات غير المحدودة المتمثلة في فكرة المنصة، حيث نجد توصيل المستخدمين بعضهم ببعض وتفاعلهم هما العملة الجديدة في هذا العالم. وعلى عكس المنتج الثابت، تُحدَّد قيمة المنصة من قبل المستخدمين المشاركين فيها والمترددين عليها، كما يمكن للمنصة أن تتحول لتتأقلم مع احتياجاتهم وتقدر باستمرار خدمات وابتكارات جديدة. تفكر شركات وادي السيليكون في بيئات العمل والشبكات والخدمات القابلة للمشاركة. هذه العناصر اللازمة للتطور بسرعة كبيرة. أي عمل يحتاج إلى الربح في النهاية، لكن القدرة على التطور بسرعة هي ميزة تنافسية هائلة تفهمها شركات الوادي تماماً.

فكر مثل المهندسين والعملاء

بينما يشيع تعبير “تصميم يركز على المستخدم” على نحو متزايد، يعيش وادي السيليكون هذا التعبير ويعتنقه بصورة يعجز عن تخيلها المسؤولون التنفيذيون في أماكن أخرى. ففي شركات وادي السيليكون، نجد أن جميع مستوياتها -بدءاً من الرؤساء التنفيذيين مروراً بالمبرمجين وانتهاءً بالفرق متعددة الوظائف- مبرمجون على النظر إلى المشكلات من منظور المستخدم لمعرفة العمليات التي ستحقق التجربة الأسهل والأكثر ثراءً. فاهتمامهم الأكبر هو العميل، ويُتوقّع من الجميع حل مشكلات العميل والمستخدم متى وأينما وُجِدت.

اعلم أن دور المال محدود

انقضت تلك الفترة التي كان المغامرون برأس المال فيها أشبه بصرّاف للنقود على “طريق ساند هيل” (Sand Hill Road). عمر الابتكار قصير، ولهذا تجد رُوّاد الأعمال من أصحاب الأفكار الرائعة والخبرة العملية القليلة، يحتاجون إلى تدريب وبنية تحتية تماماً كما يحتاجون إلى المال. وقد تطور المغامرون برأس المال من دور الأذرع الممولة والتمثيل في مجالس الإدارة إلى تزويد رُوّاد الأعمال بكل شيء، بدءاً من المساحة والمعدات المعملية وحتى مجموعة صغيرة من المبرمجين.

الشركات الناشئة بالطبع تحتاج إلى مال أيضاً

بالطريقة نفسها التي تركز بها الشركات الناشئة على بناء المنصات التي تتطور بتوصيل الأشخاص والشركات بعضهم ببعض، تبحث هذه الشركات عن المغامرين برأس المال القادرين على إدخالها إلى بيئات عمل أوسع لتقديم دعم إضافي وتوسيع رؤيتها. جزء “الرؤية” لا بد منه: لا تتساوى جميع الشبكات، وقد يكمن الفارق بين فكرة جيدة وفكرة جيدة تتطور في السوق في فهم كيف تتسق وحدات الأنشطة في شبكة مع رؤية الشركة الناشئة.

نفّذ عمليات الاستحواذ بالشكل الصحيح

للشركات الكبرى الباحثة عن المواهب والإمكانيات الجديدة باعٌ طويل في عمليات الاستحواذ، لكن تنفيذها جيداً أمر صعب. يتبع الكثيرون من شاغلي الوظائف منهجاً يفتقر إلى البراعة، فالأهم من إيجاد الموهبة العظيمة هو ضبط التوقيت. والوقت الأمثل للتحرك ليس المراحل الأولية، حيث تكون الشركات الناشئة صغيرة وبحاجة إلى الحرية، ولا المراحل المتأخرة حيث تكون الشركات الناشئة قد أسست سمعتها. الوقت الأمثل هو المراحل الوسطى، حيث تكون الشركة الناشئة قد توصلت إلى فكرة مؤكدة ومستعدة لتطويرها. ويعني هذا للشركات الساعية وراء الاستحواذ أنها بحاجة إلى تطوير تحليل مُفصّل للسوق يوضح أين أنشئت القيمة بالفعل (أي أن الأعمال مؤكدة ولا تعتمد كثيراً على توقعات خيالية)، كما يحدد النمو الممكن تحقيقه عند تطوير التكنولوجيا أو الأعمال.

قد تصبح الشركات الكبرى أيضاً مسيطرة للغاية بعد الاستحواذ على الشركة الناشئة، فتضع قواعد وممارسات لا تتفق مع البنية غير المهيكلة للنشاط الناشئ حديثاً. وهذا لأن العاملين فيها ينظرون إلى الطريقة الأفضل لاستغلال أصولها بدلاً من التركيز على ثقافتها. فعلى الجهات الفاعلة الكبيرة أن تعرف متى تمارس القيادة ومتى تترك الشركاء الأصغر يحددون أسلوبهم في العمل. تحمل هذه النقطة تأكيداً على أهمية التغير الثقافي للشركات التي تحول مؤسساتها. ففي كثير من الحالات قد تصبح عناصر ثقافة الشركة المستحوَذ عليها نموذجاً للشركة المستحوِذة.

توضح هذه الدروس المستفادة من جميع التطورات التقنية في وادي السيليكون، أن النجاح الباهر لشركات وادي السيليكون وأعمق الرؤى وأكثرها تحويلاً نشأت عن قيادة هذه المنطقة لمجال ابتكار نماذج الأعمال منذ مدة طويلة.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!