أصبحت شركة فيسبوك العام الماضي ثاني أكبر شركة للتجارة الإلكترونية في أفريقيا بعد شركة جوميا، الشركة الرائدة في هذا المجال. وعلى الرغم من ذلك، لم يحتفل عملاق التواصل الاجتماعي الأميركي بذلك الإنجاز، كونه لم يروج لنفسه كشركة تجارة إلكترونية. ولكن مع تغلغل العلامات التجارية العالمية الخاصة بالتكنولوجيا في اقتصاديات أفريقيا، أصبح من الواضح أنّ معظم الشركات الناشئة المحلية تشهد مستويات جديدة من المنافسة، ما قد يؤدي إلى عرقلة سير أعمال شركة فيسبوك.

تسهّل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات (ICT) عملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية عبر الأسواق الأفريقية، حيث قدمت طرقاً جديدة لتبادل المعلومات والمعاملات التجارية؛ إذ تتسم هذه الطرق بالكفاءة والكلفة المنخفضة. كما غيّرت من شكل الهندسة الديناميكية للقطاعات المالية والترفيهية والاتصالات، ووفرت السبل لتسخير القدرات البشرية والمؤسساتية للبلدان في كل من القطاعين العام والخاص.

وكان لذلك أثراً تبعياً، وهو مساهمة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الانتقال بأفريقيا بسرعة نحو التنظيمات الاقتصادية ومجتمعات المعلومات القائمة على المعرفة، بما في ذلك شبكات الأفراد والشركات والدول التي ترتبط مع بعضها بالوسائل الإلكترونية وتوجد بينها علاقات تكافلية. شهدنا ذلك في كينيا، حيث ظهر نظام إم- بيسا (MPESA)، للحلول المالية عن طريق الهواتف المحمولة كأهم مؤسسة مصرفية من دون رخصة مصرفية. وحتى في مجال الزراعة نجد للتكنولوجيا الرقمية حصة فيها.

على مستوى المنطقة الأفريقية، تقوم المصارف بإغلاق فروعها وتوسيع أعمال قنواتها الرقمية وذلك مع انتقال العملاء بشكل متزايد إلى الخدمات القائمة على الإنترنت. إنّ المكاسب الإنتاجية من تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في أفريقيا يقلّ نظيرها، وعلى عكس التكنولوجيات التحويلية الأخرى، مثل المحركات البخارية والطائرات، تظل تطبيقات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في متناول اليد، حيث يُمكن للجميع أن يكون لهم دوراً إبداعياً.

ومع ذلك، في حين حققت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات مجموعة مكاسب ضخمة، إلا أنه يمكن للإنترنت أن يتسبب في خلل هائل ضمن الاقتصاديات المحلية. إنّ طبيعة الإنترنت غير المقيدة وغير المحدودة جعل من الممكن أن تصبح المنافسة عالمية. وإنّ الشركات القائمة على تقديم خدمات الإنترنت لا تحميها الجغرافيا من المنافسة، إذ أنّ تلك المنافسة غير المحدودة هي بمثابة تحد لرواد الأعمال المحليين. فالمستهلكون الأفارقة على اطلاع بأفضل المنتجات العالمية، ويُنتظر من المنتجات المحلية مجاراتها من حيث السعر والجودة. وعادة ما تقدم شركات التكنولوجيا العالمية النخبوية حلولاً أفضل بتكلفة منخفضة.

هذا هو الشلل الذي نلمسه في قطاعي الاتصالات والتجارة الإلكترونية وعبر قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الواسع. فعندما يقوم تطبيق واتساب بتوفير خدمة إرسال الرسائل النصية والمكالمات مجاناً (وفي بعض الحالات بجودة أفضل)، فإنّ عمالقة الاتصالات المحليين يخسرون مقابل ذلك الكثير. وعندما يقدم إنستغرام وسيلة رائعة لعرض المنتجات، تجد الصحف المحلية تعاني نتيجة ذلك. وعندما يتيح فيسبوك للتجار الوصول لملايين العملاء المحتملين من دون تكلفة ومن دون أسواق تقليدية أو عمولات، تبدأ التجارة الإلكترونية التقليدية بالتلاشي.

إنّ تداعيات ذلك هائلة: فقد أخرجت ناسبيرز (Naspers)، أكبر شركة في أفريقيا من حيث القيمة السوقية لرأس المال، أعمالها المصنّفة تحت مجال التجارية الإلكترونية من بعض الأسواق. جاء ذلك بعد أن تم بيع إحدى شركات التجارة الإلكترونية الرائدة في القارة بعد صراعها من أجل البقاء مرات عدة، على الرغم من أنها جنت أكثر من 75 مليون دولار.

ومن المؤكد، أنّ لدى أفريقيا شركات ناشئة واعدة، ولكن لتلك التي تعمل في مجالات متخصصة جداً مثل التكنولوجيا الزراعية وتكنولوجيا إدارة النفايات، حيث لا يوجد منافسة مباشرة مع عمالقة التكنولوجيا العالميين. وبصرف النظر عن تلك المجالات، يتنافس الجميع مع مواقع الخدمات العالمية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات مثل جوجل وفيسبوك. نحن ندرك أنّ استقطاب المزيد من العملاء عبر شبكة الإنترنت، لا يعني بالضرورة المزيد من العائدات، لأنّ الحصول على هؤلاء العملاء الإضافيين يتطلب عادة تقديم الخدمات مجاناً أو تقديم الحسومات. وتستخدم شركات قطاع التكنولوجيا المتصدرة عالمياً مثل تينسينت وجوجل العملاء للحصول على البيانات التي تساعدها على النمو وتحصيل العائدات. تقوم هذه الشركات بجمع البيانات على نطاق واسع بتكلفة هامشية قريبة من الصفر، حيث أصبح كل ذلك ممكناً بفضل الإنترنت. ولكونهم متقدمين بعدد هائل من المستخدمين فإنهم يستمرون في التطور، وتساعدهم البيانات التي يجمعونها على تحسين خوارزمياتهم. لا أمل من تغيير هذا النظام، الذي يخلق ركوداً تنافسياً لروّاد الأعمال المحليين.

إنّ التغلب على هذه التحديات المدمرة التي تفرضها خدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات العالمية سيكون صعباً. ولكن هناك بعض الخيارات المتاحة للشركات الأفريقية المحلية:

إنشاء قطاعات بمقومات غير متصلة بالإنترنت. لقد لاحظنا أنّ القطاعات التي يُمكن لعمالقة التكنولوجيا العالميين تقسيمها والسيطرة عليها هي القطاعات القائمة بالكامل على الإنترنت. وإنّ الشركات الناشئة التي تعمل في قطاعات قائمة على الجهد العملي الميداني لا يزال لديها الفرصة الواعدة للمنافسة أمام شركات التكنولوجيا، على الرغم من استخدامها للإنترنت لتطوير عملها. على سبيل المثال، أولئك الذين يعملون على جمع البيانات الزراعية من خلال الشراكة مع تعاونيات ومجتمعات زراعية ما زالوا غير مرتبطين مباشرة بمنافسة الشركة التي تعتمد بشكل كامل على شبكة الإنترنت. وعلى مستوى القارة، يؤيد الكثيرون الحلول المبنية على فكرة التمسك في هذه المجالات المتخصصة جداً كطريقة وحيدة لتجنب شركات التكنولوجيا العالمية وأذرعها المنافسة.

الانتقال إلى الولايات المتحدة. يطالب معظم المستثمرين، الذين بأغلبيتهم من خارج الولايات المتحدة، بأن تنتقل بعض الشركات المحلية إلى وادي السيليكون، حيث يُمكنهم الحصول على استفادة أمثل من البنى التحتية التمكينية مثل الخبرات والتمويل والنظم القانونية كوسيلة لتوطيد القدرة التنافسية مع الحفاظ على هوية المنتجات الأفريقية. إنّ البنية التحتية في أفريقيا هي إحدى أضعف الحلقات والتي تواصل عرقلة قدرات الشركات الناشئة المحلية لإنتاج سلع ذات صفات تنافسية كافية للتغلب على مثيلاتها الأجنبية. لقد اكتسب هذا الخيار شعبية في التكنولوجيا المالية: جعل العمل في الولايات المتحدة يصل إلى مستوى جديد من الشرعية على المستوى الأفريقي، حيث نرى أنّ شركة بيستاك (Paystack) النيجيرية قد بدأت أعمالها في لاغوس ثم نقلت منذ ذلك الحين بعض مشاريعها الأساسية إلى وادي السيليكون.

بطبيعة الحال، سيؤدي هذا النهج إلى إعادة تشكيل الاقتصاديات المحلية لأنها بذلك تفقد رواد الأعمال والشركات التجارية لصالح الدول الأجنبية. ويجب على المؤسسين اتخاذ أفضل القرارات لشركاتهم، على اعتبارهم مؤتمنين بحكم واجباتهم المهنية.

الاعتماد على البنية التحتية القائمة. تعد خدمات ترجمة اللغات من جوجل هي أفضل المتاح. وقريباً جداً، سوف تصبح الحلول التكنولوجية الداعمة في جوجل للّغة السواحيلية ولغة الإيغبو متماشية مع المعايير المحلية. قد تتمكن الاستراتيجية المدروسة من إيجاد وسائل لوضع الشركات الناشئة على طريق الاعتماد على البنية التحتية الحالية المزودة لخدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بدلاً من التنافس المباشر معها. في هذه الحالة، يمكن لشركة جوجل أن تدعم الالتزام بتأمين تكنولوجيات مساعد الصوت باللغات المحلية.

على مستوى أفريقيا، ربما يشعر المستهلكون بالحماس للحصول على منتجات مجانية عالية الجودة من خدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات العالمية. إلا أنّ رواد الأعمال المحليين ما زالوا يعانون من المنافسة، ومن دون هذه الشركات الناشئة لن يكون هناك اقتصاديات نشطة في أفريقيا. إلى جانب ذلك، يمكن أن يساعد الأخذ بالنصائح المذكورة أعلاه تلك الشركات على اكتساب ميزة تنافسية على الشركات العالمية. ومع مرور الوقت، فإنّ أفضل طريقة لحل المشكلة تَكمن في الاستثمار في التعليم والبنى التحتية التي يمكن أن تساعد القارة على التنافس وإنشاء شركات ضخمة في مجال التجارة العالمية.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!