تابعنا على لينكد إن

في ديسمبر (كانون الأول) 2008، قال الرئيس التنفيذي لشركة بلوكباستر جيم كيز في مقابلة صحفية عن إحدى الشركات: “نحن لا نعتبرها حتى كمنافس لنا”. كانت بلوكباستر شركة ذات انتشار عالمي ضخم تختص بتأجير أقراص الدي في دي، وكانت أغلب البيوت الأميركية تملك اشتراك بلوكباستر. كانت تلك الشركة فخورة بأن لديها أكثر من 9,000 فرع حول العالم، ويعمل فيها 84,300 موظف. وفي عام 2010، أفلست شركة بلوكباستر. قبل إفلاسها بثماني سنوات، في عام 2000، لم يبذل مدراء شركة بلوكباستر أي جهد في النقاش مع صاحب الشركة الجديدة الذي طرح التعاون عليهم، بل غادر المؤسس الغرفة، وهم يضحكون على فكرته. كانت الشركة الوليدة، كما توقعتم بالتأكيد، هي نتفليكس، التي تحولت خلال 17 عاماً منذ تأسيسها إلى ماردٍ ضخم، غيّر صناعة الترفيه المنزلي بشكلٍ كامل، اعتماداً على 3,400 موظف (5% من عدد موظفي بلوكباستر)، ولديها 117 مليون مستخدم (نصفهم خارج الولايات المتحدة) يشاهدون ما يقارب مليار ساعة بث أسبوعياً لمستخدميها حول العالم.

تقدم نتفليكس خدمة بث الأفلام والمسلسلات، ليستطيع المستهلك مشاهدة أي منها من خلال اتصاله بالإنترنت، وامتد عمل الشركة إلى إنتاج الأفلام والمسلسلات، حيث أنتجت بعض المسلسلات الأكثر مشاهدة في العالم مثل “هاوس أوف كاردز”، و”ناركو”، و”أوزارك”، و”أورانج إز ذا نيو بلاك”. ترشحت برامج نتفليكس لـ 432 جائزة، وربحت 72 جائزة منها 4 جوائز غولدن غلوب.

وقبل عام 2016، كان الشباب في المنطقة العربية يحسدون أقرانهم في الدول الأوروبية وأميركا، لأن “عندهم نتفليكس”. لذلك، لم تكن سعادتهم مستغربة عندما علموا في يناير (كانون الثاني) من عام 2016 أن نتفليكس ستتيح إمكانية الاشتراك بها ومشاهدة مكتبتها للمشاهدين في المنطقة العربية. التأخر في تخديم المنطقة العربية يتعلق ببساطة بحقوق المسلسلات والأفلام التي تعرضها نتفليكس، والتي استطاعت الحصول عليها للمنطقة العربية نتيجة انتهاء العقود، بالإضافة إلى عملها على الترجمة للعربية، ولو أنها لم تنجز هذه المهمة بشكلٍ جيد. وبالرغم من أن شركة IHG Markit للدراسات توقعت في دراسة لها في نهاية عام 2016 أن يصل عدد مشتركي نتفليكس في المنطقة إلى 1.29 مليون مشترك في عام 2021، أتوقع أن تصل إلى ضعف هذا الرقم مع زيادة سرعة الإنترنت المتوفرة للمستخدمين في دول الخليج، وتخفيض سعر اشتراكات الإنترنت على الجوال، وتوقيع تحالفات بين نتفليكس وشركات الهاتف المحمول لتسهيل إمكانية الاشتراك بدون الحاجة للبطاقات المصرفية، إضافة إلى زيادة نتفليكس لإنتاجها المحلي والمسلسلات المحلية التي تعرضها.

إتاحة الاشتراك للمنطقة العربية كانت الخطوة الأولى المنطقية بالنسبة للشركة، دخول السوق العربية التي يقطن فيها أكثر من 300 مليون نسمة، والبدء بجني الأموال من خلال الاشتراكات. أما الخطوة الثانية فهي حديث مقالنا، وهي الإنتاج التلفزيوني. مشهد الإنتاج التلفزيوني في المنطقة العربية ضعيف إلى حدٍ كبير إذا ما تمت مقارنته بحجم الإنتاج التلفزيوني في العالم. إذ أنه مرتبط بشكل أساسي بالقنوات الحكومية وبعض القنوات الخاصة التي تشتري المسلسلات، وأهم فترة لعرض المسلسلات هي شهر رمضان. ولا يوجد إحصاء رسمي لعدد المسلسلات العربية، إلا أن بضع جهات استطاعت خلال السنوات العشر الماضية تحقيق تغيير في هذا الوضع، منهم تلفزيون mbc وهيئة المنطقة الإعلامية في أبوظبي twofour54. إذ استطاعت الشركتان تحويل المسلسلات إلى “بزنس” حقيقي قابل للتطوير والاستثمار فيه وأنتجت عدداً من الإنتاجات العربية الضخمة منها “عمر” و”العراب” و”الأخوة”.

أولى إنتاجات نتفليكس الأصلية كانت البرنامج الفكاهي “عادل كرم لايف من بيروت” (وهي لم تكن موفقة للأسف، لذلك ننتظر مسلسل “جن” الذ سيبدأ تصويره نهاية عام 2018)، لكن ما الجديد الذي سيأتي به نتفليكس إلى المنطقة العربية، ها هي أهم النقاط الذي يستطيع المارد الجديد تغيير وجه الإنتاج التلفزيوني العربي:

الموارد المادية الضخمة. خصصت نتفليكس 6 مليارات دولار لإنتاجاتها الخاصة عام 2016، و7 مليارات دولار عام 2017، ووصلت موازنة الإنتاجات الخاصة إلى 8 مليارات دولار عام 2018. وهي ميزانية ضخمة لو تم تخصيص 5% منها للمنطقة العربية فإنها ستحدث نقلة نوعية في الإنتاج التلفزيوني في المنطقة، فرقم 400 مليون دولار هو ضعف ما أنفق على الدراما المصرية بأكملها خلال عام 2012.

كل يوم هو رمضان. العديد من الأسباب جعلت رمضان شهر المسلسلات. مما جعل أكبر الإنتاجات تصدر في رمضان، ورفع كلفة الإعلانات خلال الشهر نظراً لعدد الحجوزات، يترافق ذلك مع إنفاق دعائي أضخم لكافة الشركات الغذائية التي ترتفع مبيعاتها في رمضان. مع نتفليكس والخدمات المشابهة، يمكن أن يكون كل يوم رمضان، فللشركة طريقة في جذب المتابعين لمشاهدة الحلقات الجديدة، بالإضافة إلى أن طريقة العرض تزيد إدمان المتابعين على متابعة الحلقات بشكلٍ متتالٍ وبالتالي جعل كل يوم هو رمضان في ما يتعلق بعدد المشاهدين.

لا رقيب. كانت القنوات التلفزيونية المملوكة حكومياً هي الشاري الرئيسي لمعظم الأعمال العربية، وبالتالي كان على المنتجين التقيد بالشروط الرقابية التي تفرضها البلدان المختلفة بما فيها الثقافية والاجتماعية والسياسية. كما أن التلفزيونات الحكومية لديها مهمة عامة لا تستطيع أن تحيد عنها. أما اليوم، فلا خطوط حمر ولا رقابة، الرقيب والحكم الوحيد هو طلب الجمهور. وهذا قد يعزز ولاء المستهلك لنتفليكس إن بدأت بعرض ما لم يستطع مشاهدته من قبل.

الاعتماد على التقنية والبيانات الكبيرة. تملك نتفليكس بنية تحتية تقنية متقدمة جداً تتيح لها معرفة ما يطلبه المشاهدون. ففي غياب أدوات قياس المشاهدة في العالم العربي، تأتي التقنية التي تملكها نتفليكس لتعطي أدق التفاصيل عما يريده المشاهدون. ففي بعض الإحصاءات التي نشرتها نتفليكس، تكشف لنا قدرتها على معرفة الكثير عن مشاهديها: مواعيد مشاهدتهم للتلفزيون وماذا يشاهدون وكم مرة، وأين أوقفوا المشاهدة ضمن حلقة معينة أو في أي حلقة ضمن مسلسل معين، وما هو تفضيلهم بالنسبة للغة والترجمة والكثير من البيانات الأخرى التي تجعل اختيارهم للإنتاجات التلفزيونية أكثر دقة ومبني بشكل كبير جداً على طلبات المستخدمين.

هناك الكثير من الأمل من دخول نتفليكس إلى المنطقة في تعزيز الاستثمار في المحتوى التلفزيوني مما يعني المزيد من الأموال للمخرجين والفنانين الشباب الباحثين عن مموّل لأفكارهم. وستحمل السنوات القادمة شكل هذه الفرصة وحجمها وقدرة المخرجين والمنتجين العرب على الاستفادة منها. وهي أيضاً في الوقت نفسه دعوة لرواد الأعمال والشركات للاستثمار في هذا القطاع وزيادة عدد اللاعبين فيه، لأن الأمر الأكيد أن عادات مشاهدة التلفزيون في العالم ستتغير سريعاً، والكاسب الأكبر هو من يراها مقدماً ويعمل على الاستفادة منها.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن تكنولوجيا

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz