عندما تدخل إلى أي من أقسام خدمة زبائن في غالبية الشركات، فإنك سترى منظراً أقرب إلى ما يمكن أن تراه في مصنع منه في بيئة عاملين في المجال المعرفي. ففي جميع شركات العالم تقريباً عادة ما يكون مركز الاتصالات مصمماً على شكل صفوف من مكاتب العمل التي يجلس فيها مندوبون – يضعون سماعات ويطرقون رؤوسهم إلى أسفل – جل ما يقومون به هو ترديد نفس الجمل المحضرة مسبقاً والتفاعل بشكل آلي مع جميع الزبائن. وفي حين أنّ الملصقات على جدران المكاتب عادة ما تدعو المندوبين لأن يكونوا "على طبيعتهم" وأن "يتصرفوا بعفوية" و"يظهروا شخصيتهم الحقيقية"، فإنّ إدارات تلك الشركات تعمل ما في وسعها لمنعهم من ذلك ودفعهم إلى القضاء على أي تنوع في عملية خدمة الزبائن والتفاعل معهم. وعلاوة على ذلك يجري تسجيل المكالمات من أجل تقييم المندوبين في نهاية المطاف وفق قدراتهم على تحقيق مجموعة محددة مسبقاً من البنود المدرجة على قائمة مرجعية لمراقبة النوعية – مثل ما إذا كان المندوب يخاطب الزبون باسمه للتقرب منه وما إذا كان يشكره على ولائه للشركة وما إذا كان يستخدم الأسلوب المتفق عليه في التحية والوداع وقبل كل شيء ما إذا كان قد أدلى بمعلومات مغلوطة حول سياسات الشركة ومنتجاتها أو خدماتها من شأنها أن تضع الشركة في ورطة ما أو تسبب لها المصاعب والانتقادات.

باختصار، بينما تكافِئ الأقسام الأخرى الابتكار والتجريب وتشجع عليهما، تُمتدَح في قسم خدمة الزبائن سلوكيات الثبات وتقليل عدد الأخطاء والتقيد بالقواعد والإجراءات.

غير أنّ أبحاثنا تظهر أن هذا النمط من نهج الإدارة لا يؤدي فقط إلى تقديم خدمات بجودة منخفضة، بل من المرجح أنه يزيد عدد الأخطاء بدلاً من أن يخفضه.  

ففي استبيان عالمي عبر شبكة الإنترنت بمشاركة أكثر من 7,500 مندوب خدمات في 38 شركة مختلفة، وجدنا أن أقسام الخدمات إنما تنتمي إلى إحدى بيئات العمل الثلاث أو إلى أحد "المناخات" الثلاثة المختلفة التالية:

  1. مناخ التقيّد بالقواعد، حيث يعتمد مندوبو الخدمات في المقام الأول على سياسات الشركة وإجراءاتها في اتخاذ قراراتهم.
  2. مناخ الأحكام الفردية، حيث يعتمد المندوبون في المقام الأول على خبرتهم وتقييماتهم الذاتية في اتخاذ قراراتهم.
  3. مناخ الأحكام الشبكية، حيث يعتمد المندوبون في اتخاذ قراراتهم على نصائح وتوجيهات زملائهم.

وربما لا نستغرب حين نكتشف أن مناخ التقيد بالقواعد هو النمط السائد في أقسام خدمة الزبائن عموماً. ففي دراستنا يمكن تصنيف حوالي ثلاثة أرباع الشركات المستبينة ضمن أحد المناخات الثلاثة بشكل صريح وواضح. وفي تلك المؤسسات، أفاد 52% من المندوبين أنهم يعملون في مناخ التقيد بالقواعد مقارنة مع 35% أفادوا بأنهم يعملون في مناخ الأحكام الفردية، وفقط 12% أفادوا بأنهم يعملون في مناخ الأحكام الشبكية.

ولكن عندما ننظر إلى الأداء في تلك المناخات المختلفة (مقاساً بمعايير جهد الزبائن ورضا الزبائن والإنتاجية)، يتضح أن مناخ التقيد بالقواعد – الذي يظن المدراء أنه يضمن خبرة زبائن ثابتة الجودة في جميع التعاملات معهم – هو الأسوأ من حيث الأداء. وفي حين أن مناخ الأحكام الفردية يؤدي إلى نتائج أفضل بقليل، ينجح مناخ الأحكام الشبكية في تحقيق قفزة حقيقية في الأداء. إذ إنّ مناخ الأحكام الشبكية يؤدي إلى سوية أداء أفضل بنسبة 50% من وسطي أداء مراكز الاتصالات. ونفس التقييم ينطبق أيضاً على ارتكاب الأخطاء. فمناخ الأحكام الشبكية يخفض في الواقع احتمال ارتكاب المندوبين للأخطاء بنسبة 25% بالمقارنة مع مناخ الأحكام الفردية ومناخ التقيّد بالقواعد على حد سواء.

لقد تبين أن أفضل طريقة لتحسين الأداء وتخفيض المخاطر لا تكمن في إحكام السيطرة على المندوبين وإدارتهم بحزم، بل في تحريرهم والسماح لهم بالانخراط مع زملائهم ومشاركتهم أفضل الممارسات والدروس المستقاة من التعامل مع ما يطلبه الزبائن من خدمات.

ولكن لماذا يكون أداء المندوبين في مناخ الأحكام الشبكية أفضل؟ نرى أن الأمر يرتبط إلى حد ما بتغير طبيعة ما يطلبه الزبائن من خدمات. فقبل عصر الخدمة الذاتية، كان من المنطقي أن تؤدي الإدارة الصارمة لمركز الاتصالات إلى تحسين الأداء، وذلك بسبب بساطة المواضيع التي كان المندوبون يعالجونها وإمكانية توقع ما يمكن أن يطلبه الزبائن من خدمات – مثل التحقق من الأرصدة وتغيير العناوين وتتبع مسار الطرود. أما وقد بات التعامل مع هذه المواضيع البسيطة يجري عبر قنوات الخدمة الذاتية والمؤتمتة، فإنّ المواضيع التي تشق طريقها إلى المندوبين البشريين باتت أقل قابلية للتنبؤ إلى حد بعيد. وفي مثل هذه البيئة من الصعب تزويد المندوبين بتعليمات مكتوبة أو بلوائح مرجعية صالحة لكل الحالات الممكنة. بل إنّ ورود المواضيع الجديدة والفريدة التي يطرحها الزبائن في كل دقيقة، يجعل من المنطقي أكثر تحرير المندوبين وتمكينهم من الاستفادة من حكمة أندادهم وخبراتهم والدروس التي تعلموها.  

وفي حين نجد المندوبين في مراكز الاتصالات النمطية يعملون باستقلالية كل على حدة لحل المواضيع التي يطرحها زبائنهم، من المرجح أن نراهم في مناخ الأحكام الشبكية يتجاوزون جدران مكاتبهم المكعبة للتشاور مع زملائهم أو يتجمعون حول لوح أبيض أو يستخدمون أدوات التواصل الحديثة كالتراسل الفوري لتبادل النصائح والتعاون على إيجاد الحلول المناسبة للقضايا والمسائل المعقدة.

ولا شك في أن تحويل المناخ السائد في مؤسسة ما إلى مناخ الأحكام الشبكية يستغرق الكثير من الوقت ويتطلب التزاماً صارماً بإنجاز ذلك التحول؛ لكنه أمر ممكن. ولقد خلصت دراستنا إلى تحديد خطوتين أساسيتين اثنتين من أجل إنجاح ذلك التحول:

  1. استثمر في أدوات التعاون فيما بين المندوبين وكافئ سلوكهم التعاوني: على الشركات أن تبدي رغبتها وحرصها على تعلم الزملاء من بعضهم البعض وتشارك خبراتهم ومعارفهم من خلال الحوافز وآليات القياس (مكافأة المندوبين على التعاون فيما بينهم وتقديم النصح والمساعدة لبعضهم البعض)، كما يتعين عليها أن تقرب المندوبين من بعضهم البعض – مادياً (من خلال إعادة النظر في ترتيب وتنسيق المكاتب ضمن الصالة) وافتراضياً (من خلال استخدام أدوات التواصل كالتراسل الفوري ومنتديات النقاش). ولعل لتدريب المشرفين دور كبير أيضاً في تعزيز سلوكيات التعاون التي تمثل القاعدة الأساسية لخلق مناخ الأحكام الشبكية.
  2. أشرك المندوبين في عملية تحديد العقبات التي تقف في طريق التعاون: يفاجأ المدراء أحياناً بعدم تحسن سوية التعاون ضمن فريقهم تلقائياً بعد هدم الجدران والحواجز بين مكاتب أفراد الفريق والاستثمار في وسائل التواصل والتعاون فيما بينهم. وكثيراً ما تبقى بعض الحواجز المعيقة للتعاون موجودة ولكنها غير مرئية ولا تتكشف إلا عند إشراك المندوبين في جولات الاستماع ومجموعات النقاش التي تركز على مواضيع بعينها. ولعل من أكبر المعيقات أمام تعزيز التعاون فيما بين الزملاء الاعتماد على مقياس الإنتاجية التقليدي المعروف باسم "متوسط زمن المعالجة" الذي كتبنا عنه سابقاً. يقول أحد المدراء في إحدى كبريات شركات البيع بالتجزئة: "لم نتمكن من تحديد سبب عدم تعاون مندوبينا فيما بينهم على الرغم من رسائلنا القوية لهم عبر مدرائهم برغبتنا الشديدة في أن يتعاونوا. ولكن عندما جمعناهم مع بعضهم لحضور جلسة عصف ذهني، اكتشفنا أن مغالاتنا في الاعتماد على قياس متوسط زمن المعالجة بوصفه معياراً للأداء كانت توجه إلى المندوبين رسائل معاكسة تماماً لما هو مطلوب، مفادها أن ما يهمنا هو الرد على الاتصالات بسرعة، لا الرد بالشكل الأمثل ولو تطلب ذلك استشارة أحد الزملاء والاستفادة من خبراتهم ومعارفهم".   

يوفر مناخ الأحكام الشبكية للمندوبين فرصة أن يكونوا حلالي مشاكل حقيقيين وأن يقدموا خدماتهم على أفضل وجه من دون أن يبذل زبائنهم الكثير من الجهد، وهذا يعني أن يكون بوسعهم تشارك الأفكار والخبرات مع أندادهم وإيصال بواعث قلقهم إلى رؤسائهم؛ وأن يتولوا زمام المبادرة والتحكم، ويشاركوا زملاءهم بما يعرفونه.

ولهذا المناخ ميزة إضافية مهمة، ألا وهي أنّ المندوبين يفضلونه على المناخات الأخرى؛ حيث إننا نراهم يبذلون في هذا المناخ جهوداً طوعية أكبر بنسبة 54% ولديهم نية في البقاء في مكان عملهم أكبر بنسبة 17% من أولئك الذين يعملون في بيئة مراكز الاتصال الوسطية السائدة. ولا شك أن رغبة المندوبين في البقاء مدة أطول في شركتهم وانخراطهم أكثر في بيئة عملهم يعززان إنتاجيتهم وتعاونهم ويحسن سوية الأداء العام لقسم خدمة الزبائن في الشركة. وبالمحصلة يمثل تطبيق مناخ الأحكام الشبكية رهاناً رابحاً ثلاثي الأوجه للمؤسسات التي تعتمده – فهو أفضل بالنسبة للمندوبين كأفراد، وبالنسبة للشركة ككل، وبالنسبة للزبائن في نهاية المطاف.  

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

error: المحتوى محمي !!