تنفق الشركات الأمريكيّة أكثر من 900 مليار على أقسام وكوادر المبيعات فيها، وهذا الرقم أكثر بثلاثة أضعاف المبالغ التي تنفقها على جميع حملاتها الإعلانيّة. فالمبيعات حتّى الآن هي الجزء الأكثر تكلفة في تنفيذ الإستراتيجيّات لدى معظم الشركات. ولكنّ الشركات في المعدّل لا تحقّق سوى 50 إلى 60 بالمئة من أدائها الماليّ الذي تعد بتحقيقه التوقّعات الخاصّة بالمبيعات والإستراتيجيات. وأكثر من نصف المديرين التنفيذيين (56% تحديداً) يقولون إنّ التحدّي الأكبر الذي يواجهونه يتمثّل في ضمان أنّ تكون القرارات اليوميّة التي يتخذونها بشأن الإستراتيجية وتخصيص المصادر متوافقة مع إستراتيجيات شركاتهم. وهذا يعني أن قدراً كبيراً من الأموال والجهود تذهب سدى.
أين تكمن المشكلة إذاً؟

وفقاً لتقييم شارك به أكثر من 700 من المختصّين في مجال المبيعات والمديرين رفيعي المستوى وأجرته شركة GrowthPlay- وهي شركة استشارات متخصّصة في قضايا المبيعات، وأحد كتّاب هذه المقالة هو مديرها الإداري، تبيّن أنّ المشكلة تتعلّق بالتباين الحاصل في زوايا النظر والتوجّهات وتدفق المعلومات بين المديرين التنفيذيين وممثلي المبيعات.

فقد وجّه هذا الاستبيان للمشاركين، وهم مديرون تنفيذيون، ومديرون على مستويات متوسّطة، وممثلو مبيعات من شركات بمختلف الأحجام في العديد من القطاعات مثل بضائع المستهلكين وقطاع الاتصالات والتصنيع وقطاع البيع بالجملة والنقل والضيافة- مجموعة من الأسئلة بخصوص مقدار تأثير التوجيهات الإستراتيجية في شركاتهم في العناصر الأساسيّة الستّة في المبيعات: العملاء المستهدفون، ومهامّ المبيعات المترتّبة على رحلات الشراء التي يقوم بها هؤلاء العملاء، ونوع موظفي الأعمال الأمثل لأداء هذه المهام، وكيفية تنظيم الشركة لمبيعاتها وجهودها الأخرى في السوق، بالإضافة إلى أشكال التفاعل بين الأقسام المطلوبة لبيع القيمة وإيصالها إلى العملاء.

تظهر النتائج أنّ المديرين التنفيذيين يشعرون أنّهم يمتلكون إدراكاً كبيراً للأولويّات الإستراتيجية في شركاتهم، بينما موظفو المبيعات، الذين لا يشاركون عادة في اجتماعات وضع الخطط، أو حتّى في الاجتماعات عبر الهاتف، ولا يتواصلون مع الأشخاص الذي يضعون إستراتيجيات الشركة، فقالوا إنّهم لا يدركون أولويات شركاتهم.

هنالك أوجه أخرى للتباين كذلك. فالقادة مثلاً يرون وجود خلل في معظم الجوانب المتعلقة بالمهام الجوهريّة لأقسام المبيعات وأداء موظفيها، والجانب الوحيد الذي تلقّى تقييماً إيجابيّاً من المديرين التنفيذيين هو ذلك المتعلق بالتعويضات، ولا عجب في ذلك لأنّهم هم من يقرّرون سياسات التعويضات والمنافع!

هارفارد-بزنس-ريفيو-التنفيذيون-ورجال-المبيعات

وبناء على هذه النتائج يمكن أن نخرج بصورة عامّة عن الوضع القائم: كبار القادة في الشركات يمتلكون فهماً أفضل نسبيّاً بخصوص أهداف الشركة ووجهتها مقارنة بموظفي المبيعات، كما أنّهم يخشون أنهم لا يمتلكون العمليّات الأسلم فيما يتعلق بالمبيعات ولا يتوفّر لديهم الأشخاص الأنسب لهذه المهامّ.

ومن ناحيتهم أبدى موظفو المبيعات ثقتهم بقدراتهم على تنفيذ مهامّهم، ولكنّهم يقرّون بأنّ معرفتهم بوجهة الشركة وخططها الإستراتيجية محدودة، ويعرفون التأثير السلبيّ لذلك على سلوكهم في الشركات التي يعملون بها.

أضف إلى ذلك أنّ بين المجموعات تبايناً كبيراً فيما يتعلّق ببعض العناصر الأساسيّة، كالتوظيف والتدريب وتخصيص المهامّ. وهكذا يتبيّن لنا أنّ تلك الجملة البسيطة "أنا من شركة كذا وأنا هنا لأقدّم لك المساعدة" هي جملة لا معنى له في واقع الأمر في واقع العديد من الشركات.
فحين يريد القادة أن يحققوا بعض التغيير فإنّ هذا التباين الحاصل في قواعد الشركة يخلق حلقة مفرغة محبطة ومكلفة في آنٍ معاً.
إنّ موظفي المبيعات يكتسبون قدرات أفضل في جوانب غير ذات أهمّية كبرى للمديرين والعملاء وذلك لأنّهم لا يمتلكون فكرة واضحة عن توقّعات الأداء المطلوب منهم.

وهكذا تكون الشركات عاجزة عن جني أفضل العائدات من 12 مليار دولار تنفقها سنويّاً على أدوات تعزيز المبيعات، والمليارات الأخرى التي تضعها على تقنيات إدارة علاقات العملاء.

كما أنّ توظيف الأشخاص الأنسب يصبح مشكلة بحدّ ذاته أيضاً، خاصّة مع وجود أنماط جديدة للشراء في ظلّ تقنيات الإنترنت الحديثة والتي تعيد تشكيل مهامّ المبيعات بشكل مستمرّ. فإن كان ثمّة انقطاع في التواصل بين المديرين التنفيذيين والموظفين المسؤولين عن التعامل المباشر مع العملاء فإنّه لن يكون بوسع القادة أن يمتلكوا فكرة عن المهارات والقدرات التي يجب أن تتوفّر في الأشخاص الذين يرغبون في توظيفهم.

وفي حال الإقدام على أيّ من هذه الخطوات دون تحسين معرفة موظفي المبيعات بأهداف أعمال الشركة فإنّ ذلك سيؤدي إلى تعثّر الشركة في "فخّ الكفاءة": فموظفو المبيعات يزدادون كفاءة في أعمالهم الروتينية، ولكنّ هذه الأعمال نفسها تمنع الشركة وإدارتها من الاطلاع الجيّد على الإجراءات والأعمال الأخرى الأنسب وفق ظروف السوق المتغيّرة.

ولتجاوز هذا التباين الحاصل، فإنّ على الشركات أن تكسر هذه الحلقة وأن تتوجّه لمعالجة جوهر المشكلة بدل الانشغال بأعراضها. هذا الأمر صعب عادة لأنّه يتطلّب قيام مجموعة من الأطراف المعنيّة بين مختلف الأقسام في الاستثمار بمنهجيّة جديدة مع الحرص في الوقت ذاته على الوفاء بالتزاماتهم والحفاظ على سير الأعمال في الشركة. ولكن التخطيط الجيّد ودعم القيادة وتوجيهها سيساعد في تجاوز هذا الأمر.
فلنأخذ مثلاً شركة كبيرة لتزويد الطاقة للمنازل في سوق ناضح عالي التسليع مع قيود محدودة تؤثّر على العائدات والأرباح. فمن أجل تحقيق النموّ فإنّ الشركة قررت الالتزام بإستراتيجيّة تنويع المنتجات التي تقدّمها، وهذا يعني إجراء تحوّل على إدارة المبيعات فيها، والتي كانت تركّز فيما سبق على بيع المنتجات وفق أسعارها، لتتوجّه إلى بيع الخدمات التي تمثّل قيمة مضافة.

وهذه هي الإجراءات التي أقدمت عليها الإدارة العليا في الشركة:

ربط الممارسات العملية بالإستراتيجيات: بعد حوارات أجراها كبار المديرين مع موظفي المبيعات وبقية المديرين في الخطّ الأماميّ من أعمال الشركة طرحوا على أنفسهم هذا السؤال: "هل يجري موظف المبيعات الحوار المناسب الذي يساعد العميل على التعرف إلى قيمة الخدمات المعروضة؟" فإن كان الجواب بالسلب، فإنّ الفريق يقوم بتحديد أساليب البيع التي يجب تركها والاعتماد على عملية جديدة تشتمل على أساليب أخرى يتمّ توضيحها لموظفي المبيعات من أجل ضمان تنفيذها.

تغيير المنهجيّة الخاصّة بالتدريب: التزم المديرون بتكثيف جهودهم من أجل توزيع التدريب على مجموعة من الأسابيع، بحيث تتاح الفرصة لموظفي المبيعات بتطبيق الممارسات الجديدة بشكل تدريجي، فهذا أفضل من محاولة تعلّم العملية واستيعابها دفعة واحدة. وقد تم تعديل العملية بما يناسب الموظفين الجدد وتم دمجها ضمن متطّلبات توظيفهم. وهذا الأمر يتوافق مع ما تشير إليه الأبحاث بخصوص ضرورة جانب الممارسة العمليّة في التدريب من أجل الحصول على النتائج. فاكتساب مهارات سلوكيّة جديدة يتطلّب التكرار، فلا بد أن يمارس الشخص سلوكاً جديداً ما أكثر مرّة حتّى يترسّخ لديه ويؤدّيه بشكل تلقائي وفعّال.

في الوقت ذاته شارك مديرو المبيعات في عدد من جلسات التطوير من أجل تعزيز مهاراتهم في التدريب والتوجيه. وكان الهدف من ذلك توجيه الحوارات المتعلقة بالأداء على موظفي المبيعات وكيفية تقديمهم الخدمة للعملاء، بالإضافة إلى عملية بيع القيمة، وهي جانب أساسيّ في هذه الإستراتيجية.

إعادة النظر في عمليات تقييم الأداء والتعويضات. تمّ تعديل العمولات من أجل التأكيد على أهمّية خدمات القيمة المضافة، كما تم تقديم حوافز إضافية لمكافئة موظفي المبيعات الذي يتقنون الممارسات اللازمة لتنفيذ الإستراتيجية، دون أن ترتبط المكافأة بالضرورة بالنتائج الماليّة المتحقّقة. كما تمّ إضافة بند خاص بالالتزام بممارسات المبيعات المطلوبة ضمن نموذج تقييم موظف المبيعات، وبدأ المديرون والموظفون يأخذون هذه التقييمات على محمل الجدّ، باعتبارها أداة لتنفيذ الإستراتيجية والتطوير، وليس كمفتاح للنقاش حول التعويضات.
تغيير العمليات الخاصّة بالتوظيف: وهذا من أهمّ التحوّلات المتعلقّة بمديري المبيعات على الخطوط الأماميّة. فقد بدأت الشركة بالفعل بتقييم المديرين المرشّحين للعمل معهم بناء على قدرتهم على فرض هذه العملية وترسيخها، وليس على مجرّد مهارتهم في مجال المبيعات.

الحاصل أنّ الأداء المتعلق بالمبيعات والمكانة التنفسيّة لهذه الشركة قد شهدت تحسّناً كبيراً بهذه هذه الخطوات. لقد أعلنت قيادة الشركة عن إستراتيجيتها بكل وضوح واتّساق، وقامت بتحليل الفجوة بين المهامّ الحاليّة للمبيعات والأهداف المطلوب تحقيقها. وقد اشتملت هذه المنهجيّة على عناصر التدريب والتعويض ومراجعات الأداء وعمليات التوظيف، وكان هذا الترتيب كفيلاً بتعزيز التوافق بين جهود الإدارة العليا في الشركة وأقسام المبيعات فيها.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!