يمتلك روبرت بوزان (Robert Pozen) معرفة جيدة في ما يخص التفوق في القمة: فهو الرئيس السابق لشركة إم إف سي لإدارة الاستثمارات (MFS Investment Management)، كما أنه كبير المحاضرين في كلية هارفارد للأعمال، ومؤلف كتاب "الإنتاجية القصوى" (Extreme Productivity). وفيما يلي يتحدث بوزان عن التغيرات التي طرأت على مر السنين في المطالب المفروضة على المدراء التنفيذيين عموماً، والرؤساء التنفيذيين للشركات خصوصاً، وكيف يمكن للقادة اليوم التعامل بأفضل طريقة ممكنة مع أيامهم المليئة بالمشاغل.

السؤال: ما هي القضايا الملحة التي تؤثر على إنتاجية المدراء التنفيذيين اليوم، وكيف بمقدورهم التصدّي لها؟

الجواب: بالنسبة للمدراء التنفيذيين الذين لا يشغلون مناصب تنفيذية عليا، أعتقد أنّ القضيتين الملحتين هنا هما الاجتماعات والبريد الإلكتروني، إذ تستهلكان قدراً غير معقول من أوقات الناس، في حين أنّ جزءاً كبيراً من هذا الوقت هو بمثابة وقت ضائع. لكن كلتا المشكلتين يمكن حلهما.

بالنسبة للبريد الإلكتروني، اقتراحاتي في غاية البساطة. أولاً، لا تتفقد بريدك الإلكتروني كل دقيقة؛ وإنما تفقده كل ساعة أو ساعتين. ثانياً، حاول أن تجبر نفسك على قراءة عناوين الرسائل فقط، بحيث تقوم بحذف 50 إلى 80% من رسائلك الإلكترونية فوراً، فنحن جميعاً نتلقى الكثير من الرسائل غير المرغوب بها. ثالثاً، أنصح بتطبيق القاعدة القائلة بالتعامل مع أي رسالة إلكترونية لمرة واحدة فقط، بحيث تقرر فوراً ما الذي تريد فعله بكل واحدة من هذه الرسائل. ركّز على الرسائل الإلكترونية المهمة وأجب عنها فوراً، ولا تحاول أن تضعها ضمن أي نظام للتخزين، لأنه عندما يحين الوقت الذي تكون فيه جاهزاً للتعامل معها، فإنك ستقضي نصف ساعة أخرى محاولاً العثور عليها.

أما بالنسبة للاجتماعات، فقد كنت واضحاً في كتابي عندما ذكرت الخصائص التي يتصف بها أي اجتماع جيد. أولاً، يجب أن تكون قد أرسلت المواد وجدول الأعمال سلفاً وقبل موعد انعقاد الاجتماع. ثانياً، الشخص الذي يقوم بعرض القضايا يجب أن يتحدث لمدة لا تزيد عن 10 دقائق إلى 15 دقيقة، بحيث لا يستهلك وقت الاجتماع برمته. ثالثاً، يجب أن تفسح المجال أمام النقاش والحوار الحقيقيين. رابعاً، يجب أن تنهي الاجتماع بعد التوصل إلى نقاط عمل واضحة: ما هي الخطوات التالية؟ ومن الذي سيتابع تنفيذها؟ وما هو الإطار الزمني لإنجازها؟ خامساً، يجب أن تنهي الاجتماع بعد 90 دقيقة على الأكثر، وحاول أن تنهيه خلال 60 دقيقة.

هناك قضايا تختلف اختلافاً طفيفاً تخص الرؤساء التنفيذيين وكبار المدراء التنفيذيين في الشركة، أليس كذلك؟

هناك الكثير من القضايا الحرجة التي اكتشفها أثناء تقديم النصائح للمدراء التنفيذيين (وأنا واحد منهم) تنبع من كيفية تخصيصهم للوقت.

هناك خطآن كلاسيكيان يرتكبهما الرؤساء التنفيذيون. أولاً، هم غالباً ما يملؤون كل ساعة في جدول أعمال يومهم بالمواعيد. لذلك أعتقد أنك يجب أن تترك بعض الوقت لنفسك، كأن تترك ساعة في الصباح وساعة في المساء على سبيل المثال للتفكير وللمستجدات وللحالات الطارئة.

أما الخطأ الآخر، وهو أكثر جوهرية، فيتمثل بأنّ العديد من الرؤساء التنفيذيين يطرحون على أنفسهم السؤال الخطأ: بما أنّ هناك أربع وظائف رئيسية يجب القيام بها، فمن هو الشخص الأفضل لأدائها؟ العديد من كبار المدراء التنفيذيين غالباً ما يتوصّلون إلى الإجابة ذاتها في المجالات الأربعة جميعها: أنا وأنا وأنا وأنا. ما يملأ جعبتهم بالكثير من المهام التي يتعين عليهم القيام بها.

لكن السؤال الأفضل هو: ما الذي أستطيع أنا وفقط أنا بوصفي رئيساً تنفيذياً أن أفعله؟ وهذا سؤال مختلف بالطبع.

على سبيل المثال، ربما يكون الرؤساء التنفيذيون قد جاؤوا أصلاً من قسم الإعلان أو التسويق في الشركة، لذلك قد يكونون الأشخاص الأفضل والأقدر على تصميم حملة إعلانية جديدة في ضوء المهارات التي يمتلكونها. إلا أنّ ذلك ليس الاستغلال الأفضل لوقتهم، لأن هذه المهمّة يمكن تفويضها ببساطة إلى أشخاص آخرين. من جهة أخرى، إذا كان أحد المدراء التنفيذيين يجب أن يجتمع مع أحد كبار المسؤولين الحكوميين، فإنّ الرئيس التنفيذي قد يكون الشخص الوحيد الذي يتمتع بالمؤهلات التي تخوله حضور هكذا اجتماع. أو إذا كان هناك شخص بحاجة إلى أن يتعامل مع مجلس الإدارة، فقد يكون الرئيس التنفيذي هو الشخص الوحيد الذي يمكنه أن يقوم بذلك بكل فعالية.

حسن استغلال الرئيس التنفيذي لوقته هو أمر واجب ولا مفرّ منه، لأن الوقت هو أندر الموارد المتاحة له. لكن العديد من الرؤساء التنفيذيين ينتهي بهم المطاف وقد قضوا أوقاتاً طويلة في فعل أشياء يمكن بكل بساطة تفويض أمرها إلى أناس آخرين، بينما لا يمنحون ما يكفي من الوقت للقيام بأمور تعتبر أساسية بالنسبة للرئيس التنفيذي.

أنت تعكف على تحليل هذا الموضوع منذ وقت طويل، بوصفك أكاديمياً ومديراً تنفيذياً. فما هي التغيّرات التي رأيتها حصلت مع مرور الوقت؟

هناك الكثير من القضايا لا تزال قائمة حتى الآن؛ لكن الفرق الهائل يكمن في التكنولوجيا والتي تعتبر عاملاً إيجابياً للغاية وسلبياً للغاية في الوقت ذاته. هذه التكنولوجيا إيجابي من حيث أنك قادر الآن كرئيس تنفيذي أن تستغل وقتك بمنتهى الكفاءة. حيث إنه بوسعك أن تتحدّث إلى أي شخص كان عبر الهاتف من أي مكان تشاء تقريباً. وبمقدورك الحصول على المعلومات بصورة فورية؛ كما أنّ الرؤساء التنفيذيين قادرون على إنجاز الكثير من المهام وهم جالسون في المقعد الخلفي لسياراتهم.

من جهة أخرى، وبما أنّ الناس قادرون على الوصول إليك بهذه السهولة، فإنّ من الصعب عليك أن تجد وقتاً للتفكير. وإذا تركت نفسك تتحول إلى شخص يعطي توجيهات مفصلة طوال الوقت، فإنّ مرؤوسيك سيطلبون منك التوجيهات طوال الوقت.

إذاً عندما يتعلّق الأمر بالتكنولوجيا، فمن الضروري رسم الحدود الفاصلة، أليس كذلك؟

نعم. إذ إنه قبل أن تقتحم التكنولوجيا بتفرعاتها الكثيرة حياتنا، كان يمكن للمرء أن يخفي نفسه نوعاً ما. أما الآن، فليس ثمّة أي عوائق على حجم المعلومات التي يمكن أن يرسلها الناس إليك، أو على عدد الناس الذين يتصلون بك، أو إلى أين تستطيع أن تذهب بسرعة. هذا هو الجانب السلبي للتكنولوجيا. فأنت قادر نظرياً على الذهاب إلى أي مكان، وعلى محاولة قراءة كل شيء، ويمكنك أن تشعر بإنهاك كامل جراء ذلك.

ما هي التحديات الأخرى التي تراها قادمة، بمعزل عن التكنولوجيا؟

باتت كل الشركات تقريباً شركات عالمية. وفي الشركات الكبرى، فإنّ 50% من الإيرادات تأتي من الخارج. وحتى الشركات الأصغر حجماً، يتعيّن عليها أن تصدّر منتجاتها. وبالتالي، فإنّ ممارسة الأعمال على نطاق عالمي، تستدعي مجموعة من المهارات تختلف عن تلك المطلوبة للتوزيع المحلي.

لكن هناك العديد من المدراء التنفيذيين الذين يُفرطون في التركيز على الولايات المتحدة. إذ لم يسبق لهم أن قضوا وقتاً طويلاً خارج البلاد. وأن يكون المرء قائداً في عالم اليوم، فإنّ ذلك يستوجب أن يكون قد عاش في الخارج، أو أن يكون قد قضى وقتاً طويلاً بعيداً عن بلاده.

إذاً، كيف يمكن للإنسان أن يتعامل مع المطالب التي يفرضها السفر لأغراض العمل الدولي؟

بوصفك الرئيس التنفيذي، يتعين عليك عملياً أن تذهب لزيارة مكاتبك ذات القيمة المضافة العالية في أنحاء العالم. وهذا الأمر يتطلّب الكثير من الوقت والجهد. فعندما كنت أدير الذراع الاستثماري لشركة فيدلتي (Fidelity)، كان لدينا مكاتب في لندن وطوكيو وهونغ كونغ. كما كان لدينا مكاتب توزيع في كل أنحاء العالم.

وكنت أحاول أن أزور هذه المكاتب الاستثمارية، مرة كل فصل على الأقل، لأنها كانت تضم كبار موظفينا المنتجين، وهنا أعني مدراء المحافظ والمحللين. وقد كانوا بحاجة إلى الاجتماع بي بصورة منتظمة، وإلى أن تسنح لهم الفرصة لمناقشة بعض القضايا. وعندما تدير شركة تقوم بعمليات على مستوى العالم، من الصعب المحافظة على الزخم العالمي وعلى مقاربة متكاملة، بينما تقع على عاتق الرئيس التنفيذي مهمة أساسية في قيادة هذه الأمور.

وماذا عن العلاقة بين الرؤساء التنفيذيين ومجلس الإدارة؟

لقد شهدت طبيعة مجالس إدارة الشركات الكبرى تغيّراً هائلاً خلال السنوات العشرين الماضية. فعندما انضممت إلى أول مجلس إدارة قبل 10 سنوات، اتصل بي أحد الأصدقاء قائلاً: "نحن بحاجة إلى شخص أميركي كعضو في مجلس إدارتنا، فهل تقبل أن تشغل هذا المنصب؟".

جوابي كان: "بكل تأكيد". وأرسل إليّ بعض المواد حول الشركة وأخبرني أنّ الرئيس التنفيذي سيأتي إلى المدينة بعد بضعة أسابيع وسألني إن كنت أستطيع تناول طعام العشاء معهما. وفعلاً تناولنا طعام العشاء سوياً. وفي نهاية اللقاء، سألني الرئيس التنفيذي: "هل أنت جاهز للانضمام إلى مجلس الإدارة؟".

لكن في المقابل، عندما انضممت إلى مجلس إدارة شركة ميدترونيك (Medtronic)، حضر كبير أعضاء مجلس الإدارة المستقلين إلى مكتبي وأجرى مقابلة معي أولاً. بعد ذلك تعيّن عليّ الاجتماع مع عدد من أعضاء مجلس الإدارة في لجنة الحوكمة، ومن ثم وفي نهاية المطاف، اجتمعت مع الرئيس التنفيذي. قد يكون من الصحيح أنه لو كرهني الرئيس التنفيذي حقاً، فإنّ مجلس الإدارة لم يكن ليمضي قدماً، لكنني كنت على وشك الانضمام إلى مجلس الإدارة وبنسبة 90% قبل اللقاء مع الرئيس التنفيذي.

أما الآن، فإنّ ولاية الرئيس التنفيذي في منصبه باتت أقصر مما كان الأمر سابقاً، بينما لم يعد مفهوم الرئيس التنفيذي الاستبدادي مقبولاً لدى معظم أعضاء مجلس الإدارة. إذ يريدون مستوى أعلى بكثير من المساءلة، وقدراً أرفع من الشفافية. والرئيس التنفيذي الذي لا يدرك ذلك، ربما لم يتّخذ القرار المناسب بشغله لهذا المنصب.

مع قصر مدة ولاية الرئيس التنفيذي هذه الأيام، كيف يمكن لهؤلاء الرؤساء أن يتعاملوا مع الضغوط التي تفرضها تلك المناصب؟

أعتقد أنّ منصب الرئيس التنفيذي هو منصب فيه الكثير من الشعور بالوحدة، لذلك أعتقد أنّ الرؤساء التنفيذيين بحاجة إلى مرشدين شخصيين، ويُفضّل أن يكون المرشد بحدّ ذاته رئيساً تنفيذياً سابقاً، ليساعد في التفكير الاستراتيجي الإجمالي، وكذلك ليكون الشخص الذي يمكن أن تناقش معه المسائل المتعلقة بالشركة. فالرئيس التنفيذي غير قادر على الحديث بشكل صريح مع أي شخص آخر في الشركة.

إذا كان شغل منصب الرئيس التنفيذي ينطوي وبصورة متزايدة على شعور بالوحدة، فكيف يمكن للرؤساء التنفيذيين أن يحافظوا على علاقاتهم مع أسرهم وأصدقائهم، ولاسيما عندما يكونون مشغولين للغاية؟

إنّ العائلات مهمّة جداً، لذلك يتعيّن على الرؤساء التنفيذيين أن يحموا وقتهم العائلي بعناية. فمن السهل أن يقول المرء: "ربما أنا لست قادراً على العودة إلى المنزل في معظم أيام الدوام الرسمي قبل العاشرة ليلاً". إذ إنّ الضغوط الزمنية على معظم الرؤساء التنفيذيين كبيرة إلى حد يجعلهم لا يعودون إلى منازلهم إلا في ساعة متأخرة من الليل. لكنني كنت أصر على أن أصل إلى المنزل لأتناول طعام العشاء مع زوجتي وأولادي عند السابعة مساء، وأن أقضي معهم ساعتين أو ثلاث ساعات من الوقت الحقيقي المثمر.

إنّ الوقت الذي يقضيه الإنسان مع عائلته، هو وقت في غاية الأهمية. فإذا كبر أولادك بعد مرور 10 سنوات، ولم تكن قد قضيت وقتاً طويلاً معهم، فإنه لن يكون بمقدورك أبداً أن تستعيد تلك السنوات. علاوة على ذلك، جلسات العشاء العائلي كانت بمثابة استراحات ذهنية صحية بالنسبة لي. فقد مرّت علي أوقات كثيرة كنت أصارع خلالها مشاكل صعبة، وأتوقف عن التفكير فيها لمدة ثلاث ساعات خلال طعام العشاء، لأجد الإجابة بعدها بشكل مفاجئ.

ما الذي يجب أن يفعله الرؤساء التنفيذيون عندما يعودون إلى المنزل، وما الذي يجب ألا يفعلوه؟

لا ينبغي أن تدخل من الباب وتبدأ فوراً بتلقي المكالمات أو الإجابة عن الرسائل الإلكترونية. قبل أن أدخل من باب المنزل، كنت أجلس فعلياً في سيارتي وأنهي جميع رسائلي الإلكترونية، وأجيب عن جميع مكالماتي؛ ولم أكن لأدخل المنزل حتى أكون قد خرجت تماماً من وضعية العمل والتفكير فيه.

فإذا عدت إلى المنزل لتناول طعام العشاء، وبدأت فوراً بتلقي اتصال هاتفي أو بدأت بتفقد بريدك الإلكتروني، فإنك عملياً تقضي على مفهوم "الوقت العائلي الرفيع المستوى". ففي نهاية المطاف، سوف تتقاعد من العمل، لكن عائلتك باقية معك إلى الأبد.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

error: المحتوى محمي !!