تابعنا على لينكد إن

يمكن أن يكون التحيز ضمن مكان العمل جلياً في بعض الأحيان وخفياً في أحيان أُخرى، وربما يكون صادماً ومثيراً للغضب أيضاً. لكن تلك المواقف العابرة، التي تستوقفك وتصدمك، هي الأكثر تكراراً. وإليك بعض الأمثلة على ذلك: عميل يفترض أنك في منصب أدنى بالنظر فقط إلى عمرك، أو زبون لا يتواصل بصرياً إلّا مع زميلك ذي البشرة البيضاء، وأحد الزملاء ينعتك بأنك “عصبية” في حين يوصف زميلك الذكر الذي يتصرف بالقدر ذاته من الحزم بأنه “قوي” (وهذا يتكرر كثيراً مع المرأة في مكان العمل كما تبين في دراسات أجريناها سابقاً).

مثل هذه المواقف يجعلك تتساءل عن نوايا الآخرين تارة وعن الأفكار التي تحملها أنت تارة أُخرى، ويتولد لديك حوار داخلي تقول فيه لنفسك: “أنا منزعج، ولكن هل يجدر بي أن أنزعج من ذلك، هل يحق لي الانزعاج أصلاً؟”. ويستهلك هذا التحيز الخفي طاقتنا إلى أبعد الحدود، والأخطر من ذلك هو ما يتسبب به من أثر مدمر على أرواحنا.

إلى جانب ذلك، يكون من الصعب التخلص تماماً من التحيز في مكان العمل وذلك نظراً لأنه لا يكون جلياً في بعض الأحيان. ففي حين يطبق القادة سياسات لمنع التمييز ضد بعض الأصناف من الناس، إلّا أنّ القوانين لا تستطيع منع التمييز غير الواعي وغير المقصود. فكيف ستضع قوانين تضبط الافتراضات المسبقة عن الآخرين والتواصل البصري والأحكام النمطية؟

لا شك أنه يلزم حدوث تغيير في ثقافة الشركات، لكن في الوقت الراهن علينا التفكير بما يمكن للموظف الفرد القيام به في مواجهة هذه الأشكال اليومية من الظلم غير المباشر. فصحيح أنه ليس من الإنصاف وضع أعباء إضافية على ضحايا التحيز، لكن الظلم ضدهم سيتفاقم إن لم نوفر لهم الأدوات التي تساعدهم على التعامل مع هذا الأمر إلى أن يتغير وينتهي.

وسنتعامل مع هذه القضية على مستوى الفرد والبيئة التي يكون فيها، إذ نريد أن يعرف الفرد كيف يجابه التحيز ويتجاوزه دون أن يسمح له بالتأثير سلباً عليه، بصرف النظر عن البيئة المحيطة به. أما البيئة، فنقصد بها المؤسسة التي ترفض التحيز وتريد المحافظة على ذلك بأنّ تجعل بيئة العمل فيها صالحة لجميع الأفراد مهما بلغ تنوعهم، بحيث تساعد كل فرد منهم على تقديم إسهاماته وتحقيق النجاح.

كيف نفهم التحيز؟

في دراسة أجريناها العام الماضي طلبنا من الأشخاص الذين قالوا أنهم واجهوا تحيزاً في مكان العمل تزويدنا بوصف دقيق للمواقف التي مروا بها. وفي غضون أسبوعين كان لدينا 498 قصة ثرية بالتفاصيل الدقيقة والعاطفية والمؤلمة، معظمها كان يتعلق بمواقف تحيز سافرة، ومنها على سبيل المثال:

“أنا المرأة الوحيدة ضمن فريق من عشرة رجال. حين كنت في فترة حملي أخبرت مديري بأني في الأسبوع الحادي عشر، ولكنه لم يبد أي تفهم للأمر وقال: “هذه هي المرة الأخيرة التي أوظف فيها امرأة”، فصُعقتُ مما قاله. لكنه بعد بضعة أيام اعتذر عمّا صدر منه، وقال: “لقد كان ذلك مجرد مزحة”، وقبلت اعتذاره مع أني أعرف أنه لم يكن يمزح. وأتمنى لو أنني دافعت عن نفسي”.

وثمة مفارقة عجيبة وهي أنّ الأمثلة الأكثر ندرة بين قصص المشاركين في الدراسة هي تلك الأكثر حدوثاً على أرض الواقع، وهي تلك الأنماط غير المقصودة وغير الواعية من التحيز. ولعل قلة ورود هذه الأنماط في أمثلتنا عائد على الأرجح إلى أنها تشير لأنماط خفية يصعب الوقوف عليها ووصفها والتعامل معها.

“أنا المرأة الوحيدة في فريق من مهندسي البرمجيات. وكان كبار المهندسين، الذي يتحكمون بشكل أو بآخر بمن يقع عليه الاختيار للعمل على المشاريع الجديدة “الظريفة” والمهمة لا يضعونني في اعتبارهم. وأشعر أن ذلك عائد إلى اعتقادهم بأني سأفسد عليهم ذلك الجو الخاص بهم كرجال”.

والمشكلة لا تكمن فقط بأنّ الناس يتعرضون للتحيز، بل وتكمن أيضاً في أنّ هذه المواقف تمرّ دون نقاش ولا حساب. فالضحايا يتحاشون نعت الآخرين بأنهم متعصبون، أو يخشون أن يظن البعض أنهم “يلعبون دور الضحية ويستغلون فكرة التنوع”، لأن هذه مسائل ربما تنعكس عليهم سلباً، ولذلك يضطرون إلى التزام الصمت حيال ما يتعرضون إليه.

وطلبنا من المشاركين في الدراسة أن يقيموا مقدار شيوع هذه الحوادث وما إذا كانت نمطاً ثابتاً يمكن السيطرة عليه. وفيما يلي ثلاثة أبعاد يستخدمها مارتن ساليغمان لتقييم “العجز” و”اليأس”-أو حتى “الإحباط”، وكانت النتائج محزنة فعلاً، مع أنها ليست مفاجئة:

  • نمط ثابت: 49%من الضحايا قالوا أن التحيز جزء متأصل من بيئة العمل ويحدث باستمرار وبشكل معتاد.
  • نمط شائع: 66% قالوا إنها تؤثر على كافة جوانب انخراطهم في العمل وعلى معنوياتهم واندفاعهم والتزامهم ورغبتهم في تحقيق التقدم ضمن الشركة.
  • نمط خارج عن السيطرة: 60% قالوا إنهم لا يشعرون بقدرتهم على التعامل مع مواقف التحيز لحظة وقوعها أو منع وقوعها في المستقبل.

وأكثر من ربع المشاركين في الاستبيان (27%) وصفوا تجربتهم مع التحيز بأنها اشتملت على الأنماط الثلاثة جميعاً: ثابتة وشائعة وخارجة عن السيطرة.

المهارات اللازمة للأفراد للتعامل مع التحيز

يحتاج ضحايا التحيز بعض المهارات التي تساعدهم على الخروج من دائرة الحكم الصامت الحانق والسلبي والانتقال إلى الحوار المفتوح والصريح والمؤدب. فيجب على الأفراد معرفة كيفية التأثير على بيئة عملهم دون خسارة أولئك الذين يحتاجون الدعم منهم. وفيما يلي بعض المهارات التي يستخدمها البعض بنجاعة للتعامل مع المواقف التي تتضمن تحيزاً خفياً وغير واع:

  • عالج التحيز على ثلاثة مستويات: يمكنك التعامل مع مسائل التحيز التي تتعرض لها على ثلاثة مستويات: المحتوى (موقف يحدث مرة واحدة)، أو النمط (سلسلة من المواقف)، أو العلاقة (أثر نمط ما على قدرتك في العمل بفعالية مع الآخرين). فحين يكون الموقف جلياً ووقحاً، كأن يلقي أحدهم تعليقاً عنصرياً، فيمكن اللجوء إلى حوار يعتمد على المحتوى. لكن إذا كان التحيز غير مباشر، فعليك جمع المزيد من الملاحظات قبل تحديد ما إذا كنت تتعامل مع نمط متكرر من التحيز. فعلى سبيل المثال، لو كان مديرك يتواصل مع الموظفين في فريقك ويستثنيك، فعليك أن تكون متأكداً من ذكر عدد من المواقف التي حدث بها هذا الأمر والذي يدل على أنه نمط متكرر، وإلا فإنّ هذا المدير سيفسر لك الأمر بأعذار شتى ويخبرك بأنه ذلك لم يحصل سوى مرة واحدة. وأخيراً عليك التعامل مع القضايا الخاصة بالعلاقات عبر مساعدة الآخرين على فهم الأثر التراكمي لتصرفاتهم على الثقة والتعاون واحترام الذات وغير ذلك.
  • اعرف هدفك: حين نتعرض لتحيز ما فإننا نشعر عادة بالاستفزاز والإساءة، وبالغضب أيضاً. لكن قبل أن تتحدث وتعالج الأمر فكر أولاً بما تريد تحقيقه: هل تريد اعتذاراً أم عقاباً أم تراجعاً؟، وهل يكفي أن يتوقف التصرف السلبي؟، وما نوع العلاقة التي ترغب في بنائها؟، فكلما كانت الأهداف واضحة لديك، ستكون أقدر على تحقيقها.
  • عبر عن رأيك: عادة ما يكون الأشخاص الماهرون حريصين على وصف ما لديهم من تخوفات مع تحييد أحكامهم واتهاماتهم عند الحديث عن الأمر. فبدلاً من جملة: “ما قلته بشأن حملي كان أمراً مسيئاً ومتحيزاً ضد المرأة” قولي له: “لقد قلت لي في الأسبوع الماضي إن هذه هي آخر مرة توظف بها امرأة”. فمن الأفضل وصف ما حدث فعلاً، دون اعتذارات أو كبت ذاتي أو اتهامات أو إدانة. فقط باشر بذكر الوقائع بتفاصيلها، مع الإشارة إلى ما تعنيه بالنسبة إليك، ثم قم بدعوة الآخرين للحوار بحيث يخرج الجميع بفائدة من هكذا مواقف.
  • تجنب الصدام: هل الشخص الذي يظهر تحيزاً غير واع وإنسان متعصب بالضرورة؟، إذا كان الأمر كذلك فجميعنا متعصبون إذن. ويدرك الأفراد المتميزون أنّ ما نحن بصدده هو طبيعة بشرية وليس مجرد عيب من عيوب الشخصية. ومن الصعب وصف التصرف المتعصب دون أن يشعر الآخرون بأنك تهاجمهم. لذا فإنه من الضروري من أجل حل هذه المسألة الحرص على أن نشعر نحن والآخرون بمساحة من الأمان عند مناقشة القضايا الحساسة. فقد تبدأ حوارك مع ذلك الشخص مثلاً بأن تقول له: “لا أعتقد أنك تدرك تماماً ما يعنيه هذا الأمر”.

تحسين بيئة العمل: استراتيجيات هامة للشركات

تمتلك معظم الشركات إجراءات تأديبية فيما يتعلق بالتحيز المقصود والواضح، ولكن العديد منها لا تولي ما يكفي من الاهتمام بالاستراتيجيات التي يمكن أن تعالج التحيز غير المقصود واللاواعي. ويمكن أن تؤثر الطرق الآتية على بعض الممارسات والأعراف في ثقافة الشركة والتي تسهم بشكل كبير في الحد من التحيز اللاواعي.

  • ضع أهدافاً كبيرة وتعقب النتائج: يجب على القادة أن يضعوا أهدافاً طموحة فيما يتعلق بالنتائج المرجوة والسلوكيات التي يرغبون في تغييرها، ويُلزموا أنفسهم بتحقيق هذه الأهداف. ومن النتائج التي يمكن التركيز عليها: أعداد الموظفات في كادر العمل، ونسبة الموظفين من الأعراق الأُخرى، أو نسبة الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة على جميع المستويات في الشركة (الموظفون الجدد، المشرفون، المدراء، المدراء التنفيذيون، إلخ)، وتقييمات الأداء، والترقيات الداخلية، والمكافآت والاستبدال. أما على مستوى السلوكيات فهنالك بعض المؤشرات فيما يخص الدعم الذي يفترضه الموظف أو العوائق التي يشعر بها ورغبته في تحقيق التقدم المهني وغير ذلك.
  • الاستفادة من المواقف المهمة: يجب تحديد الأوقات والأماكن والظروف التي يغلب على التحيز أن يظهر فيها. عليك مثلاً التنبه بشكل خاص لوجود التحيز في المواقف الآتية:

O المسيرة المهنية: البحث عن الوظيفة، المقابلات، التقييمات، فرص العمل، المهام، التطور المهني، الترقيات

O الحياة الشخصية: الزواج، الحمل، رعاية الأطفال، رعاية كبار السن، المرض، الرحيل

O بيئة العمل اليومية: الأداء الضعيف، الأداء الجيد، التوتر مع المدراء، المضايقات، زملاء العمل المزعجون

  • تنويع الحلول: معظم المبادرات الخاصة بالتنوع وعدم إقصاء الآخرين تميل إلى الاعتماد على حل واحد فقط، فبعض الشركات تفضل عقد ورش عمل، وأُخرى تركز على تعديل السياسات، بينما تعتمد أُخرى على توجيه الدعم من الإدارة العليا. لكن ووفقاً للأبحاث التي أجريناها فإنّ الدمج بين أربعة حلول أو أكثر سيضاعف إمكانية نجاح تلك المبادرات.

أخيراً، يعد التحيز، ولاسيما التحيز غير المقصود وغير الواعي، مشكلة جدية عميقة الغور في ثقافتنا، كما أنّ التخلص منها أمر في غاية الصعوبة. لكن إن وجّهنا الاهتمام الكافي على مستوى الفرد من جهة وعلى مستوى البيئة المحيطة به من جهة أخرى فإنّ ذلك سيساعد ضحايا التحيز على التعامل مع هذه المشكلة وأخذ الخطوات اللازمة للحيلولة بشكل منهجي من تعرضهم للتحيز.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz