في أحد المؤتمرات التي حضرتها قبل بضعة أسابيع، دار نقاش هام حول ارتفاع أعباء العمل وانخفاضها بشكل دائم، وأهمية أن يعرف المرء كيف يتعامل مع التناوب بين فترات الذروة في بذل الجهد وفترات التعافي.

وفي خضم النقاش، طرح أحد الحاضرين تشبيهاً يقارن هذا الوضع بالرياضات التي تتّسم بالأداء العالي، واستعمل عبارة أثارت فضولي ألا وهي "رياضي الشركات" (corporate athlete). وقد أحببت العبارة كثيرة ودوّنتها في مفكّرتي وقلت بأنني سوف أستفيد منها يوماً في كتاباتي وأعمالي الاستشارية. ومن ثم بحثت عنها في محرك البحث جوجل.

لكن الذي تبيّن لي هو أنّ جيم لوهر وطوني شفارتز ابتدعا عبارة "رياضي الشركات" عام 2001 في إحدى المقالات المنشورة في هارفارد بزنس ريفيو، واستعملاها كثيراً بعد ذلك في سلسلة من الكتب كانت على قائمة الأفضل مبيعاً حول الانخراط في العمل، والطاقة، والنجاح في قطاع الأعمال. وهذا يتوافق تماماً مع رغبتي في إطلاقها بالعالم.

لكن ما أسعدني أكثر هو أنّ الكثير من العمل سبق وأنجز حول ما يسمى "رياضة الشركات"، لأن ذلك يقدّم الكثير من الإسهامات إلى المجال الذي أهتم به: ألا وهو التحديات التي يواجهها الأهل العاملون.

وأكثر ما لفتني في كتابات لوهر وشفارتز هو استعمالهما الدائم لكلمة "توازن". وبالتحديد، فهما يؤمنان بأنّ الرياضيين الكبار ورياضيي الشركات يحققون التوازن الصحيح ضمن ثلاثة أبعاد أساسية:

  1. العقل والجسد

  2. الأداء والتطوير

  3. الإجهاد والتعافي


وإذا ما استعمل المرء هذه الأبعاد التي تحدّثوا عنها، فكيف يمكن له أن يصبح رياضياً نجماً يوازن بين العمل والحياة؟ وهنا أقصد الأشخاص البارعين في الموازنة بين متطلبات عملهم وحياتهم الخاصة.

أولاً، دعونا نراجع موضوع التوازن بين العقل والجسد. بالنسبة لرياضيي العمل والحياة فإنّ التوازن بين بين العقل والجسد يشير إلى ضرورة الحصول على قسط كاف من النوم، وتناول الطعام بصورة معقولة، وممارسة بعض التمارين الرياضية – وإفساح المجال في حياتنا للعلاقات الاجتماعية، مع تخصيص بعض الوقت للذات من خلال التأمل والتدبر. فليس من الضروري أن تكون في أفضل حالاتك كي تكون جيداً في ممارسة وظيفتك أو فعّالاً في تربية الأطفال. لكننا إذا أهملنا أجسادنا، أو أرواحنا، فإننا قد لا نمتلك ما يكفي من الطاقة المستدامة كي نكون فعّالين في عملنا أو في تواصلنا مع أسرنا، ناهيك عن الاثنين معاً.

إنّ التوازن بين الأداء والتطوير هو أمر له أهمية خاصة في عالم العمل والحياة. فالرياضيّون يركّزون في الأيام المخصصة لتطوّرهم على العناصر الفردية في ألعابهم، ويبنون قدرتهم في الأساسيات؛ أما في أيّام المنافسات، فإنهم يستجمعون كل قواهم ويدفعون أداءهم إلى طاقته القصوى. والآن لنأخذ بعين الاعتبار أنّ الأهل العاملين أيضاً يمرّون بلحظات تتعرّض فيها قدراتهم كرياضيين يوازنون بين الحياة والعمل إلى اختبار خطير، بحيث تكون أكبر التبعات هي على أدائهم. ففي تلك اللحظات، هم بحاجة أيضاً إلى استجماع قدراتهم ومواردهم لاتخاذ القرار الصائب. ولو أنّ الأمور كانت تسير بصورة مثالية، فيجب أن يكونوا قد استعدّوا وتجهزوا لتلك اللحظات من خلال التطوير المتعمّد للعناصر الفردية في الأوضاع التي لم تكن فيها الأمور تتّسم بهذا القدر من الجدية.

هذا يقودنا أخيراً إلى التوازن بين الإجهاد والتعافي، إذ يرى كل من لوهر وشفارتز بأنّ الرياضيين العظام يتعاملون معهما بصورة جيدة جداً. مثلاً في رياضة رفع الأثقال، يشدّ المرء عضلاته إلى الحدّ الذي تبدأ فيه الألياف حرفياً بالتمزّق. ولكن، بعد فترة كافية من التعافي، لا تشفى العضلة فحسب، وإنما تصبح أقوى. ومن دون راحة، ينتهي المطاف بالمرء وقد أصابته آلام حادة وأذيات مزمنة. أما في قطاع الأعمال، فإنّ المشاريع المتطلبة، ذات المهل النهائية القريبة جداً والأهداف الطموحة، يمكن أن تكون عظيمة، لكن لا يمكن لها أن تستمر بتواصل ودون انقطاع. ففي بعض الأحيان، قد يكون العمل الزائد ضرورة، سواء في العمل أو في حياتنا الخاصة، لكن العمل الزائد المزمن يستنزف مرونتنا مع مرور الوقت.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!