تابعنا على لينكد إن

“هل بوسعنا القيام بدراسة أخرى؟”

سمعت هذا السؤال يُطرح من قبل العديد من كبار المديرين عدة مرات خلال السنتين اللتين قضيتهما في العمل على منتجات جديدة في صحيفة نيويورك تايمز.

وهو سؤال يُطرح كثيراً في العديد من كبرى الشركات عند النقاش حول فكرة جديدةٍ ما. وخلال عملي في الصحيفة، فإن معنى سؤال الإدارة لي ولزملائي هو: هل ستحقّق المنتجات الثلاثة التي عكفتم على العمل عليها والتي سيتم إطلاقها قريباً أي نجاح، أم أنها مضيعة للمال؟

إن الشركات الكبيرة مهووسة بتوجيه هذا السؤال، وذلك لأن تعاملهم مع الأفكار الجديدة ينحصر في اعتقادهم بأن الأفكار الجيدة هي تلك التي يمكن أن تتطور لتحقق إيرادات للشركة، أما الأفكار السيئة فهي تلك التي يجب التخلّي عنها بأسرع فرصة لتجنّب هدر المزيد من المصادر عليها. وحتى ونحن ندخل في عصر التبنّي واسع النطاق للمشاريع الجديدة من قبل الشركات، حيث تلعب الشركات الكبيرة دوراً متزايداً في ميدان ريادة الأعمال، فإننا نرى أن هذا التوجّه هو الذي يصهر الأفكار ويصنّفها ما بين جيدة وسيئة بشكل قاطع.

والمثير في الأمر هو أن رواد الأعمال عموماً لا يعتمدون على هذه المقاربة في النظر للأفكار والمبادرات والإستراتيجيات.

لا شكّ أنّ روّاد الأعمال قادرون على تحديد الفكرة السيّئة ووصفها بذلك صراحة، والتخلّص من الإستراتيجيّات غير المجدية وتبنّي إستراتيجيّات أخرى نافعة بسرعة ودون أن يراودهم أيّ ندم، ولكنّهم في الوقت ذاته يبدون استعداداً للتعامل مع بعض الأفكار الإشكاليّة، وهي تلك الأفكار التي تتلقّى رأياً سلبياً، أو تبدو غير واعدة وستنتهي بالفشل، والتفكير بها لوقت أطول بكثير مقارنةً بما يراه أي مدير في شركة كبيرة. فروّاد الأعمال يبذلون جهداً واعياً للتعامل مع ما يراه البعض أفكاراً “سيئة” وذلك كي يجدوا سبيلاً للوصول إلى المخرجات الإيجابيّة التي يسعون إليها في المحصّلة.

بالنسبة لروفوس غريسكوم، وهو رائد أعمال متسلسل ومؤسّس شركة هيليو، وهي منصّة للنشر عبر الإنترنت، فإنّ الأفكار السيّئة هي أداة تقود لاكتشاف الفرص الكبيرة. يقول روفوس: “الكثير من الأفكار السيئة إن لقيت الدعم من رائد أعمال شغوف قد تنجح ولو على نطاق صغيرة. ولكن لو نظرنا إلى جوار هذه الأفكار السيّئة فقد نجد بعض الأفكار القويّة الجيدة. ولو كنت تهتمّ بالأمر بحقّ، فإنّ هنالك احتمالاً كبيراً بأن يكون آخرون يهتمّون بالأمر أيضاً، وقد تتمكّن من جعله يصل إلى الحدّ المطلوب لضمان نجاحه. ثمّ إن تبيّن حقّاً أنّ هذه الفكرة سيّئة، فإنّك لن تعدم أن تجد في جوارها فكرة أخرى أكثر قوّة وجدوى”.

وقد أخبرني روفوس أنّ أولى شركاته الناشئة، وهو موقع (nerve.com) مثال يدلّ على صحّة وجهة نظره. لقد كان هذا الموقع مجلّة على الإنترنت تركّز على طرح مواضيع جادّة، وقد نجح بفضل ذلك من بناء قاعدة قرّاء ثابتة، ولكنّ ثيمة الموقع التي تدور حول المواضيع الجنسيّة كانت طاردةً للجهات التي ترغب في استخدام الموقع لإعلاناتها. ولذا قرّر غريسكوم وفريق العمل الذي معه تجربة مساحة مخصّصة للتعارف، وقد كانت لهذه التجربة إمكانات لتحقيق نجاح أكبر. يقول غريسكوم: “لقد كان لدينا اسم وجمهور، وتمكّنا من افتتاح هذه المنصّة للتعارف بين الجنسين والتي كانت أكثر نموذج أعمال أكثر جدوى من المحتوى الجوهريّ للموقع”.

وبينما قد تكون الأفكار السيّئة أحياناً محطّات لا غنى عنها لاكتشاف الأفكار الجيّدة، إلا أنّه قد يظهر في أحيان أخرى أنّها في الحقيقة أفكار جيّدة، وكلّ ما في الأمر هو أنّه ما من أحد قد كان قادراً على فهمها.

يقول غارث هولسنغر، وهو كذلك رائد أعمال متسلسل، إنّ الجميع رأوا أنّ شركته الأولى (GoCARD) فكرة فظيعة في بداية الأمر. لقد كانت شركة الدعاية هذه تقوم بتوزيع بطاقات مجّانية مصمّمة بشكل احترافيّ في المقاهي والمطاعم. وقد قال معظم النّاس حينها إنّها فكرة مجنونة. ولكن غارث لم يصغ لتلك الانتقادات، وقرّر هو وشريكته أنيت شافر-سيل إنشاء هذه الشركة، والتي صارت فيما بعد ظاهرةً فريدة على المستوى المحليّ وصفتها مجلّة آدويك بأنّها “شركة الإعلام الجديد الأكثر ابتكاراً خلال السنوات العشرة الماضية”. وقد باع غارث وأنيت هذه الشركة في العام 2000.

لقد رأى غارث أنّ وصف النّاس لفكرته بأنّها مجنونة دليلٌ على أنّها فكرة لا يدرك أهمّيتها أحدٌ بعد، وهذا بالتحديد ما يرغب في الاستفادة منه. فالكثير من التحفيز (المتعلق بالتقييم السلبي) نابعٌ من معرفتك بأنّ ما تقوم به هو أمر غريبٌ وجديد، ولذلك فإنّه من المتوقّع أن تكون ردّة الفعل الأوليّة أن نقول: “لا، هذه فكرة سيّئة!”. وهذا يعني في واقع الأمر أنّ الأمر مثير للاهتمام ولكنّه ينطوي على مخاطرة كبيرة، وهذا ما يدفع الكثيرين إلى رفضه.

يعتقد السيد مارك أندريسن هوروفيتز، وهو رأسماليّ مخاطر، أنّ الفرص الأكبر والأرباح الأوفر تتواجد في الأمور التي لا يوجد إجماع في الحكم عليها إن كانت سيئّة أو جيّدة. ويقول مارك حول هذه القضيّة: “من الصعب جدّاً أن تحقّق المكاسب الماليّة في أمرٍ متّفق عليه. لأنّه إن كان الأمر محلّ اتفاق من قبل الجميع، فإنّه سيكون قد طُبّق وضاعت الفرصة في جني الأرباح منه. ولذا فإنّه من المسلّم به في عالم رأس المال المخاطر أنّك إن أردت فعل الأمر الصحيح فإنّه يلزمك أن تستثمر بشكل مستمرّ في جوانب لم تنل الإجماع بشأنها وقت الاستثمار فيها. وسأوضّح لك فكرة “عدم الإجماع” هذه بعبارة أخرى: إنّها تعني أن تكون الفكرة “مجنونة”، أيّ أنّك تستثمر في أمر يجعلك تبدو وكأنك فاقدٌ عقلك”.

إن الناجحين من العاملين في رأس المال المخاطر كثيراً ما يستثمرون في أمور تبدو للآخرين في ظاهرها محض جنون. ولكنّ الشركات الكبيرة في المقابل لا تمتلك آلية للموافقة على أفكارٍ تبدو بالنسبة إليها خارجة عن المعقول. ولكنّها هذا هو تماماً ما يلزمها كي تحصل على الأفكار العظيمة. لقد بدأت شركة أبل كشركة لبيع قطع كمبيوتر للتجميع الفردي، وكانت بداية شركة PayPal كوسيلة لتحويل المال بين عناوين إلكترونيّة، ويوتيوب أنشئ في البداية كموقع للمواعدة بين العزّاب. وكلّ واحدة من هذه الأفكار في وقتها قد بدت أفكاراً سيّئة. ولكنّ هذه الشركات قد باتت الآن هي أكبر اللاعبين في هذه المجالات الضخمة.

لذا كيف من الممكن العمل على ما يبدو أنّها أفكار سيّئة، أو لتكون على الأقل بوّابة للاستفادة منها، كما كانت الحال لدى غريسكوم وغارث هولسنغر اللذين أصرّا على تطبيق أفكارٍ لم يكن لغيرهما الاقتناع بها؟ إليك بعض الخطوات الكفيلة بوضعك على الطريق السليم:
استمع جيّداً، وكنّ مستعدّا دوماً لذلك. إنّ الإقدام على مشروع جديد يتعلّق بتصميم حلول جديدة لبعض المشاكل، والتصميم الجيّد لأيّ حلّ لا بدّ أن يبدأ بالاستماع للآخرين. ولكنّ هذا الاستماع لا ينبغي له أن يتوقّف حين تصل إلى قرار بخصوص ما ترغب في فعله، بل يجب عليك مواصلة الاستماع، وأن تصغي لجميع المعنيين بالأمر في جميع الأوقات. ولا بدّ من التنبّه بشكل خاصّ إلى المعلومات الجديدة والحالات الطارئة، وذلك لأنّها عادة ما تشتمل على مفاتيح وإشارات تساعدك على التوصّل إلى نسخة أفضل من الفكرة التي بين يديك.

اعمل بذهنيّة “اعتبار المستقبل”. تجنّب التعامل مع الإستراتيجيات والمبادرات على أنّها ثابتة ونهائية، بل انظر إليها باعتبارها أفضل ممكنٍ في نقطة ما. ولا بدّ أن تدرك أنّك ستحتاج في الغالب إلى تحديث حدسك بشكل مستمرّ، وربّما يكون هذا التغيير كبيراً في بعض الأحيان، وافعل ذلك إلى أن تعثر على الطريق لتحقيق النجاح.

البناء وسيلة التعلّم. الإستراتيجيات والأفكار أمور مجرّدة، ولذا فإنّها لا تكفي لفهم الجيّد من السيّئ. ولكنّ تحويل هذه الأفكار إلى أمور مادّية حقيقيّة هو السبيل للكشف عن حقيقتها بسرعة. انتقل من مرحلة النقاش المجرّد إلى مرحلة البناء، حتى لو كنت تبني نماذج دون تشغيلها، لكي تتمكّن من تقييم الفكرة بشكل أفضل.

قاوم النزعة لقتل الأفكار. بدل قتل الأفكار والمبادرات في مهدها حين تبدو إشكاليّة، تحدّى نفسك أو فريقك للبحث أكثر وإعادة تصوّر المشكلة والحلول، أو استكشف أفكاراً أخرى متاخمة للفكرة الأصليّة. فهذه التحدّيات التي تواجه الأفكار التي تبدو سيّئة هي التي تحمل فرصة الوصول إلى اختراقات ونجاحات مذهلة.

امتلك الحماسة. إنّ قدرتك على تلمّس طريقك بين الأفكار المختلفة التي تبدو مجنونة، وقد تكون كذلك فعلاً، تعتمد على امتلاك القدر الكافي من الحماسة والاندفاع للتوصّل إلى النجاح الحقيقيّ والنتائج القابلة للقياس. فإن فقدت ذلك فستفقد وجهتك وتنقطع بك الطريق ولن تصل إلى هدفك.

من الضروري أن تذكر حين تعمل على مشاريع ومبادرات جديدة أنّ الأفكار العظيمة تشبه تلك الجزيرة في ذلك المسلسل الشهير “LOST” من ناحيّة أنّك لن تستطيع العثور عليها باستخدام البوصلة، بل عن طريق الإقدام على سلسلة من الخطوات التي لا يصعب تكرارها، ولن تكون قادراً على تحديدها إلا كنت في وضعيّة الحركة والمبادرة. وبما أنّ الأفكار العظيمة ليست بالضرورة واضحة بذاتها، فإنّ عليك أن تعالج الأفكار الإشكالية وتمحّصها. فإن فعلت ذلك فإنّك ستضمن أن تقع في يومٍ ما على واحدة من تلك الأفكار العظيمة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2017.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz