يعمل أحد زبائني الذين أدربهم على التطوير الشخصي في مكتب للاستشارات القانونية، وإحدى القضايا التي نعمل عليها منذ فترة هي كيفية التأقلم بفعالية مع المطالب التي تحتاج منه إلى تخصيص الكثير من الوقت، فزبائنه يتوقعون منه أن يكون موجوداً متى أرادوا ذلك، وشركاؤه في مكتب المحاماة وغيرهم من الموظفين يريدون منه أن يعالج الأمور التي تشغل بالهم وأن يحل نزاعاتهم، وبريده الإلكتروني متخم بالرسائل من هؤلاء الأشخاص أنفسهم بل ومن أشخاص آخرين، إضافة إلى قائمة لا نهاية لها من الأمور التي يتعين عليه إنجازها. وما يُفاقم هذا التحدي هو أهمية إيجاد وقت إضافي لتخصيصه للأحبة والأقارب والأصحاب، وممارسة التمارين الرياضية، وغير ذلك من الاحتياجات الشخصية.

عندما تواجهنا مطالب تحتاج منا إلى وقت كبير يفوق قدراتنا، فإننا غالباً ما نتلقى نصائح بوضع سلم للأولويات، كما لو أنّ الأمر هو لمسة من عصاة سحرية سوف تعالج المشكلة. لكن ما تعلّمته أنا شخصياً خلال عملية مساعدة الناس على التأقلم مع عبء العمل الملقى على عاتقهم وإدارة هذا العمل هو أنّ وضع سلم للأولويات لا يحقق إلا مكاسب قليلة نسبياً، ومرد ذلك جزئياً إلى أنّ هذا أمر من السهل جداً القيام به. ولكن دعونا هنا نعرّف عبارة “وضع سلم للأولويات” والتي تعني عملية ترتيب الأشياء – أي الناس الذين سيستهلكون وقتك، والبنود الموجودة على قائمة المهام التي يجب أن تؤديها، والرسائل الواردة الموجودة ضمن صندوق بريدك الإلكتروني – بحسب أهميتها.

ولكن إليكم المشكلة: بعد أن نضع سلم الأولويات، نتصرف وكأن كل شيء يستحق وقتنا واهتمامنا، وكأننا سنصل إلى البنود الأقل أهمية “في وقت لاحق”. إلا أنّ هذا الوقت اللاحق لا يأتي أبداً. وتظل القائمة دون نهاية.

إنّ الخدعة التي تنطلي على الكثيرين منا هي تخيّلنا لقدرتنا على مواصلة تخفيض تلك العتبة – من خلال العمل بجد أكبر، ولفترات أطول، وبطرق “أذكى” (ولا أعرف ما الذي يعنيه البعض بهذه الكلمة) على أمل يائس بأننا في نهاية المطاف، يوماً ما، سنصل إلى أسفل القائمة.

إنّ المفتاح الرئيس يكمن في الإدراك بأنّ وضع سلم للأولويات هو أمر ضروري لكنه لا يكفي بحد ذاته. أما الخطوة الحاسمة التالية فتتمثل في عملية موازنة وفرز لمهامنا بحسب درجة أولويتها الفعلية مع تجاهل كل البنود التي تقل أهميتها عن عتبة معينة نحددها بأنفسنا ونلتزم بها مهما كان عدد هذه البنود. والأمر هنا يشبه الموقف الذي يجد فيه العاملون في الحقل الطبي أنفسهم عندما يكونون وسط أزمة ويتعين عليهم أن يقرروا من يحتاج إلى مساعدة، ومن بوسعه الانتظار، ومن لا يحتاج إلى المساعدة إطلاقاً، ومن فات الأوان لإنقاذه. لكن عملية الموازنة والفرز هذه بالنسبة لنا نحن الآخرين فلا تشمل فقط التركيز على البنود الأكثر أهمية وتأجيل البنود الأقل أهمية إلى “وقت لاحق”، وإنما العمل بصورة فعالة على تجاهل العدد الهائل من البنود التي تقل أهميتها عن عتبة محددة نحددها ونلتزم بها.

تتمثل الخطوة الأولى في إعادة صياغة نظرتنا إلى القضية. فنظرتنا إلى صندوق بريد إلكتروني مليء بالرسائل، وإلى قوائم غير مكتملة من المهام التي كان يتعين علينا إنجازها، وإلى طابور طويل من الناس المحبطين الواقفين على بابنا، إنّ نظرتنا إلى كل هذه الأمور على أنها علامة على فشلنا فعل غير مفيدة على الإطلاق. فهذا المنظور قد يحفزنا على العمل بجد أكبر على أمل إحراز النصر يوماً، لكن هذا المسعى بلا طائل. فنحن لا نفوز في هذه المعارك أبداً – وليس هناك أصلاً أي معنى للنصر هنا – لأنه في لحظة ما من حياتنا المهنية ستفوق هذه المطالب المحتملة التي تواجهنا دائماً قدرتنا على الوفاء بها، بغض النظر عن الجهود التي نكرسها لإنجاز أعمالنا. وعليه، فإنّ صندوق البريد الوارد، وقائمة المهام التي تحتاج إلى إنجاز، والطابور الواقف أمام الباب هي كلها علامات على النجاح، تثبت أنّ الناس يرغبون في وقتنا وفي اهتمامنا.

أما الخطوة التالية فتتجسد في التوقف عن استعمال الأدوات الخاطئة. فنحن نهدر كميات هائلة من الطاقة على “إدارة الوقت” و”الإنتاجية الشخصية”. وعلى الرغم من أنّ هذه الجهود يمكن أن تقود إلى نتائج على المستوى التكتيكي، إلا أنها بلا جدوى عندما يتعلّق الأمر بالمهمة الاستراتيجية المتعلقة بعملية المراجحة والفرز لمهامنا بحسب درجة أولويتها الفعلية مع تجاهل كل البنود التي تقل أهميتها عن عتبة معينة نحدّدها بأنفسنا ونلتزم بها مهما كان عدد هذه البنود كما قلنا قبل قليل. ولتذكر أنّ الأمر هنا لا يرتبط بوضع قائمة، وإنما بتحديد العتبة التي يعتبر كل ما دونها غير مهم والالتزام بهذه العتبة.

أخيراً، نحن بحاجة إلى التعامل مع الجانب العاطفي من عملية الموازنة والفرز الصعبة هذه، لأنها ليست مجرد عملية فكرية وعقلية فقط.

فعندما نعمل بفعالية على تجاهل الأشياء وعندما نقول للناس كلمة “لا”، فإنّ ذلك كله يولد مجموعة من المشاعر والعواطف السلبية التي تترك تأثيراً قوياً على خياراتنا وسلوكنا. وهذا ما يجعل عملية الفرز تلك صعبة للغاية. وحتى نعترف ببعدها العاطفي، فإنّ جهودنا الرامية إلى التحكم بعبء العمل الملقى على كاهلنا من خلال التداخلات الفكرية بصورة أساسية لن يكون لها نصيب من النجاح على الأرجح.

ولكي نكون فعالين في عملية الموازنة والفرز تلك بحسب درجة أولويتها الفعلية مع تجاهل كل البنود الواقعة دون العتبة، فإننا بحاجة إلى تعزيز قدرتنا على التعامل مع هذه المخاوف وغير ذلك من المشاعر المرتبطة بها (ولنتذكّر بأنّ “التعامل” هنا لا يعني “القمع”). فكما كتب عالم الأعصاب أنطونيو داماسيو من جامعة جنوب كاليفورنيا (وكما اختبرنا جميعاً وبأنفسنا بكل تأكيد)، فإنّ العواطف يمكن أن تقوّض عملية اتخاذ القرار بفعالية من خلال “خلق انحياز كاسح ضد الحقائق الموضوعية أو حتى من خلال التدخل في آليات دعم عملية اتخاذ القرار مثل ما يسمى الذاكرة العاملة”.

وهذا تماماً ما يحصل لنا عندما يقود الخيار الفاعل بالتجاهل – وهو القرار الواقع في صميم عملية فرز الأولويات التي نتحدّث عنها – إلى توليد مشاعر وعواطف نفشل في فهمها بالكامل.

فعندما تواجهنا مطالب تحتاج منا إلى وقت كبير يفوق قدرتنا، فإننا نشعر بالقلق، أو الفزع، أو الامتعاض، أو حتى الغضب، لكننا غالباً لا ندرك هذه العواطف ولا نشعر بها بما يكفي لكي نستخدمها بفعالية. فهي تتدفق عبرنا دون مستوى وعينا الفعال، لتحرك سلوكنا بطريقة متصلبة، ولكن في العديد من الحالات – ولاسيما عندما نتعرض للضغوط والتوتر – فإننا نخفق في إدراك تأثيرها ونضيع فرص اتخاذ خيارات تكون هي الأفضل لتلبية احتياجاتنا.

إنّ عملية تحسين إدارة العواطف هي مهمة معقدة، إلا أنّ هناك عدداً من الخطوات التي بوسعنا أن نتخذها ويمكنها أن تساعدنا في مسعانا هذا:

–  تعديل نماذجنا الذهنية كي تعكس أهمية العواطف والدور الذي تؤديه في الفكر العقلاني واتخاذ القرارات. فمعتقداتنا تحدد شكل تجربتنا.

– العناية الأفضل بأنفسنا من الناحية الجسدية. فالتمارين الدورية والحصول على قسط كاف من النوم هي كلها أمور تحسن من قدرتنا على تصور العواطف وتنظيمها.

– الانخراط في نوع من الروتين المفيد. فممارسة التأمل، وكتابة المذكرات اليومية، وغير ذلك من الممارسات القائمة على التدبر والتفكر تعزز قدرتنا على توجيه أفكارنا، وتساعدنا على الإحساس بالعواطف بشكل أدق، كما أنها توفر منظوراً جديداً حول تجاربنا، ما يساعدنا على فهم هذه العواطف فهماً منطقياً.

– توسيع مخزوننا وذخيرتنا من المفردات العاطفية. فامتلاكنا لمجموعة أوسع من الكلمات لنصف الحالة التي نشعر بها لا يساعدنا فحسب على التواصل بصورة أفضل مع الآخرين، وإنما يساعدنا أيضاً على فهم أنفسنا بشكل أدق.

إنّ الهدف النهائي يتمثل في توسيع ارتياحنا تجاه حالة عدم الارتياح – أي أن نكون قادرين على الاعتراف بالمشاعر الصعبة المتولدة عن الحاجة إلى إجراء عملية مراجحة وفرز لمهامنا بحسب درجة أولويتها الفعلية مع تجاهل كل البنود التي تقل أهميتها عن عتبة معينة نحددها بأنفسنا ونلتزم بها مهما كان عدد هذه البنود – وكل ذلك كي نتمكن من مواجهة القوائم اللانهائية للمهام المطلوبة منا، وصناديق بريدنا التي تطفح بالرسائل، وطابور الناس التواقين للحصول على اهتمام منا، وكي نكون قادرين على أن نقول للناس بلطف وحزم: “لا”.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!