تابعنا على لينكد إن

يتضح لنا بمعرفة بعض خطواتها الأخيرة، أنّ شركة أمازون ترى أنّ نسبة 18 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي المخصص للرعاية الصحية، أرضاً خصبة لتوسيع أعمالها التجارية عليه. خذ مثلاً قرارها في دخول سوق توزيع الأدوية، أو إعلانها الأخير عن تعاونها مع بيركشاير هاثاواي وجي بي مورغان لخلق حلول مشتركة من أجل الحد من الإنفاق على الرعاية الصحية لأكثر من مليون موظف وعائلاتهم.

ولّدت هذه الخطوات التي اتخذتها أمازون نقاشات قوية ونشطة، حيث يصفها أنصار الليبرالية بأنها “مدمرة”، وهم يرون ما تسعى إليه الشركة فرصة تنويع اقتصادي عادية لشركة تطمح لأن تكون “أكثر شركة تهتم في العملاء على وجه الأرض”. من ناحية أخرى، سلط المتشككون الضوء على افتقار شركة أمازون للخبرة في قطاع الرعاية الصحية، إذ أنه قطاع يعتبره الكثيرون شديد المقاومة للقوى التنافسية التي تميز أسواق البيع بالتجزئة وخدمات الويب. ونظراً لهذا الوضع، حرّي بنا أن نفكر في الجهود التي تبذلها أمازون بأسلوب مشروط: إذا نجحت أمازون في تغيير قطاع الرعاية الصحية، فكيف ستفعل ذلك؟ (إخلاء مسؤولية: كاتب المقال يمتلك بالفعل عدداً صغيراً جداً من أسهم أمازون).

بداية، ومع أنّ تعاون أمازون مع بيركشاير هاثاواي وجي بي مورغان من شأنه أن يعزز القوة الشرائية لهذه الشركات الكبيرة، ويؤدي إلى إنشاء نماذج عمل تجارية مبتكرة، إلا أنّ الفرصة الأكبر ستكون على الأرجح في تحسين طريقة تقديم الرعاية الصحية للمرضى. فالرعاية الصحية، في جوهرها، خدمة تقدم للعميل. وبالنسبة لشركات الرعاية الصحية الحالية، تسمى هذه المهمة بالمصطلح “الرعاية الصحية”، أما بالنسبة لأمازون فمن الأرجح أن يُعبّر عنها كالتالي “خدمة يجب تقديمها للعميل”. ولكي نستكشف إلى أي مدى يكون فيه منظور أمازون صحيحاً، يجدر بنا التأمل في أنواع الخبرات التي يمكن للشركة تطبيقها على الرعاية الصحية.

جعل العمليات الروتينية سلسة وموثوقة

سنجد أنّ إطلاق خدمة أمازون برايم، التي توفر تسليم البضائع والأغراض خلال يومين فقط للعديد من طلبيات أمازون مقابل رسوم سنوية ثابتة، يمثل تحولاً هائلاً في نموذج العمل التجاري المبكر لشركة أمازون. فقد أدت هذه الخطوة إلى القضاء على عائق كبير كان يواجه المستخدمين الذين لم يعودوا مضطرين لجمع العديد من الأغراض التي اشتروها من أمازون في طلب واحد لتوفير تكاليف الشحن. وأمازون بريم ليست الخدمة الوحيدة، فقد طوّرت أمازون أشكالاً أخرى مماثلة من سهولة الاستخدام والتعامل لشراء البقالة، من خلال خدمة التسليم في نفس اليوم، المتوفرة في المدن الكبرى وتديرها وحدة أمازون فريش (AmazonFresh) التابعة لها. إلى جانب ذلك، تستطيع أمازون استخدام هذه الخبرات لتحسين تقديم الرعاية الصحية من خلال تفكيك المتاعب الإدارية وتذليل المصاعب التي تواجه المرضى الذين يبحثون عن خدمات صحية روتينية في مكان واحد.

وتتمثل التحديات الأساسية في إيجاد موقف للسيارة، ووقت الانتظار، والوقت الضائع من العمل والتي تجعل المرضى يخافون من عملية تلقي الرعاية أو تجعلهم يتخلون عنها تماماً. وهكذا نجد أنّ استحواذ أمازون على هول فودز (Whole Foods) يمنحها موضع قدم تجاري يمكننا أن نتصور أنه سيقدم خدمات الرعاية الصحية الأساسية المتوفرة في العيادات التجارية الصغيرة مثل التي تقدمها سي أف آس مينيت كلينك (CVS MinuteClinic) أو والغرينز (Walgreens)، وحتى إن لم تكن خدمات أمازون المتوقعة في هذا المجال فريدة من نوعها، فإنّ المرء يتوقع أن تاريخ أمازون الحافل في قدرتها على المنافسة بأسعار تسليم أقل للمنتجات والخدمات الروتينية سيفيدها جداً إذا قررت الدخول للمجالات الروتينية (لكن الضرورية) لتوفير الرعاية الصحية مثل التطعيمات الصحية وسحب الدم، ومعالجة التهابات الحلق.

بالإضافة إلى ذلك، نجد أنّ شبكة توزيع أمازون الواسعة تسعى إلى توفير خدمة التسليم في نفس اليوم في العديد من الأسواق (من خلال أمازون فلكس Amazon Flex، التي تشبه خدمة أوبر للتسليم)، ما يجعل التسليم الفوري لبعض الوصفات الطبية إلى جانب أكياس البقالة أو منتجات أخرى للمشتري أمراً حقيقياً. ومع أنّ مجموعة الخدمات الروتينية التي تعتزم أمازون إلى توفيرها غير واضحة بعد، إلا أنّ الشركة يمكن أن تنجح إذا قدمت بعض هذه الخدمات كجزء من باقة خدمات أكبر من وسائل الراحة التي يمكن للعميل الوصول إليها باستخدام حساب أمازون واحد فقط.

التقاط البيانات السلبية

يتمثل أحد الجوانب الأكثر نجاحاً لأمازون (والأمر المقلق جداً بالنسبة للمدافعين عن الخصوصية) في ثروة البيانات التي تستطيع جمعها عن العادات الشرائية لكل فرد من عملائها. والأدهى من ذلك، أنّ جمع البيانات هذا يُعد عملية سلبية، وبالتالي، لا يتطلب من العميل إدخال الكثير من المعلومات لإتمام عملية الشراء. ومع أنّ جمع البيانات عبر الإنترنت ميزة تتمتع بها أمازون منذ نشأتها، إلا أنّ حركاتها الأخيرة في مجال البيع بالتجزئة من دون موظفي بيع من خلال محلّات أمازون جو في سياتل تعطينا لمحة عن إمكانات الشركة في الرعاية الصحية.

يتيح متجر أمازون جو للعميل تمرير هاتفه ببساطة عبر جهاز استشعار عند الدخول، ومن ثم يعتمد المتجر على مجموعة من تقنيات الاستشعار للتمييز بين إجراءات المستهلك في التقاط أحد المنتجات أو وضعه في عربة أو إعادته إلى الرف. وأثناء تسوق العميل، يتم جمع هذه الحركات تلقائياً، ما يتيح لأمازون معرفة ما الذي أخذه العميل عندما يغادر المتجر. ومن ثم يتم تحصيل الفاتورة الإجمالية لرحلة التسوق هذه تلقائياً وتماماً مثل أي عملية شراء أخرى يقوم بها العميل.

لكن ما علاقة ذلك بالرعاية الصحية؟ لقد كتبتُ مؤخراً لمجلة هارفارد بزنس ريفيو مقالاً حول تكنولوجيا المعلومات في الرعاية الصحية، سلطت خلاله الضوء على حجم الاستثمارات التي ضختها المستشفيات في إنشاء السجلات الطبية الإلكترونية وصيانتها، وتحدثت كذلك عن الإحباط الذي يشعر به العديد من مقدمي الخدمة بسبب الوقت المنقضي في إدخال البيانات لهذه الأنظمة. وبالمثل، تستخدم العديد من المستشفيات أيضاً أنظمة تحديد المواقع في الوقت الحقيقي لتعقب حركة الأشخاص والمعدات في جميع أنحاء مرافقها، حيث تتيح هذه الأنظمة للمسؤولين أن يعرفوا بالضبط كم من الوقت تشغل كل غرفة من غرف العمليات في المستشفى أو عدد الأسرّة التي يشغلها المرضى، ويمكن لهذه الأنظمة أيضاً اطلاع موفري الرعاية الصحية الذين يتبعون جدول أعمالهم الزمني كم من الوقت انتظر المريض التالي ليحصل على الرعاية.

يمكن لهذه البيانات، التي يتم جمعها من خلال الحركات العادية للأشخاص والمعدات أثناء العمل، أن تساعد في تحسين التنفيذ التشغيلي للخدمات المعقدة المقدمة في العديد من مرافق الرعاية الصحية. وكما أنّ التكنولوجيا التي طورتها أمازون لمتاجر أمازون جو يمكن أن تتحول إلى خدمات تتعدى شراء البقالة، فقد تكون الرعاية الصحية أول المستفيدين من ذلك.

تحليلات البيانات

تستطيع شركة أمازون، من خلال تبسيط عملية جمع البيانات، تحرير مواردها لتحليل تلك المعلومات لأغراض الاستخبارات التجارية. مثلاً: ما الذي يشتريه المستهلكون وما هي الأغراض التي يشترونها معاً؟ ما هي قرارات الشراء التي يقضي المستهلكون وقتاً أكثر لاتخاذها، وما هي قرارات الشراء التي يتخذونها بسرعة؟ إنّ تحويل هذه التحليلات وتطبيقها على بيانات الرعاية الصحية يعتبر أداة قوية، وهذا ما لم تغفل عنه العديد من الشركات التي تقوم حالياً ببناء أدوات تحليلية لقطاع الرعاية الصحية.

وعلى غرار العيادات التجارية، يبرز السؤال مرة أخرى حول ما يمكن أن تضيفه أمازون إلى ما تقدمه الشركات الحالية في هذا المجال؟ تكمن إحدى الإجابات المحتملة في ثروة البيانات المتكاملة التي تربط السجل الطبي للفرد مع أنماطه الشرائية الإجمالية، ومعلوماته الوراثية (لا سيما إن قامت أمازون بسحب الدم في المرافق المناسبة) وأنماط النشاط المختلفة. وهذا النوع من تكامل البيانات تسعى إليه شركات تقديم الرعاية الصحية بشكل متزايد، والتي تحاول توفير الرعاية الصحية وفقاً لتفصيلات المريض المحددة أو وفقاً للمعلومات الوراثية خاصته.

ولهذا يحاول العديد من مقدمي الرعاية الصحية الآن تطوير مصارف حيوية، حيث يدمج السجل الطبي للمريض مع معلوماته الوراثية (التي يتم الحصول عليها من تحليل الدم المتبقي بعد إجراء المريض لاختبار التحليل الروتيني) وبيانات السلوك أو نمط الحياة التي تجمع من خلال استبيان منفصل يجريه المريض. لكن جمع مثل هذه المعلومات عملية شاقة ومرهقة، وتتطلب بذل جهود منفصلة وغالباً ما يصعب دمجها لاحقاً. وبالنظر إلى وضع الأعمال التجارية الحالية في هذا القطاع، يبدو أنّ شركة أمازون تتمتع بموقع ممتاز يمكنها من خلاله أن تدمج مثل هذه البيانات في نقطة واحدة. وفي هذه الحالة، تجد أمازون نفسها كمورد خارجي لخدمات تكنولوجيا المعلومات لشركات توفير الرعاية الصحية التي تحاول حالياً إنجاز هذا التكامل من البيانات بمفردها.

التحول الجذري

يكمن الجانب النهائي والحاسم لخبرة أمازون التجارية في رغبة الشركة لتحويل نفسها جذرياً. ويتمثل ذلك على وجه التحديد في امتلاك أمازون موهبة ترجمة جهودها في تحويل تحدياتها التشغيلية والتنظيمية الخاصة بها إلى منتجات وخدمات تجارية مستقبلية. ولعلنا نجد أشهر الأمثلة على هذه الرغبة في إنشاء وحدة الحوسبة السحابية التابعة لأمازون، والتي تسمى أمازون ويب سيرفيسز (Amazon Web Services).

تأسست خدمات الحوسبة السحابية لأمازون جرّاء تراجع استراتيجي قامت به أمازون في العام 2003، حيث لاحظ المدراء التنفيذيون التحديات التي تواجه الوحدات المختلفة في الشركة واضطرارها إلى “إعادة اختراع البنى التحتية من جديد” كل مرة يبدؤون فيها تقديم خدمات جديدة. واجتمعت آراء هؤلاء المدراء التنفيذيين على أنه إن كانت هذه المشاكل تواجه أمازون، فلا بدّ أنّ شركات الإنترنت الأصغر تعاني منها جداً. وهكذا أُطلقت خدمات الويب لأمازون كخدمة توفر بنية تحتية للحوسبة السحابية على أساس “الدفع مقابل الاستخدام”.

وهكذا جذب عدم وجود تكاليف ثابتة للمستخدمين مطوري الويب الصغار والمبتكرين. ومع مرور الوقت، بدأت العديد من الشركات الكبرى (حتى تلك الشركات التي لديها القدرة على تأمين عقود للبنية التحتية مع شركات حوسبة سحابية كبيرة) تستخدم خدمات أمازون للويب. ومع أنّ خدمات أمازون للويب لا تمثل حالياً إلا جزءاً صغيراً نسبياً من إيرادات أمازون التي تربو عن 175 مليار دولار، إلا أنّ العديد من المحللين يشيرون إلى أنّ ربحية هذه الخدمات ونموها المحتمل يمثلان أكثر من نصف القيمة السوقية لأمازون (أي حوالي 376 مليار دولار).

والأمر اللافت بشأن قصة تطوير خدمات أمازون للويب هو أنه عند إطلاقها، لم تكن أمازون تعرف ما الذي يحتاجه مطورو خدمات الويب (الذين لم يكونوا من قبل عملاء لشركة أمازون) أو ما الذي سيستخدمونه. ويكمن جمال هذا النموذج للعمل التجاري في عدم حاجته إلى معرفة ذلك. فبدلاً من معرفة ما يحتاجونه، تتيح هذه الخدمة للمطورين أن يختاروا بأنفسهم الخدمات التي يريدون استعمالها. من ثم راقبت أمازون أنماط الاستخدام التي قام بها عملائها وعدلت عروض خدماتها وفقاً لها.

أما في مجال الرعاية الصحية. تواجه أمازون الآن تحدياً داخلياً، (يتمثل في إدارة الإنفاق الصحي والرعاية الطبية لموظفيها) تتشارك فيه مع العديد من الشركات الأخرى. ومع ذلك، من المستبعد أن يكون لدى أمازون “حلاً” كاملاً كافياً لهذه المشكلة. إلا أنّ لديها أفكاراً وفرضيات يمكن اختبارها. ومن خلال توفير مساحة يمكنها فيها اختبار هذه الأفكار والفرضيات، قد تتمكن من لعب دور رئيسي في تخصيص الموارد للحلول التي تُكتشف على مر الزمن من خلال الاختبار والتجريب، ومن ثم احتمالية نجاعتها ونجاحها مستقبلاً.

ومع استمرار الجدل حول إمكانات أمازون لتحويل قطاع الرعاية الصحية – بما في ذلك المناقشات المتعلقة بتداعيات النمو الإجمالي لشركة أمازون على تنافسية السوق وقضايا خصوصية المستهلك – من المهم أن نعترف بأنّ مضيّ الشركة قدماً في هذا القطاع يغلّفه الكثير من الغموض واللايقين. ولأن النجاح في تحويل قطاع الرعاية الصحية يتطلب معرفة عميقة بالمؤسسات الصحية والطب والتأمينات، فلا شك أنه بانتظار أمازون معركة شاقة لكي تنجح في هذا المجال. ومع ذلك، إن كان مفتاح النجاح في هذا الميدان يكمن في الاهتمام الكبير بالعمليات التشغيلية وتحليل البيانات وخدمة العملاء، فمن المؤكد أنّ أمازون لديها فرصة كبيرة للنجاح.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن استراتيجية

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz