مضى أكثر من سنة على الانتشار الكبير لحملة #MeToo (#أنا_أيضاً). ومنذ ذلك الحين، شهدت "لجنة تكافؤ فرص العمل بين الجنسين" (EEOC) زيادة في عدد تهم التحرّش الجنسي التي تلقتها بنسبة 13.6%، كما أنّ الوكالات الاتحادية المماثلة شهدت زيادات أكبر على هذا الصعيد. في حين استغلّ بعض قادة الأعمال هذه الفرصة لإجراء تغييرات مهمة في كيفية التعامل مع التحرّش في أماكن عملهم، فإنّ قادة آخرين لم يروا بعد الحاجة ملحة لمعالجة هذه المشكلة. في الواقع، وفي اجتماع لنا في شهر أكتوبر/تشرين الأول مع مجموعة من كبار مدراء الموارد البشرية، كان من بين الأسئلة الملحّة ما يلي: "كيف أجعل رئيسي التنفيذي يولي اهتماماً لهذه المسألة؟" و"كيف أقنع رئيسي التنفيذي بأنّنا نحتاج إلى استثمار موارد كافية لمنع التحرّش؟".

في شهر يونيو/حزيران 2016، نشرت "لجنة تكافؤ فرص العمل بين الجنسين" تقريراً فريداً من نوعه عن التحرّش في مكان العمل. لا تزال المقترحات والنصائح الواردة في هذا التقرير مقبولة، ولكن السنة الماضية أظهرت لنا مدى الصعوبة التي تواجه كلّاً من مدراء الموارد البشرية والمستشارين العامين وموظفي مراقبة الالتزام ومدراء التنوع والشمول، في جعل منع التحرّش مسألة تدخل ضمن دراسة جدوى الأعمال لدى قياداتهم. في غضون ذلك، يعرف الكثير من الناس في هذه المناصب – وكذلك نحن – أنّ وقف التحرّش ومنعه في مكان العمل ليس واجباً أخلاقياً فحسب، بل استراتيجية مؤسسية سليمة أيضاً.

في السنة المالية الماضية، ازدادت حالات التحرّش الجنسي التي وثّقتها "لجنة تكافؤ فرص العمل بين الجنسين" بأكثر من الضعف، كما ارتفعت قيمة الأضرار النقدية التي يدفعها أصحاب العمل من 47 مليون دولار إلى 80 مليون دولار في إطار القضايا المحالة إلى اللجنة. ولكن هذه الإحصاءات لا تتضمّن تكاليف قضايا التحرش الجنسي التي رفعها محامو الادّعاء الخاص أو أشكالاً أخرى من التحرّش حقّقت فيها "لجنة تكافؤ فرص العمل بين الجنسين" أو رُفعت دعاوى بشأنها من قبل اللجنة أو من قبل محامين خاصين، مثل التحرّش والمضايقة بسبب العرق أو الأصل القومي أو الدين أو الإعاقة أو العمر. وعليه، فإنّ إضافة تكاليف هذه الحالات تزيد من الالتزام المالي للشركات التي تفشل في منع التحرّش.

على الرغم من ذلك، لا تقتصر التبعات المالية لفشل الشركات في إيقاف التحرّش ومنعه في مكان العمل على التعويض عن الأضرار وتكاليف التقاضي. فالموظفون الذين تعرّضوا للتحرّش وكذلك الأشخاص الذين يعملون مع موظفين تعرّضوا للتحرّش يعانون من عواقب سلبية على صحتهم البدنية والعقلية، ما يؤدي إلى التغيّب عن العمل وارتفاع التكاليف الطبية. كما يؤدي التحرّش إلى الإضرار بإنتاجية كلّ من الموظّفين الذين تعرّضوا للتحرّش والوحدة التي يحصل فيها هذا الأمر. وقد يترك العمل الموظّفون المتعرّضون للتحرّش إذا كانوا قادرين على ذلك، وقد يفعل مثلهم أيضاً الموظفون الآخرون الذين يشهدون حالات تحرّش لم يحقق فيها. ولأنّ حوالي 70% من حالات التحرّش لا تصل إلى صاحب العمل، قد يغادر العمل الموظفون الموهوبون والمهرة من دون أن يعرف صاحب العمل أنّ ما عانته الشركة كانت نتيجة للتحرّش في مكان العمل.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يكون الإضرار بالسمعة مدمراً للأعمال، فالشركات التي يُعرف عنها (حتى بدون تغطية إعلامية) أنّ أماكن العمل فيها تشهد حالات تحرّش، قد تصبح أقلّ جذباً للموظفين الموهوبين ويمكن أن تفقد العملاء والزبائن. وإذا أصبحت حالات التحرّش في مكان العمل علنية، فقد يكون الضرر الذي يصيب سمعة الشركة أكبر ويدوم لوقت أطول.

على سبيل المثال، شهد عدد كبير من الشركات – بداية من "منتجعات وين" (Wynn Resorts) و"فوكس نيوز"  (Fox News) وسلسلة مطاعم مايك إيزابيلا (Mike Isabella) وصولاً إلى "أوبر" – هبوطاً في أسعار الأسهم والعائدات الإعلانية وأرقام المبيعات وتراجعاً في ولاء المستهلكين كنتيجة للأخبار السلبية المتعلقة بالتحرّش. كما واجهت مجالس الإدارة دعاوى قضائية رفعها المساهمون لفشلها في التحقيق في مزاعم التحرّش وتصحيح الأمور. من جهة أخرى، اتخذت بعض الشركات، مثل "فيدلتي" (Fidelity)، خطوات حاسمة لمنع التحرّش وتصحيح عواقبه بمجرّد علم الشركة بحالات التحرش. ونأمل أن تبدأ المؤسسات والشركات الأخرى في اتخاذ خطوات استباقية قبل أن تجد أخبارها منتشرة في الصحافة.

للأسف، لا يزال الكثير من أصحاب العمل يفشلون في تطبيق أفضل التدابير وأكثرها فعالية لمنع التحرّش في مكان العمل. التدريب التقليدي الذي يركّز على التعريفات القانونية والسلوكيات المحظورة أمر ضروري ولكنه لا يكفي للحدّ من رفع دعاوى كبرى ضد الشركة ومنع السلوك المشين في المستقبل. غالباً ما تكون السياسات المكتوبة ذات طابع قانوني بحت ويكون نشرها صعباً وتنفيذها ضعيفاً. كما أنّ السياسات العادية للإبلاغ والتحقيق الخاصة بالشركات تفتقر إلى مكونات هامة تجعلها أكثر فعالية. فالمتحرّشون، خصوصاً "النجوم" منهم في المؤسسة، غالباً ما تتمّ حمايتهم بدلاً من معاقبتهم، والأشخاص الذين يبلغون عن سوء تصرّف هؤلاء يمكن أن يتعرّضوا لحالات انتقام غير قانونية. ونتيجة لذلك، قد يخاف الموظفون من الإبلاغ ولن يعرف قادة الشركات بالمستوى الذي وصل إليه التحرّش في أماكن عملهم.

من أجل وقف حالات التحرّش بفعالية ومنع تكرارها، يتعيّن على صاحب العمل أن يخلق ثقافة احترام وشمول (اتساع مكان العمل للجميع) تُشعِر الناس بالأمان لدى الإبلاغ عن سوء تصرّف ما وتفرض عقوبات واضحة وفورية على من يشارك في التحرّش. وينبغي للمدراء أن يتعلموا مهارات حول كيفية التعامل مع سلوك التحرّش في مهده، وذلك قبل أن يصبح سلوكاً غير قانوني، وأن يتعلموا كيف يتصرّفون عندما يقدّم أحد الموظفين شكوى بهذا الخصوص. بالإضافة إلى ذلك، يجب على الموظفين غير المكلّفين بوظائف إشرافية أن يعرفوا ما هو السلوك غير المقبول في مكان العمل، ويجب تعليمهم مهارات حول كيفية التدخل عندما يلاحظون أيّ سلوك تحرّشي. كما وينبغي للقادة أن يحدّدوا بوضوح قيمهم وتوقعاتهم مراراً وتكراراً وأن يحاسبوا الموظفين عندما يخالفون تلك التوقعات.

أصدرت "لجنة تكافؤ فرص العمل بين الجنسين" في تقريرها خارطة طريق لهكذا برنامج وقائي لمنع التحرّش، ويتضّح بعد 16 شهراً – وبعد آلاف الشكاوى بشأن حالات تحرّش جنسي في وقت لاحق – مدى الحاجة إلى مثل خريطة الطريق هذه. فالسير في هذه الطريق لن يحافظ على سلامة الموظفين وحسب، بل سيساعد الشركات أيضاً على تجنّب الأضرار المالية والأضرار التي تلحق بسمعتها والتي تترافق مع تجاهل منع التحرّش.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!