كانت أمريتا راجيش تشعر بأنّ الطبيب الجالس إلى يسارها لا يشعر بالارتياح

وقد كانت مقابلات نهاية الخدمة من مسؤولية المدراء الحديثي العهد في فريق الموارد البشرية، لكنّ أمريتا شعرت بأنّه ونظراً لارتفاع معدّل الاستنزاف في أوساط الأطباء في مستشفى كريسنا خلال العام الماضي فإن مسؤوليتها كرئيسة لقسم الموارد البشرية كانت تقتضي منها أن تتحدّث هي شخصياً إلى الدكتور فيشنو باتل، وهو طبيب أمراض قلبية محترم كان قد تقدّم للتو باستقالته.

"الجميع عادة يتصرّفون بأدب خلال هذا النوع من اللقاءات، لكنّني بحاجة إلى صراحتك" قالت له أمريتا.

حرّك الدكتور باتل كرسيه وقال: "هناك أسباب كثيرة لمغادرتي، والعديد منها ليس بمقدورك أن تفعلي شيئاً حيالها. هناك التزامات عائلية، مثلاً، وظروف العمل في عيادتي الخاصّة".

لقد كان معظم الأطباء في مستشفى كريسنا يعاينون المرضى في عياداتهم الخاصة، لكنّهم كانوا قد أقاموا شراكة مع المستشفى وكانوا يحيلون المرضى إليه لإجراء الجراحات التي لم يكن بالإمكان إجراؤها في عياداتهم. وبما أنّ المستشفى كان الأكبر في نويدا، في منطقة العاصمة الوطنية للهند، فإنّه كان يقدّم خدمات ثانوية في مجالات طب القلب، والعظام، والأعصاب، والسرطان، والكلى، والباطنة.

"هل هناك أي شيء كان يمكن أن يبقيك معنا؟ هل هنا أي شيء محدّد جعلك تقرّر بأن تغادرنا؟" قالت أمريتا وهي تكزه بمرفقها.

"نعم، أحد الأسباب كان الجدل الذي خضته مع أحد مسؤولي العناية بالمرضى". قال الدكتور باتل بعد أن صمت لبرهة. وكان بذلك يشير إلى منصب جديد نسبياً في المستشفى، هو "مسؤول العناية بالمرضى". فقبل ثلاث سنوات، واستجابة لشكاوى المرضى من عدم فهمهم لتوقعات الأطباء بخصوص تشخيص حالاتهم وعلاجاتهم، استحدث المستشفى هذا المنصب الجديد لتنسيق العلاقة مع المرضى. وقد كان الهدف من استحداثه هو تحقيق الفائدة للجميع: فالمرضى وعائلاتهم سيحصلون على خدمة أفضل في المستشفى تتناسب مع حالتهم شخصياً، بينما سيحتاج الأطباء إلى وقت أقل لتدبّر شؤون المرضى، مما يتيح لهم المزيد من الوقت لممارسة الطب. وقد جاء البرنامج متناسباً تماماً مع سمعة المستشفى بوصفه مركزاً باهظ التكلفة للعناية الفائقة الجودة يضمّ أفضل الموهوبين وأحدث أنواع التكنولوجيا وأحسن الخدمات. وقد سمعت أمريتا بعض التذمّر من الأطباء الممارسين منذ لحظة تعيين أوّل مسؤول للعناية بالمرضى.

وقد شرح الدكتور باتل كيف أنّ أحد مسؤولي العناية بالمرضى هؤلاء والموكل بالتعامل مع إحدى الحالات المعقدة التي كان يشرف على علاجها، وهو عبارة عن مريض خضع لجراحة لتحويل مجرى الشريان التاجي، وكان يستعمل جهازاً لتنظيم ضربات القلب قد تسبّب بفقدان المريض وأهله لثقتهم به. "لا أعلم ما الذي قاله لهم أثناء العمل الجراحي، ولكن منذ تلك اللحظة، لم يرغبوا إلا بالتحدّث إليه، وتصرّفوا معي وكأنني عدو لهم. لقد أصبحت في مواجهة حتمية مع هذا المسؤول وعائلة المريض".

ومضى قائلاً: "وما زاد الطين بلّة، هو أنّه قدّم لهم معلومات مضللة عن جهاز تنظيم ضربات القلب، وعندما حاولت أن أشرح لهم أنه كان مخطئاً، لم يصدّقوني".

وقد كان على حق من أنّ هذا المسؤول عن العناية بالمرضى لم يكن قد حظي بأي تعليم في مجال الطب. فمعظمهم كان يحمل شهادة الماجستير في إدارة الأعمال وقلّة منهم فقط كانوا يمتلكون خبرة في مجال الرعاية الصحية. لم يكن الدكتور باتل أوّل من يتذمّر من تدخّل مسؤول العناية بالمرضى بالعلاقة بين الطبيب والمريض. ولكن بفضل تحسّن علامات رضى الزبائن، كان كبار المدراء في المستشفى راضين عن أداء مسؤولي العناية بالمرضى هؤلاء.

"هل برنامج مسؤولي العناية بالمرضى هو السبب الذي يدفعك إلى تركنا؟" سألت أمريتا.

فاعترف الدكتور باتل على استحياء بأنّ ذلك هو السبب قائلاً: "بصراحة، هذا الأمّر يصعّب عليّ ممارسة مهامي. فأنا مسؤول عن المريض، وعن عائلته، وعن الإدارة. والآن بت مسؤولاً عن مسؤول العناية بالمرضى. ولا يمكنني إرضاء هذا العدد الكبير من الناس. "لذلك فأنا لا أفضّل العمل في مستشفى لا يتدخّل بعملي بهذه الطريقة؟"

لم يكن لدى أمريتا جواب مقنع، وكانت واثقة تماماً من أنّ باتل لم يكن ينتظر هكذا جواب لذلك سألته: "هل بوسعنا أن نقنعك بالعدول عن رأيك؟"

"أطردوا مسؤول العناية بالمرضى ذاك. بصراحة اطردوهم جميعاً. ودعونا نحن الأطباء نؤدّي واجبنا. ساعتها فقط يمكن أن أبقى".

أعداد كبيرة من الأطباء تغادر


في وقت لاحق من ذلك اليوم، جلست أمريتا إلى المائدة في كافيتريا المستشفى مع ميرا كومار، كبيرة المسؤولين الطبيين في المستشفى. وكانت هاتان المديرتان التنفيذيتان قد عملتا معاً لأكثر من 20 عاماً، وعلى الرغم من انشغالهما الكبير، فقد كانتا دائماً تحرصان على الاجتماع لتناول الغداء مرّة في الشهر على الأقل.

كانت أمريتا لا تزال تفكّر في حديثها مع الدكتور باتل وعرضت مسألة المسؤولين عن العناية بالمرضى على ميرا.

"أتمنّى لو كان بوسعي القول بأنّه استثناء، لكنّه ليس كذلك." قالت ميرا. ثم أردفت: "الكثير من الأطباء غير سعداء من مسؤولي العناية بالمرضى".

"لماذا لم تخبريني بذلك من قبل؟" سألتها أمريتا.

"لقد أخبرتك وأنت طلبت أن أمنحك بعض الوقت".

فابتسمت أمريتا بشيء من الخجل.

ومضت ميرا في الكلام قائلة: "أعلم أنني منحازة بحكم منصبي، لكنني اتفق مع الأطباء في ما ذهبوا إليه من أنّ مسؤولي العناية بالمرضى غير ضروريين، وفي الكثير من الحالات ضررهم أكثر من نفعهم. وبناءً على القصص التي سمعتها، فإنهم على ما يبدو عديمو الخبرة ويتدخلون في ما لا يعنيهم. هم يجيدون الكلام، لكنّهم لا يفهمون في الطب والعلاجات."

"هذا الكلام غير منصف" قالت أمريتا. "ليس الأمر وكأنهم يتّخذون قرارات طبية نيابة عن المرضى. فلا يزال الأطباء مسيطرين على الوضع بالكامل. ويقتصر دور مسؤولي العناية بالمرضى على مساعدة المرضى في استيعاب الخيارات المعروضة عليهم بشكل أفضل".

"ليس هذا ما يتناهى إلى مسامعي" قالت ميرا. "لقد أخبرني طبيب بأنّ أحد هؤلاء المسؤولين تحدّث إلى إحدى مريضاته وأقنعها بعدم الخضوع إلى اختبار تشخيصي هام لأنها كانت مصابة بنوبات ذعر من هذا الإجراء. وقد حاول الطبيب أن يشرح بأنّهم قادرون على علاج القلق وبأن الاختبار أساسي، لكن مسؤول العناية بالمرضى لم يتنازل".

أخذت أمريتا نفساً عميقاً، وكانت تهمّ بالكلام عندما قاطعتها ميرا قائلة. "أعلم ما الذي ستقولينه. "هذه تفّاحة معطوبة وسط سلّة التفاح. أليس كذلك؟ لكنّني أسمع قصصاً كثيرة من هذا القبيل كل يوم. وهذا هو السبب الذي يجعل الأطباء يغادروننا بالعشرات".

لقد بلغ معدّل ترك الموظفين للمستشفى ما بين 20% إلى 25% خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية. صحيح أن النقص الحالي في الأطباء في عموم الهند، دفع المستشفيات إلى الدخول في حرب استقطاب لأصحاب الكفاءات، لكنّ مستشفى كريسنا حلّ في المرتبة الأخيرة بينهم. وهو المستشفى الوحيد الذي استحدث وظيفة مسؤول العناية بالمرضى هذه.

كانت أمريتا قد بدأت تتساءل ما إذا كان المستشفى متقدّماً على غيره، أم أنه يسير في الاتجاه الخاطئ.

هل هو استنزاف جيّد أم سيء للموظفين؟


بعد مرور أسبوع على ذلك اللقاء، اتصل غيريدار إيار الرئيس التنفيذي لمستشفى كريسنا بكل من أمريتا وجاي سرينيفاسان، رئيس قسم خدمات المرضى، وطلب منهما الحضور إلى مكتبه ليناقش معهما مسألة ترك الأطباء للمستشفى. وقد شرح لهما بأنّ هذه المسألة قد طرحت في آخر اجتماع لمجلس الإدارة.

"هل لاحظتم وجود أي أنماط واضحة أو أسباب جذرية؟" سأل إيار.

نظرت أمريتا إلى جاي، ثم أجابت قائلة: "هناك الأسباب المعتادة طبعاً، ولكن بدأت تراودني التساؤلات بخصوص منصب مسؤول العناية بالمرضى".

وقد لاحظت كيف أصيب جاي الجالس بجوارها بالتوتر. فبرنامج مسؤولي العناية بالمرضى كان أهم إنجازاته، وقد أشارت لغة جسده بأنّه لن يتقبّل هذا النقد أبداً. ومع ذلك فقد حافظت على نبرتها ولخّصت فحوى أحاديثها مع الدكتور باتل وميرا.

"لم نكن لنحتاج مسؤولي العناية بالمرضى لو كان الأطباء يوفّرون معاملة أفضل للمرضى،" قاطعها جاي قائلاً. ثم أضاف: "لقد سئمت من السعي إلى إرضائهم بأي ثمن. نحن مركز معني بتقديم أفضل عناية ممكنة للمرضى، كما ينصّ عليه شعار مستشفانا المعروف".

فقال غيريدار: "نعم، ولكن لا نستطيع تقديم العناية المطلوبة إذا لم يكن لدينا أطباء." لقد كان معدل النمو السنوي المجمّع في المستشفى 82%، وكان يعاني في المحافظة على امتلاء جميع الشواغر الوظيفية.

فما كان من أمريتا إلا أن قالت: "لا شكّ في أنّ برنامج مسؤولي العناية بالمرضى كان عظيماً بالنسبة للمستشفى". وكانت تأمل بأن تخفّف هذه الكلمات من حالة التوتّر لدى جاي. ثم أضافت: "الإيرادات في تصاعد، وكذلك نسب الاحتفاظ بالمرضى، ومعدّلات الإحالة."

"هذا صحيح،" قال جاي. "فعندما نعامل المرضى بكرامة ونوفّر لهم العناية، يعودون إلى مشفانا كلّما كان هناك أمر طبي يشغل بالهم، كما أنهم يدعون أصدقائهم وأفراد عائلاتهم إلى القدوم إلى المستشفى. ناهيك عن أنّ العلامات المعطاة لرضى الزبائن تغني عن كل قول، فهم يحبّون مسؤولي العناية بالمرضى".

"نحن لا نجادل في هذه النقطة،" قال غيريدار. "من ذا الذي لا يحب أن يكون هناك إنسان وظيفته الأساسية هي الشد على يدك في الأوقات العصيبة؟ لكن السؤال هو: ما الذي نخسره نتيجة لذلك؟"

فما كان من جاي إلا أن تدخّل وقال: "أنا لا أصدّق بأن مسؤولي العناية بالمرضى هم من ينفّر الأطباء." أعتقد أنّ الأطباء باتوا يشعرون بالملل من تقاسم الإيرادات معنا. وهم غير مرتاحين لفكرة تفضيل الزبائن للذهاب إلى مسؤولي العناية بالمرضى عوضاً عن زيارة عياداتهم الخاصّة. كما أنّهم يشعرون بالغيرة من كون مسؤولي العناية بالمرضى يحصلون على أجورهم بغضّ النظر عمّن يأتي إلى المستشفى." ففي مستشفى كريسنا، ومعظم المستشفيات الهندية، كانت رواتب الأطبّاء مرتبطة بعدد المرضى الذين كانوا يعالجونهم.

"لماذا لا نوفّر لهم المزيد من التدريب؟،" اقترحت أمريتا. "ألا تذكرون كيف أقمنا جلسات تدريبية عندما استحدثنا هذا المنصب، ولكن ربما حان الوقت لنجمع الأطباء ومسؤولي العناية بالمرضى معاً من جديد لكي يتبادلوا معارفهم".

"لقد عانينا من متاعب كبيرة في إقناع الأطباء بالحضور في المرة الأولى،" قال جاي. "ما يجب علينا فعله هو العثور على أطباء يؤمنون برسالة المستشفى ويرغبون بالتعاون، وليس أطباء يضعون مصالحهم في المقام الأول."

"بحسب ما قالته ميرا، هؤلاء بالضبط هم الأطباء الذين نخسرهم،" قالت أمريتا. "نحن نعلم أنّ هناك استنزافاً جيداً واستنزافاً سيئاً"، وميرا أكّدت لي بأننا نتعرّض للنوع السيء من الاستنزاف".

"هذه أولوية قصوى بالنسبة لي،" قال الرئيس التنفيذي. "أعلم موقفك جاي. واتفق معك في أننا يجب أن نكون حذرين كي لا ننفّر المرضى. ولكن لا نريد لهذه الحالة أن تتصعّد وأن تتحوّل إلى أزمة. بل يجب أن نفكّر في العلاج."

قرار عاطفي


أثناء ركوب أمريتا في المصعد وهي ذاهبة من مكتب الرئيس التنفيذي إلى مكتبها، استعادت في رأسها شريط الاجتماع. وكانت لديها مشكلة في قبول توصيف جاي للأطباء على أنّهم أشخاص نهمين للمال وأنانيين. كانت تعلم بأنّ معظمهم بوسعه أن يعيش حياة مريحة داخل عيادته الخاصة، لكنهم اختاروا تبنّي حالات صعبة وأدخلوها إلى المستشفى، وتقاسموا الإيرادات معه، لأنهم كانوا يرغبون بمساعدة الناس. وإذا كان مسؤولو العناية بالمرضى يصعّبون عمل الأطباء، فإن واجبها يقتضي منها فعل شيء حيال هذه المسألة.

توقف المصعد، وفتح الباب. فدخلت امرأة وهي تصيح على هاتفها المحمول: "لا يبدو أنهم مهتمون بما إذا كان سيعيش أم لا. هم يجرون الاختبار تلو الاختبار، لكن لا أحد يتّخذ قراراً في ما ينبغي فعله. الشخص الوحيد الذي أثق به هو كارثيك". وقد عرفت أمريتا من هو صاحب الاسم. لقد كان واحداً من مسؤولي العناية بالمرضى ممّن عيّنوا حديثاً، وعندما فتح الباب من جديد في الطابق الأول، كان الرجل الذي ذكرته في انتظارها. انتبه إلى نظرات أمريتا إليه لكنّه ركّز انتباهه على المرأة التي ألقت بنفسها بين ذراعيه وهي تنتحب.

تحدّثا بهدوء، ثم تعانقا من جديد. بينما كانت أمريتا تراقبهما، لم يسعها إلا أن تعتقد بأنّ مسؤولي العناية بالمرضى يملؤون فجوة هامّة للغاية. وكانت تشكّ في قدرة أي من منافسي كريسنا على تقديم هذا المستوى من الخدمة.

وحتى أمريتا نفسها شعرت برغبة في البكاء. صحيح أنّها كانت في سياق العمل، لكن العواطف دائماً لها دور كبير في حياتنا. وكانت بحاجة إلى ضمان أن يثق الأطباء والمرضى بأنّ مستشفى كريسنا يفعل الشيء الصحيح بالنسبة إليهم.

رأي الخبراء


هل يجب على أمريتا أن توصي بإلغاء منصب مسؤول العناية بالمرضى؟


يجب على أمريتا أن تدرس جدّياً فكرة التخلّص من منصب مسؤول العناية بالمرضى، أو على الأقل أن تعيد النظر فيه، بحيث تعكس مسؤوليات هذا المنصب بشكل أفضل الدور الذي يجب على هؤلاء الموظفين تأديته خلال عملية تقديم الرعاية.

في الوقت الحاضر، يبدو أنّ هناك فجوة بين ما وُظّف هؤلاء المسؤولون للقيام به (تفسير تشخيص الأطباء والعلاجات المقترحة للمرضى وعائلاتهم) وبين ما يقومون به فعلياً (تقديم الدعم العاطفي، وفي بعض الحالات، التأثير على عملية اتخاذ القرار). وعوضاً عن التصرّف كوسطاء، فإنهم يتصرّفون كأصحاب سلطة بديلة ويسهمون في تراجع ثقة المرضى بأطبائهم وبمستشفى كريسنا.

أنا شخصياً أستطيع تفهّم هذه الحالة من ثلاث زوايا: أولاً بوصفي مديرة تقع على عاتقها مسؤولية تحسين تجربة الزبائن ضمن نظام تبلغ قيمته 6 مليارات دولار ويعمل فيه 24 ألف موظف؛ وثانياً بوصفي طبيبة ممارسة تعالج المرضى من ذوي الحالات الحرجة كل يوم، وكذلك بوصفي مريضة قضت ثمانية أعوام في الدخول إلى المستشفيات والخروج منها عندما كنت أحارب مجموعة من الأمراض الحرجة التي عانيت منها. وفي هذه الأدوار ثلاثتها، لم أجد أي شيء أهم من علاقة الطبيب بالمريض.

يفترض جاي، مسؤول قسم خدمات العناية بالمرضى، بأنّ الأطباء يريدون إيكال مهمّة خوض الأحاديث الصعبة والعاطفية إلى أشخاص آخرين لكي يتفرّغوا هم للتركيز على الجوانب الطبية. لكن ما تعلّمته من خلال خبرتي بأنّ الطبيب لا يمكن أن يعالج مرضاه بفعالية دون أن يقضي بعض الوقت في محاولة فهم خياراتهم، وقيمهم، ومخاوفهم؛ فأنت لا تستطيع التوصّل إلى الخطة العلاجية المناسبة إلا عندما تحدّد الطبيعة الحقيقية لمريضك كإنسان، ومن ثم تُدخل العامل الطبي في المعادلة. لذلك فإنّ هذه العلاقات في غاية الأهمية من أجل توفير العلاج الناجع للمريض، وهي ليست شيئاً أتخلّى عنه. ولا أعلم الكثير من الأطباء الذين يتخلّون عن هكذا علاقة.



وبالتالي، عوضاً عن أن تحمل أمريتا عبء عملية التواصل الأساسية عن كاهل الأطباء، يجب عليها العثور على طرق تسمح للأطباء في مستشفى كريسنا بالتنازل عن الواجبات الأخرى الأقل أهمية، مثل الأعباء الإدارية أو المهام الروتينية التي يمكن للممرّضين والممرّضات من ذوي المهارات العالية إتمامها على أكمل وجه. ويمكن لمسؤولي العناية بالمرضى إنجاز المهمّة الهامة المتمثّلة بمساعدة المرضى وعائلاتهم في التعامل مع النظام الطبي الذي يتزايد تعقيده، مثل مساعدتهم في العثور على الاختصاصيين، وتحديد المواعيد، وشرح الفواتير والمسائل المتعلقة بشركات التأمين. بل وأعتقد بأنّ وجود منسّق تقع على عاتقه مسؤولية ترجمة مخاوف المرضى وعائلاتهم إلى الفرق الطبية هو أمر مفيد جداً. لكنّ الأطباء يجب أن يحتلّوا موقعاً مركزياً في هذه العلاقة، وأن يجيبوا عن الأسئلة، وأن يقودوا الناس إلى المسارات الصحيحة للعلاج.

ولكي تساعد أمريتا الأطباء في مستشفى كريسنا في إنجاز هذه المهمّة، يجب عليها أن تعرّفهم على مفهوم الكفاءة الحقيقية. فالعناية الرحيمة والعطوفة بالمرضى لا يجب بالضرورة أن تستهلك وقتاً كثيراً إذا ما خضعت لمجموعة من القواعد البسيطة. ويبدأ الأمر بالتعامل مع كل لقاء مع أي مريض بشيء من التواضع والفضول المعرفي والأسئلة الاستكشافية، التي لا تجعل الطبيب يبدو وكأنّه "صوت الطب" وإنما تضعه في موقع الشريك. فنحن في نظامنا الطبي كنّا قد أنشأنا برنامجاً يُدعى (كلير CLEAR) وهو مبني على التواصل، والإصغاء، والتعاطف، والمواءمة، والاحترام، ويقوم على تعليم مهارات التواصل الهادف إلى بناء علاقة. ويضطلع بالتدريب في هذا البرنامج مجموعة من الممثلين الهواة.

عندما كنت مريضة تعاني من سرطان الكبد الذي قاد إلى صدمة نزفية، وإلى إجهاض في الشهر السابع من الحمل، وإلى فشل في عدد من الأعضاء، وإلى جلطة، فإن الأطباء الذين أخرجوني من محنتي هم الأطباء الذين أمضوا الوقت إلى جواري بجانب سريري، ممّا عزّز العلاقة التي تجاوزت كل العلاقات الأخرى. يجب على مستشفى كريسنا أن يضمن إيلاء الموظفين الطبيين الأهمية القصوى للثقة، وألا يُترك هذا الأمر لمسؤولي العناية بالمرضى. فهذه هي الطريقة الوحيدة التي ستسمح للمستشفى والأطباء فيه بأن يحافظوا على نجاحهم.



قبل إلغاء منصب مسؤول العناية بالمرضى، يجب على أمريتا والرئيس التنفيذي أن يدرسا ما إذا كان هناك حل بنيوي للمشكلة.

فمسؤولو العناية بالمرضى لا يعملون بتناغم مع الأطباء، والسبب على الأرجح هو أنّ البرنامج كان قد أنشئ دون أخذ رأي الفرق الطبية بالأمر، أو دون إشرافها عليه. ورغم أنّ المرضى وعائلاتهم قد يشعرون بقدر أكبر من الدعم، إلا أنّ الانفصال الموجود بين موظفي المستشفى والأطباء سيقود في نهاية المطاف إلى حالة من سوء التفاهم، وإلى تفويت الفرص، والأخطاء، والمزيد من الاستنزاف الأمر الذي سيقلّل من حجم الرعاية المقدّمة وسيقود إلى قدر أقل من الرضى على المدى البعيد. كما أنّ ذلك قد يعرّض المستشفى إلى خطر المقاضاة القانونية: فالمرضى الذين يعانون من نتائج سيئة بعد أن يكونوا قد حصلوا على المشورة من موظفين غير متخصّصين قد يلجؤون جدّياً إلى المحاكم.

أنا أنصح بإعادة هيكلة البرنامج بهدف تحسين اندماج مسؤولي العناية بالمرضى ضمن الفرق الطبية. ويمكن تكليف ثلاثة أو أربعة منهم بالعمل مع كل طبيب بحيث يمكن لكل طرف بأن يبدأ بفهم الطرف الآخر ممّا يمكّن الطرفين من الدخول في علاقة ذات طابع تعاوني. ويجب على ميرا المسؤولة عن الأطباء الإشراف على المجموعة. أمّا أمريتا وبوصفها مسؤولة قسم الموارد البشرية، فيمكنها أن تظل منخرطة في الأمر، ولكن من وجهة نظري، لا يجب أن يكون هناك دور لجاي، الذي يبدو بأنّه يعتقد بأن المستشفى يمكن أن يعمل وفق أنظمة وعمليات مع الاستغناء عن الأطباء. في الحقيقة، ربما يجب على الرئيس التنفيذي أن يستبدله بموظف إداري قادر على التعاطف مع المرضى والأطباء على حدّ سواء، وأكثر قدرة على العمل بين الأقسام المعزولة عن بعضها البعض.

وبطبيعة الحال، يجب على المستشفيات في أي مكان أن تدرس الطرق التي تسمح لها بتقديم الخدمات إلى المرضى على أكمل وجه ممكن. ويصحّ هذا الأمر تحديداً في الهند التي تواجه نقصاً حادّاً في الأطباء، فضلاً عن غياب منصب مساعد الطبيب الذي نراه في الدول الأخرى. يمتلك الاختصاصيون لدينا مواهب استثنائية في ممارسة الطب، لكنّ بعضهم يفتقر إلى مهارات التواصل ويقاوم فكرة الحصول على تدريب في هذا النوع من المهارات الناعمة؛ وثمّة أطباء آخرون يتعاملون مع عدد كبير من الحالات إلى الحد الذي لا يبقي لديهم الكثير من الوقت ليعطوا لكل مريض الاهتمام الذي قد يحبّذه. ولكن بسبب الديناميكية السائدة في سوقنا، فإننا نادراً ما نتمتّع برفاهية توظيف أطباء أكثر وأفضل. وعوضاً عن ذلك، فإننا يجب أن نعمل معهم من أجل تطوير الأدوات التي سوف تعزّز أداءهم.



قبل عامين من الآن، وبعد التشاور مع الأطباء في نارايانا، طبّقنا نظاماً في ستة مستشفيات تابعة لنا. وقد انتقينا مجموعة من المدراء من مختلف الوظائف بما في ذلك الموارد البشرية، والمالية، والعمليات. وأوكلنا إليهم مهمّة العمل في مناطق مختلفة من المستشفى ومنحنا كلّ واحد منهم 10 أسرّة، وطلبنا منهم قضاء ساعة كل يوم في زيارة المرضى. وكان واجبهم يتمثّل في كشف النقاب عن أية مخاوف تعتمل في نفوس المرضى، ونقلها إلى الموظفين الطبيين أو الإدارة بحسب ما يقتضي الوضع. وقد كانت هناك مجموعة من الشكاوى المتنامية عندما كان الجميع في طور التعوّد على الدور الجديد وعلى العمل معاً. ولكن بعد ثلاثة أشهر فقط، رأينا حصول تزايد في معدّل رضى المرضى، كما سجّلنا منذ ذلك الوقت زيادة في معدّل الترويج للمستشفى – من رقم منخفض هو 5 إلى رفع مرتفع هو 9 – في كل مستشفى من المستشفيات التي جرّبت هذا البرنامج. ونحن نسعى حالياً لتطبيق هذا البرنامج في كل المستشفيات التابعة لنا.

يبدو أنّ مستشفى كريسنا قد استحدث منصب مسؤول العناية بالمرضى دون أن يأخذ بحسبانه رأي أطبائه، علماً بأنّهم هم المتخصصون، وفي صميم خدماته. كما يبدو أنّ مسؤوليات مسؤولي العناية بالمرضى لم تكن معرّفة بوضوح، كما أنّهم لا يتفاعلون بالقدر الكافي على ما يبدو مع الفرق الطبية. ويجب على أمريتا والرئيس التنفيذي إصلاح هذا الوضع الآن. فإذا ما أعادا تصميم البرنامج بحيث يصبح مسؤولو العناية بالمرضى تابعين للأطباء وتحت إمرتهم، فإنّ هذا التغيير سيكون أكثر من مجرّد تغيير شكلي وتجميلي. لا بل أنّ ذلك سيؤدّي إلى حصول تحوّل في التفكير. وهو سيُظهر بأنّ المستشفى يعطي الأولوية للنتائج الطبية. وسوف ينقل التركيز من حسن الضيافة إلى الطب، ويضمن حصول الاختصاصيين المجهدين في العمل على الدعم عوضاً عن أن يكون هناك من يقوّض جهودهم.
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!