منذ زمن ليس ببعيد، ألقيت خطاباً في شركة خضعت مؤخراً لعملية استحواذ فارتفع عدد موظفيها من 300 إلى 1,400 موظف. إنه لمن الصعب على أي مؤسسة مواجهة التغيرات السريعة، ولكن عندما سألت قادة هذه الشركة عن أكبر صعوبة واجهتهم، لم يتحدثوا عن "زيادة حجم البنية التحتية التقنية" أو "تعيين موظفين أكفاء بسرعة كافية" أو "الاندماج مع الشركة الأم". بل كانوا قلقين بشأن عدد الخلافات التي كانت تقع بين موظفيهم. إذ كانت الشركة تتمتع بما قالوا عنها "ثقافة جدال"، بدءاً من القمة وصولاً إلى القاعدة. ونظراً لتضخم حجم المجموعة وملكيتها الجديدة، كان القادة قلقين بسبب عدم إمكانية تحمل أنماط السلوك تلك كونها غير منتجة.

فأخبرتهم أنهم إذا استطاعوا تدريب موظفيهم على النقاش على نحو صحي، سيكون النقاش أمراً جيداً، ولربما كان هو سر نجاحهم.

تخبرنا الأبحاث أن التنوع المعرفي يجعل المجموعة أكثر ذكاء. فوجود دماغين أفضل من واحد بكل تأكيد، والأفضل من ذلك هو وجود العديد من الأدمغة وخصوصاً عندما يعتزم الجميع مشاركة خبراتهم وآرائهم.

كما تبين الدراسات أن فشل معظم حالات الاندماج والاستحواذ لا يعود إلى النزاعات، وإنما إلى "الصمت التنظيمي" الذي ينشأ بسبب الخوف من النزاعات. وستجد هذا السبب ذاته عندما تنظر إلى زوجين يشارفان على الانفصال، حيث يكون "عدم الحوار" سبب أساسي أقوى من "الخلافات الكثيرة".

صحيح أننا قد لا نشعر بالراحة مع تنوع التفكير وعدم الاتفاق، ولكنهما على الأغلب يقودان الشركاء أو الفرق نحو التقدم والابتكار والتوصل إلى حلول مبتكرة أكثر من الإجماع والحوارات اللطيفة التي يحتفظ المشاركون فيها بآرائهم.

فلنأخذ الكونغرس الأميركي مثالاً نظرياً، من المفترض أنه فريق يجيد حل المشكلات، ثم يأتي مئات من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي من 50 ولاية مختلفة وأجيال متعددة، وبالتالي لديهم آراء ووجهات نظر متنوعة، ولذلك يدخلون في نقاشات أكثر مما نتخيل. إلا أن أسلوبهم في النقاش يمتلئ بالتضليل الفكري، كما أنّ "القوانين" التي تحكم نقاشاتهم، وبالأخص على شاشات التلفاز، غير فعالة في تشجيع النقاش البناء.

وللأسف، يقع معظمنا في مطبات مشابهة، ونعلق في محاولة "الفوز" كي نبدو بمظهر جيد أو نجعل الفريق الذي نمثله لا يبدو سيئاً، ما يؤدي بنا إلى تجاهل المنطق والدليل اللذان يتعارضان مع معتقداتنا الأصلية. وبذلك نقاتل دون إحراز أي تقدم يذكر.

ولكن، يمكننا تغيير هذه الطريقة والتقدم نحو مسار أكثر فعالية نقوم فيه بتبادل الأفكار المتنوعة وإجراء نقاشات صادقة تؤيد جوهر هذه الأفكار أو تعارضها. ويتم ذلك عن طريق تدريب الموظفين على تبني العادات المناسبة كما يلي:

تذكر أننا جميعنا ضمن الفريق ذاته. تقع جميع النقاشات تقريباً ضمن ثلاث فئات: النقاشات التي تهدف إلى إقناع الآخرين أنك على حق، والنقاشات التي تهدف إلى إظهارك بصورة أفضل من خصمك، والنقاشات التي تهدف إلى إيجاد حلول أفضل بصورة مشتركة. والفئة الثالثة هي التي تساعدنا على الحصول على الفائدة القصوى من تنوع الفريق المعرفي. ومن أجل توجيه الموظفين نحو هذه الفئة يجب إعداد الميدان عن طريق إطلاق النقاش ذي الهدف المشترك وروح تقصي الحقائق، مع التركيز على انتماء الجميع إلى الفريق ذاته. ولذلك يجب تذكيرهم بما يلي:

  • نحن هنا معاً ضمن روح تقصي الحقائق بصفتنا رفاق لا أعداء.
  • هدفنا المشترك هو العثور على أفضل طريقة للقيام بالأمر موضع النقاش.
  • جميع وجهات النظر التي تصب في خدمة هذا الهدف مرحب بها.
  • ليس هناك "رابح"، بل سيكون الفريق بأكمله رابحاً إذا أحرزنا تقدماً.
  • جميع المشاركين متساوون، ليس هناك تراتبية ولا تمنح أي وجهة نظر أفضلية خاصة على حساب وجهة نظر أخرى.

ركز على الحقائق والمنطق وموضوع النقاش. أحد العناصر الأكثر صعوبة وأهمية في النقاش البناء هي الاستمرار على المسار المحدد. وغالباً ما تفشل النقاشات عندما يشعر المشاركون أن أفكارهم أو هوياتهم تتعرض للهجوم.

للأسف، عندما يتمسك الإنسان برأيه غالباً ما يلجأ بصورة لا إرادية إلى مغالطات منطقية والتهرب من الأسئلة والحقائق السيئة والتضليل التام. أو يقوم بإدخال مواضيع خارجية إلى النقاش من أجل دعم وجهة نظره وتشتيت انتباه الآخرين عن الحجج التي تثبت خطأه. ومن المهم أن يكون القادة والمشاركون متيقظين كي لا تتسلل أي من هذه السلوكيات السيئة إلى النقاش. لذلك، عليك إخبار الموظفين بما يلي:

  • لا يتعلق النقاش بمن يهتم أكثر ولا بصاحب الصوت الأعلى أو النفوذ الأكبر ولا بمن يكون أكثر وضوحاً.
  • لا يسمح باتباع الأساليب البلاغية.
  • ميزوا بين الحقائق وتفسيراتها (القصص التي يرويها الناس عن الحقائق).
  • تعرفوا على المغالطات المنطقية وعاودوا النقاش بعيداً عنها.
  • تحققوا من صحة تأكيدات الوقائع وحللوا جودة الدليل وليس الدليل وحده.
  • إذا انحرف مسار النقاش إلى مواضيع أخرى اعترفوا بذلك وابدؤوا من جديد.

لا تأخذ الأمر على نحو شخصي. غالباً ما تفشل النقاشات عندما يشعر المشاركون أنّ أفكارهم أو هوياتهم تتعرض للهجوم. فتبدأ المشاعر والكبرياء بلعب دور أكبر بكثير مما ينبغي ويصبح الجميع غير قادرين على تقدير وجهات نظر الآخرين، ما يؤدي إلى الحد من الابتكار وحل المشكلات المحتملين بصورة كبيرة. ولضمان ألا تتعرض النقاشات للانحراف في هذا الاتجاه يجب علينا أن نجعل نقاشاتنا غير شخصية بصورة واضحة. أي أن نحرص على ما يلي:

  • لا يسمح بالسباب أو الهجوم الشخصي.
  • ابتعد عن الأسئلة التي تلقي أحكاماً على الأشخاص وليس على آرائهم. وبدلاً من طرح أسئلة مثل: "كيف يمكنك تصديق ذلك؟" أو "لماذا لا ترى؟" اطرح أسئلة استفهامية مثل: "ما الذي جعلك تشعر بذلك؟" أو "ما الذي قادك إلى هذه النتيجة؟".
  • أحسن الظن بالآخرين وافترض أنهم جميعهم يملكون نوايا حسنة.
  • لن يفقد أحد ماء وجهه بسبب تغيير رأيه.
  • كافئ الموظفين على التقدم بالفريق وليس على كونهم "على حق".  

كن متواضعاً فكرياً. لكي يكون النقاش بناء بحق، يجب أن يعتزم المشاركون احترام كل وجهة نظر وتغيير آرائهم عند الضرورة. هذا ما يسميه علماء النفس التواضع الفكري، وهو أحد أهم المهارات التي يمكن للقائد الجيد والمناقش المنتج تطويرها. وتقسم هذه القاعدة إلى ما يلي:

  • لا تأخذ الأمور على نحو شخصي.
  • استمع إلى جميع وجهات نظرهم وأظهر الاحترام لهم حتى إن لم تتفق معهم.
  • اعترف بخطئك عندما تدرك وجوده واعترف بآراء الآخرين المحقة بابتهاج.
  • كن فضولياً. إذ يمكن أن تكون الأفكار السيئة مفيدة أيضاً. فهي تساعدنا على إيجاد أفكار جديدة أفضل.

من الضروري أن يجسد جميع المشاركين في النقاش هذه العادات، سواء كان نقاشاً فردياً أثناء تناول القهوة أو نقاشاً عاماً في قاعة الاجتماعات. ولكن يجب أن يكون القادة أو من يتمتع بالنفوذ الأكبر في الغرفة أول من يتقيد بها.

وتذكر أنّ السر لا يكمن في إيجاد حلول مبتكرة للمشكلات في الاتفاق على نحو جيد، بل في "الاختلاف" على نحو جيد.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!