تُعتبر السياسة كلمة مذمومة، لكن لا يمكن الاستغناء عن السياسة في العمل، فكما قال أرسطو: "الإنسان بطبيعته حيوان سياسي". وسواء شاركت في السياسة أو أعرضت عنها، فإنّها تملك تأثيراً كبيراً على ما يحدث لك، وعلى مشاريعك، وفريقك، لذا من الصعب ألا تُعيرها اهتمامك. واقتباساً مما ذكره العالم السياسي هارولد لازويل عن السياسة في العمل، إذ قال: "يمكن فهمها على أنها القواعد غير المدونة التي تحدد من يحصل على ماذا، ومتى، وكيف، مثل الحصول على ترقية، أو ميزانية مشروع جديد، أو التأثير على قرار الرئيس، وكذلك تحدد من لا يتسنى له الحصول على تلك الأمور".  وهذا سبب نفورنا من السياسة: فعندما يتعلق مصيرنا بقواعد غير مكتوبة، وخاصة عندما تتعارض مع القواعد الرسمية المنصوص عليها، بشكل يجعل منظمة العمل تبدو مزيفة أو على الأقل قائمة على الرياء، تبدو الأمور بلا شك تعسفية وغير عادلة. وليس مفاجئاً ما تبينه البحوث أنّ الموظفين حين يرون السياسة تلعب دوراً أكبر في مكان عملهم، فإنّ همّتهم في العمل تفتر، وإنتاجيتهم تتراجع، بل وتزيد احتمالات تركهم الوظيفة. هذا على الرغم من أنّ أكثر الطرق فعالية للتعامل مع السياسة في العمل هي الانخراط فيها. بعبارة أخرى، أن تشارك في اللعبة بدلاً من أن تشكو منها. ولحسن الحظ لا تُعتبر السياسة كلها شر، وهناك طريقة للدخول فيها من دون أن تبيع نفسك للشيطان. يوفر لنا المعنى الغالب لما نطلق عليه "ثقافة" الشركة السبل التي ترشدنا إلى فهم السياسة في العمل. فالثقافة هي التوليفة المركبة مما يُفهم بداهة من افتراضات، وقيم، ومعتقدات، ومعايير، وعادات، لتحدد "الطريقة التي ندير بها أمورنا في هذا المكان". وفي بعض هذه الملامح لثقافة الشركة سمات مستحبة تتفاخر بها المؤسسات بشعارات من مثل: "نحن مؤسسة تتوخى أعلى مستويات الأداء"، أو "نحن ندعم التنوع والشمول". وتقدم مؤسسات أخرى نفسها بخلوها من السمات غير المستحبة، مثل "نحن نتجنب الصراعات". ويُستخدم تعبير "السياسة" لوصف مظاهر محددة من هذا الجانب المظلم لثقافة المؤسسات. لذا من الضروري فك شيفرة هذه اللغة السرية للشركة التي تعمل فيها، وتعلم التعامل معها، وذلك كي تُحافظ على وظيفتك ولكي تُصبح لاعباً رئيسياً في العمل. ما الفرق بين السياسة المحمودة والسياسة المذمومة؟ من السهل جداً التعرف على السياسة المذمومة. فهي تتضمن الوسائل التي يستخدمها الأشخاص من مساومات، ومناورات، ومراءاة، وغيبة، ونشر الإشاعات، كي يتقدموا في العمل على حساب غيرهم في المؤسسة. والسياسة المذمومة في جوهرها معنية بتقدم الشخص بلجوئه إلى أية وسائل لازمة لبلوغ ذلك. فهي تتعلق بالصفات الملتوية، بل ربما الميكافيلية أو غير الأخلاقية، للإضرار المقصود بالآخرين من أجل تحقيق مكسب شخصي. أما السياسة المحمودة، ترتبط بالتقدم في تحقيق المصالح الشخصية، لكن من دون التغافل عن حقوق الآخرين، أو التهاون في المصالح المشروعة للمؤسسة. وتتضمن الطرق المقبولة التي تلجأ إليها كي تنال إسهاماتك التقدير، وتُعامل أفكارك بجدية، ويكون لك تأثير فيما يفكر فيه الآخرون وفي القرارات التي تُتخذ. وتتعلق أيضاً بالإشاعات عن الزملاء الأنانيين، أو الكسالى، أو غير الموثوق فيهم الذين يؤثرون سلباً على الصالح العام.  وما دامت تخدم هدفاً أسمى، فلا ضرر من أن تقدم مصالحك الشخصية كذلك. وتشمل العبارات الشائعة للعب السياسة المحمودة أن تكون حاذقا، أو متمتعاً بشبكة واسعة من العلاقات، أو محنكاً في التعامل مع تحديات الحياة العصرية، وكذلك أن يكون لديك أفكاراً تخدم الغير، وأن توجه أصحاب المصالح. وتحفل العلوم الاجتماعية بمعلومات عن ممارسة السياسة المحمودة. إذ يشير بحث شارك في إجرائه جيرالد فيريس مع زملاء له إلى أنّ المهارات السياسية يمكن تصنيفها في أربعة أبعاد:
  • الحنكة الاجتماعية: وهي القدرة على قراءة الآخرين والوعي الذاتي الذي يؤهلك لفهم كيف يراك الآخرون. وهنا يجدر الإشارة إلى أنّ غالبية الناس يفهمون الوعي الذاتي على أنه النظر المتفحص في النفس، ولكنه في جوهره فعلياً الوعي للآخرين، بعبارة أخرى كيف يراك الآخرون وكيف يؤثر سلوكك عليهم.
  • التأثير في العلاقات الشخصية: وهي قدرة الإقناع للتأثير في كيفية تفكير الآخرين، وفيما يفكرون. وهذا يتطلب أولاً أن تفهمهم، وتفهم أفضلياتهم وخريطة تفكيرهم، ثم أن تصيغ رسالتك بما يتوافق مع شخصيتهم لتستميلهم عبر قناعاتهم ومبادئهم.
  • القدرة على عمل شبكة من العلاقات: وهي القدرة على تكوين علاقات قائمة على النفع المتبادل في شبكة واسعة من الشخصيات المتنوعة. إذ أنّ أي تأثير كبير يتطلب في أغلب الأحيان شبكة من الدعم المتبادل. وكما يقول المثل القديم "العلاقات تعني الصفقات".
  • الإخلاص الظاهر: وهو الظهور بمظهر الأمانة والانفتاح والاستقامة. فلا يكفي أن تكون أميناً فحسب، بل إنّ الإخلاص تراه عين الناظر إليك. فما تراه في نفسك من مظاهر الأمانة أقل أهمية مما يراه الآخرون فيك من مظاهر.
تُبين مجموعة من البحوث التي أجريت على مدار سنين أنّ الترتيب العالي في هذه الأبعاد المذكورة يُعزز الأداء الوظيفي، والتأثير، والقيادة، والتقدم. بل ما يُضاف إلى ذلك هو أنّ هذه المهارات السياسية تؤثر على مسارك المهني دون أن تدخل شخصيتك وذكائك في المعادلة. فمن جانب ربما تُغطي المهارة السياسة على نقص في انفتاح شخصيتك أو في مستوى ذكائك مقارنة بزملائك في الغرفة. ومن جانب آخر، يؤدي ضعف المهارة السياسية إلى انحراف الأشخاص الأذكياء والأمناء والمجتهدين عن مسارهم المهني الصحيح. تُشير هذه المهارات السياسية أيضاً إلى الفرق بين الرئيس المستبد ونظيره الذي يحظى بتقدير الآخرين له، وذلك لأنه يضع لهم توقعات واضحة ويعقّب على أدائهم بملاحظات مباشرة. فقد خلصت دراسة إلى أنّ المدراء الذين لا يتحلون بالحذق السياسي كان تأثيرهم سلبياً على درجة اهتمام الموظفين بما كانوا يطلبونه منهم من مهام، ويعقبون عليه من أداء. وعلى النقيض، كان الموظفون الذين يرأسهم مدير يتمتع بمهارات سياسية أعلى يرون نفس هذه التصرفات بعين الرضا أكثر من المدير في المثال الأول. وتلخيصاً لهذه النقطة، لا يقتصر الأمر على ما تفعله كمدير ولكن كيف تفعله، فالمدير الحاذق سياسياً لديه قدرة أكبر على الإدارة دون أن يبدو بمظهر المدير المتسلط أو الديكتاتور. والطريقة المثلى للظهور بمظهر المؤثر، لا المخادع أو البارع في التأثير على الآخرين لتحقيق أغراضك، هو عنصر الإخلاص الواضح في المهارة السياسية. ولنأخذ مثال، إيدي هاسكل في الحلقات التلفزيونية الكلاسيكية "دع الأمر لبيفر" (Leave It to Beaver) الذي لم يصدق أحد حيله الملتوية التي كان يلجأ إليها لتملق والديه. سوف تزداد ثقة الناس فيك واستعدادهم على تقبل أفكارك، لدرجة عدم استشعارهم بأي خطط سرية، عندما يتوفر عنصر الإخلاص. وهو ما يصب مرة ثانية في إبراز الفرق الرئيسي بين السياسة المحمودة والسياسة المذمومة. وسواء كنت ممن يتمسك بالفضيلة ويترفع عن ممارسة السياسة في العمل، أو ممن يمتعض اشمئزازاً منها، فعدم اختيار الدخول في اللعبة السياسية ضمن بيئة العمل ليس فقط سذاجة منك، بل أيضاً ليس في صالحك. وإذا أعدنا صياغة ما قاله أفلاطون، فالمخاطرة التي تنشأ من رفض المشاركة في السياسة تكمن في أنّ القرارات المهمة التي تؤثر عليك سوف يتخذها في النهاية من هم أقل خبرة وبصيرة، ومن يحملون نوايا أقل نبلاً.  إذ يوجد هناك طريقة لاستخدام القواعد غير المنطوقة من أجل الإسهام في تحقيق الصالح العام، وتعزيز مصالحك، والحفاظ على نبلك وكرامتك.

متابعة القراءة

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!