تابعنا على لينكد إن

مارتين ريفز وجورج ويتنبورغ

لطالما كنا نُقحِمُ اللعب والكلمات المرتبطة بالألعاب في اللغة المستعملة للحديث عن قطاع الأعمال. فنحن نتحدّث عن اللاعبين، والألعاب، والتحركات، والسباقات وغيرها الكثير من الكلمات المشابهة. أمّا الآن، فقد بتنا نسمع عن مفهوم جديد هو “استعمال الألعاب في العمل” (Gamification of Work)، والذي يعني استعمال عناصر من المنافسة، والتقييم، وتسجيل النقاط من أجل تحسين تفاعل الموظفين، بل وحتّى تتبّع الأداء أيضاً. ورغم ذلك، فإن الألعاب الفعلية لازالت من المحرّمات في معظم المؤسسات – فالصورة النمطية للموظف الذي يتقاعس عن العمل محاولاً تسجيل نتائج أعلى في لعبة “كاسحة الألغام” (Minesweeper) جعلت الألعاب تحظى بصيت سيء. كما أنّ المدير التنفيذي الذي يستخدم ممارسة الألعاب كأسلوب لتحسين مهاراته في وضع الاستراتيجيات لازال نادراً. وهذا أمر مؤسف. فنحن نعتقد بأن للألعاب موقعاً هاماً في عملية صوغ الاستراتيجيات الجيدة، وبأنّ الألعاب قادرة الآن وأكثر من أي وقت مضى على منح فرصة للمدراء التنفيذيين للتفوّق على منافسيهم.

أولاً، لم يسبق قط للشركات أن كانت بهذا القدر من الحاجة كما هي اليوم إلى تعلّم طرق جديدة لإنجاز أعمالها لكن تكون قادرة على التجاوب مع بيئة عمل تتّصف بالتعقيد والديناميكية. ثانياً، الألعاب التي تعتمد على الاستراتيجية والمتاحة بين أيدينا الآن أصبحت تتّصف بقدر أكبر من التطوّر الشديد والفعالية. وخلال العقدين الماضيين، تطوّرت هذه الألعاب القائمة على الاستراتيجية من تفاعلات بسيطة مع شاشة أحادية اللون وباهتة إلى تطبيقات متطوّرة ومصمّمة بشكل جيد وتعتمد على الذكاء الاصطناعي.

نحن نعتقد بأن الجيل القادم من التطبيقات الإلكترونية الخاصّة بالاستراتيجيات سيكون قادراً أخيراً على إثبات نفسه تجارياً بشكل فعلي. تصوّروا مثلاً بعضاً من المزايا التي تتمتّع بها الألعاب مقارنة مع المنهجيات التقليدية الأخرى في مجال تعليم الاستراتيجيات. فالكتب هي وسائل عظيمة لتعزيز الفهم الفكري، لكنّها ليست تفاعلية، ولا تعكس الواقع الفعلي الذي يتّصف بجداول مواعيد مزدحمة وقدرات ذهنية متراجعة على التركيز. كما أنّ المشاريع التجريبية الحيّة تعتبر واقعية للغاية لكنها مكلفة جدّاً، وتستهلك وقتاً كبيراً، وهي محفوفة بالمخاطر. وبالنسبة للمقاربات القائمة على وجود مرشد أو موجِّه فتتمتّع بفضائل كبيرة بالنسبة للتطوير الشخصي، لكن من الصعب استعمالها على نطاق أوسع.

أمّا الألعاب، من جهة أخرى، فهي قادرة على خلق فهم للاستراتيجية يتّصف بأنه تجريبي، وتفاعلي، ومفصّل حسب الحاجة، وبتكلفة منخفضة، وبطريقة قابلة للاستعمال على نطاق أوسع. فهي تسمح للمدراء بتعليق العمل بالقواعد الطبيعية بطريقة مقبولة، وهي توفّر وسيلة سمعية/بصرية فعّالة لاستيعاب الأفكار.

ومن خلال عملنا مع المدراء التنفيذيين والألعاب الاستراتيجية، اكتشفنا خمس فوائد مميّزة لاستعمال الألعاب بهدف تعزيز وتحسين عملية صياغة الاستراتيجية والمهارات المطلوبة لتنفيذها:

الألعاب تقدّم لك تقييماً زهيد الثمن وفوري. فالمدراء التنفيذيون الذين يمارسون الألعاب يحصلون فيها على تقييم فوري، يتجلّى صراحة من خلال النتائج التي يسجّلونها أو العلامات التي يحصلون عليها، أو ببساطة عبر سلوك الشخص المنافس لهم في اللعبة. وهم يستطيعون الاستفادة من تلك المعطيات ليتعلّموا بطريقة أسرع من التعلّم في عالم الواقع.

إضافة إلى ذلك، وخلافاً لما يجري في الواقع، فإنّ الفشل في الألعاب لا تترتّب عليه خسائر مكلفة. فالألعاب هي عبارة عن مجال لاختبار الاستراتيجيات، وللتراجع عن السلوكيات الخاطئة، وتجريب مسارات مختلفة لاتخاذ القرارات. فإذا طبّقت استراتيجية فيها خلل في عالم الواقع، فإنّ مؤسستك قد تتضرّر؛ أمّا تطبيقها في عالم الألعاب، فسيعطيك الفرصة لتعلّم درس بتكلفة بسيطة لا تتعدّى القليل من الإحباط.

فالألعاب التي تعتمد على الاستراتيجية، والمُنتَجة بشكل متقن، يمكن أن تبني نماذج لبيئات مفصّلة بحسب ظروف شركة معيّنة والمهارات المستهدفة فيها. وبحسب تصرّفات المستخدم، يمكن لهذه اللعبة أن تتكيّف بسرعة وفقاً لمستوى المهارات الفردية الموجودة لدى المتعلّم وطريقته في التعلّم، وهذه مزايا واضحة غير متوفّرة في الكتب أو المقالات أو الندوات. فاللعبة الذكية تجعل المدير يبقى في حالة معيّنة يطلق عليها عالم النفس ميهالي شيزكيزميهالي اسم “منطقة الانسياب”، وهي عبارة عن ممرّ مثالي بين التحدّي والمهارة، من خلال بناء سلسلة من الجولات ذات الصعوبة المتزايدة. وبالتالي فإنّ مسار التعلّم في اللعبة يمكن أن يُعدّل بما يتناسب مع طبيعة كل لاعب، دون أن يشعر اللاعب بالإنهاك كما يحصل في الواقع غالباً.

ولنأخذ على سبيل المثال لعبة تسمّى “بيبول إكسبريس” (People Express) وهي عبارة عن لعبة تقوم على محاكاة الواقع في عالم الأعمال وتوفّر للاعبين معلومات حول كيفية إطلاق شركة للطيران وإدارتها. فخلال كل فترة زمنية من هذه المحاكاة، يقوم اللاعب باتخاذ قرارات استراتيجية وتلقّي التقييم بخصوص القرارات السابقة – وتحديداً بخصوص السرعة التي يجب اتباعها لتنمية الشركة، أو كيفية تحديد الأسعار، أو مدى قوّة الحملة الإعلانية التي يجب إطلاقها. فسياسات التوظيف تؤثّر على معنويات الناس، والإنتاجية، وتقلّب الموظفين، بينما تحدّدُ الجهودُ التسويقية نمو الطلب، أمّا المنافسون فيردّون بحرب عكسية. هنا يتعلّم الاستراتيجيون كيف يديرون الأنظمة المعقدة ويوجهونها، دون الاضطرار إلى الوقوع في خطر الإفلاس الذي يُعتبرُ خطراً مكلفاً للغاية في الواقع الحقيقي. وفي هذا الصدد يقول جون ستيرمان، البروفيسور في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا الذي يستعمل هذه اللعبة في تدريس الطلاب والمدراء التنفيذيين في برامج الأعمال: “بالنسبة للمعارف العميقة التي تساعد في اتخاذ الإجراءات وإبداء التصرّفات وكذلك في تنمية مهارات اتخاذ القرار، فإنّها تتطوّر عندما تتاح الفرصة للناس لتطبيق النظريات التي يدرسونها في الصفوف الدراسية في عالم الواقع، بتعقيده الفوضوي، وضغوطه الزمنية، وبعواقبه وتبعاته التي لا يمكن عكس مسارها بعد حصولها.”

الألعاب تسمح للمدراء بالتفاعل العميق مع الأفكار من خلال استعمالهم لعنصر التفاعلية. تفرض الألعاب على المدراء تحليل البيئة، وإطلاق الأحكام، وتنفيذ القرارات، والتأمّل في العواقب والتبعات. وبما أنّ الألعاب تحفّز حاستي السمع والبصر، فإنّها توفّر تجربة ذات طبيعة أكثر انغماساً ممّا توفّره النصوص المكتوبة أو الكلمات المنطوقة. يُضاف إلى ذلك أنّ الألعاب سوف تعزّز هذا التفوّق على الكتب أو الندوات عندما يصبح ما يسمّى الواقع الافتراضي (virtual reality) جاهزاً بالكامل للهيمنة على الأسواق.

كما أنّ اللعب مع الآخرين، أو ضدّهم، يساعد الإنسان في التدرّب على مجموعة من المهارات النظرية المرتبطة بالألعاب: مثل اختياره لتصرّفاته بحكمة بناء على ردود الأفعال المتوقعة من المنافسين على أفق زمني متعدّد الفترات. كما أن الألعاب التي تقوم على مشاركة عدّة لاعبين في الوقت ذاته تتضمّن ميزات عديدة مثل التعاون أو التنافس، وهي تستند إلى الثقافة الغنية للكثير من الألعاب التي مارسها البشر عبر القرون، مثل الشطرنج وألعاب الرقع الأخرى المشابهة.

فعلى سبيل المثال، أنشأت شركة كبيرة تعمل في قطاع توفير خدمات الكهرباء عدداً من الفرق المختلفة لتؤدّي أدواراً تمثيلية، بحيث أنّ البعض من هذه الفرق مثّل دور المنافسين، في حين مثّل البعض الآخر منها دور الجهات الحكومية الناظمة لقطاع الكهرباء. وقد تمثّل واجب كل فريق في أداء مهمّة مزدوجة ألا وهي تحديد الأسعار والاستثمارات وأنشطة الاستحواذ والاندماج وأولويات التكامل وتجريب نماذج تجارية جديدة، وفي الوقت ذاته كان يتعيّن على الفريق توقّع الإجراءات التي سيتّخذها المنافسون والجهات الحكومية الناظمة والتجاوب مع هذه الإجراءات. وقد شملت المشاركة في هذه اللعبة التعاون بطريقة تفاعلية بين اللاعبين من أجل الاتفاق على الجهود الخاصّة بأنشطة الاستحواذ والاندماج أو تكوين شركات مشتركة جديدة. كما أدخلت إلى اللعبة صدماتٌ خارجية (كالتكنولوجيات الجديدة والأحداث الاقتصادية والسياسية) لتمرين اللاعبين، بحيث يحافظون على مرونتهم ورشاقتهم في العمل. ولم يساعد هذا العنصرُ التفاعلي الشركةَ في تحديد الاستجابات الاستراتيجية للحالات الطارئة المحتملة فحسب، وإنما أيضاً في تقمّص دور المنافس أو الجهة الحكومية الناظمة والنظر إلى العالم من منظارهم.

الألعاب تسمح بإجراء تحليل منهجي لسلوك المدير التنفيذي. يمكن للألعاب المطوّرة بصورة جيّدة أن تساعد في الكشف عن السيناريوهات المحتملة المختلفة وكيفية التجاوب معها، وكذلك الكشف عن الطرق غير المتُبعة سابقاً. وهي بذلك يمكن أن تساعد المدراء على التأمّل في تصرّفاتهم (وفي الأشياء التي أغفلوها). وبهذه الطريقة، فإنّ الخيارات الضمنية والخطوات الوسيطة في تنفيذ الاستراتيجية حتّى تصبح واضحة، وهو أمر يساعد في فهم الأسباب التي قادت إلى النصر أو الهزيمة. كما أن وجود زر “الإعادة” يمكن أن يساعد في إعادة تتبّع التصرّفات التي قام بها اللاعب أو رؤية الطريقة التي لُعِبَتْ بها اللعبة من منظور المنافسين. كما أن وجود سجل للنتائج، يسمحُ بإجراء مقارنة للأداء مع الآخرين.

وضعت (BCG) و(Neofonie)، وهي شركة مقرّها برلين متخصصة بحواسب الأجهزة الخلوية لعبة اسمتها “استراتيجيتك بحاجة إلى استراتيجية (Your Strategy Needs A Strategy). وتسمح هذه اللعبة للمستخدمين بأن يختبروا بأنفسهم وبشكل عملي أهمية اختيار المقاربة الصحيحة في تبنّي الاستراتيجية وتنفيذها في كل بيئة من بيئات العمل. وكانت اللعبة قد أطلقت في ذات الوقت الذي جرى فيه إطلاق كتاب يحمل الاسم ذاته. وهي تتضمّن جولات قصيرة من اللعب في بيئات مختلفة، كما أنها توفّر تعليقات مستمرّة تلخّص طريقة أداء اللاعب. وتتضمّن اللعبة أيضاً لوحة تحكّم للقادة تسمح بإجراء مقارنة بين مختلف اللاعبين، وتحدّد الاستراتيجيات التي تُعتبر الأفضل ضمن فئتها. ومن الميزات الأخرى الموجودة في اللعبة إمكانية إعادة عرض اللعبة، الأمر الذي يسمح للاعبين بفهم تبعات تصرّفاتهم وقراراتهم. كما أن هناك روابط موجودة ضمن السياق المناسب تأخذ اللاعبين إلى محتويات ومواد معيّنة تسمح لهم بتعميق فهمهم لما حصل وسبب حصوله.

يمكن لهذه العملية القائمة على التحليل والتأمّل أن تقدّم إجابات عن أسئلة من قبيل: هل كان اختيار الاستراتيجية غير صحيح، أم أن التطبيق كان بطريقة خاطئة؟ وإذا ما أراد اللاعب تحسين النتائج، هل يتعيّن عليه أن يعمل على تحسين دقة ملاحظته، ودراسة الخيارات بعمق أكبر، والعمل برشاقة ومرونة أكبر؟ إلى ما هنالك من هذه الأسئلة.

الألعاب تسمح باختبار سيناريوهات مختلفة. يمكن للألعاب التي تحتاج إلى استراتيجية أن “تحسّن” الواقع من خلال تحفيز سيناريوهات مختلفة تحتاج إلى استجابات استراتيجية محدّدة. فعلى سبيل المثال، يمكن بسهولة وضع نماذج للصدمات الخارجية التي لم تحصل (بعد) في الحياة الواقعية، لكن من الممكن أن تتحوّل إلى واقع ملموس في أي وقت. كيف يمكن لشركة أدوية أن تتصرّف، مثلاً، إذا ظهر ابتكار جديد يؤدّي إلى زعزعة هيكل التكاليف فيها؟ أو ما هي التبعات التي يمكن أن تترتّب في حال حصول فضيحة كبيرة تمسّ الخصوصية في شركة لشبكات التواصل الاجتماعي؟

يمكن للألعاب التي تحتاج إلى استراتيجية أن تتنبّأ بالواقع وأن تضخّمه من خلال أدائها لدور مشابه لدور اللقاحات. فالجسم الذي يتلقّى جرعة خفيفة من الأمراض المؤذية، يمكنه أن يطوّر مناعته من خلال “تعلّم” كيفية التفاعل مع السيناريو الأسوأ عندما يحصل، أي عندما يُصاب بالمرض الشديد.

هناك لعبة اسمها (The Settlers of Catan)، تُعتبر اللعبة المفضّلة لرايد هوفمان، مؤسسة شبكة لينكد إن للتواصل الاجتماعي. وهي عبارة عن لعبة قديمة يقول هوفمان بأن روّاد الأعمال في مجال التكنولوجيا ينجذبون إليها لأنها برأيه “الأقرب إلى استراتيجية ريادة الأعمال والأشبه بها”. وهي تتطلّب من اللاعبين التعاون وتبادل الموارد من أجل مراكمة النقاط، في حين أن إلقاء الزهر بشكل عشوائي يغيّر الأوضاع، ويستدعي من اللاعبين تعديل استراتيجيتهم بشكل دائم.

الألعاب يمكن أن تُوزّع وتُنْشَرَ بسهولة لتصل إلى العديد من المدراء. في حين أن طبيعة المؤتمرات، والندوات، وعمليات الإرشاد والتوجيه تحدّ من عدد الأشخاص الذين يمكن أن يشاركوا فيها، إلا أن الألعاب الرقمية تتضمّن إمكانيات لا محدودة تقريباً لنشرها على نطاق واسع جدّاً.

تعود جذور العديد من الألعاب التي نستعملها اليوم، وتقوم على الاستراتيجية والمحاكاة، إلى العالم العسكري والحربي. فجيوش العالم تستعمل الألعاب التي تحتاج إلى استراتيجية أو تقوم على محاكاة الواقع من أجل تدريب مئات آلاف الجنود. وإمكانية نشر الألعاب على نطاق واسع هي أمر أساسي جدّاً. ولا تحتاج الألعاب إلا إلى البرمجة لمرّة واحدة فقط، لكن يمكن بعد ذلك نشرها بين صفوف جمهور واسع مستهدف، وبزيادة في التكلفة ستكون بسيطة وبالحدود الدنيا. كما أنّ التعديلات في السيناريوهات يمكن أن تطبّق غالباً بسهولة وبثمن زهيد نسبياً، من خلال تعديل بعض القواعد أو من خلال إضافة طبقة بصرية جديدة على اللعبة.

إذا ما جرى استعمال الألعاب بشكل مناسب، فإنها يمكن أن تساعد الشركات على بناء مهارات استراتيجية في الوقت المناسب وبطريقة فعّالة جدّاً وبتكلفة صغيرة وبأسلوب مركّز – وهذه من القدرات الأساسية في عالم الأعمال الذي يتّصف اليوم بالديناميكية والحيوية. نعم: لقد حان وقت كسر المحرّمات، والتعامل مع اللعب والألعاب بجدّية.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن استراتيجية

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz