أكثر من 60 عاماً أمضاها في خدمة مرضاه، جراحاً للقلب في أهم المستشفيات حول العالم، بعد 80 عاماً تقريباً، ما يزال "ملك القلوب" الجراح المصري العالمي مجدي يعقوب يطمح بمستقبل أفضل لأبناء شعبه، لم يمنعه تقاعده قبل نحو 17 عاماً من استكمال مشاريع خدمة "قلب الإنسان" في كل مكان. هارفارد بزنس ريفيو العربية تحاوره عن إدارة نجاحه، ما حقق؟ وماذا ينتظر؟

بعد مسيرة طويلة من النجاح، ماذا حقق الدكتور يعقوب؟ وما الذي يأمل تحقيقه في المستقبل؟

طبعاً، أنا أتطلّع إلى المستقبل أكثر من الماضي، مررت بالعديد من التجارب، لكني أطمح اليوم بخوض تجارب جديدة. إنّي سعيد جداً بانتمائي لمجتمع الأطباء وتخصصي في جراحة القلب، وأظنه امتيازاً لي، لأسباب عدة، أولها قدرتي على مساعدة الناس، والتخفيف من آلامهم، خاصة من لا يملك منهم القدرة المادية. لقد درست الطب لسنوات عدة، وذلك كي أقدمه للمجتمع العالمي بأسره، وخاصة مجتمع مصر الذي يحتاج إلى هذا النوع من العناية الطبية بشكل كبير، فقد عايشت معاناة الشعب المصري. ولذلك، فإنني أشعر بالسعادة عندما أزيل الهم من قلوب الناس وأزرعه بالأمل، وهنا يكمن نجاحي برأيي. طموحي الثاني والمستمر هو نهل العلم، والسعي الدائم للبحث عن الحقيقة والإبداع. لم أصل إلى القمة بعد، فاكتشاف الحقيقة والأبحاث العلمية تعطيني سعادة بالغة.

ما هو الإنجاز الأهم في حياتك المهنية؟

خلال مسيرتي المهنية، عملت كثيراً وكنت دائم الاحترام لكل ما ينبض بالحياة، لذا، عملت على إصلاح صمامات وعضلات القلب، بدلاً من تغييرها، وكانت هذه إحدى أهم النواحي التي تميزت بها وهي "الإصلاح"، ولأنني كنت أول من عمل على هذه التقنيات الطبية الصعبة، فقد سميت بعض العمليات باسمي. بعض الناس يفضّلون البناء من جديد على إصلاح القديم، لذلك يعتبرون أنه من السهل استبدال الصمام الطبيعي بالاصطناعي، لكنني على العكس من ذلك، أحب القيام بالأفضل وليس الأسهل.

إنني أحب دائماً أن أقدّم الأفضل للمريض، والعمل بطريقة يستطيع معها التكيّف من جديد، لأن إبقاء الأنسجة حية أمر مهم جداً، إضافة إلى أنّ عملها معقد لكنه متناسق وبمنتهى الجمال، لذلك دائماً ما أسعى إلى تعليم الآخرين كيفية الحفاظ على هذا التناسق.

بالنسبة إلى الأعمال المستقبلية، أنا اليوم أدرس وأبحث في الهندسة الحيوية، لإيجاد صمام حي لا صناعي، ليكون قادراً على التكيّف مع البالغين وحتى الأطفال.

ما هي المادة التي تعملون على إنتاجها؟

نعمل على تحضير مواد معدّة على طريقة الألياف النانوية (Nanofiber) لجعلها تعمل بطريقة تفاعلية مع الخلايا، والهدف الحصول على تركيبة حيوية. وإذا ما نجح الأمر، فإنّ ذلك سيسعدني جداً، بالإضافة إلى العمل الذي قمت به عبر زراعة الأعضاء خصوصاً زراعة القلب والرئتين والصمامات. أحب أن أرى هذه الزراعة مطبقة في العالم العربي وفي مصر تحديداً، لكننا لن نستطيع إدخالها إلى العالم العربي إلا عبر سنّ قوانين الموت الدماغي لمساعدة الناس على التبرع بأعضاء المتوفين من أقاربهم، فالناس تريد مساعدة الآخرين، وهذا أمر مهم وجميل. إنّ ما يحزنني هو وجود العديد من الأشخاص ممن هم غير قادرين على دفع تكاليف هذا النوع من العمليات، فعلى الرغم من كل التقدم الذي أحرزناه، إلا أنه لا يصل منه سوى 20 في المئة فقط إلى شعوب العالم، في ما يعاني 80 في المئة منهم، وهذا تحديداً جوهر مشروعي في مدينة أسوان المصرية.



من خلال سلسلة الأمل؟

نعم، ومن خلال مستشفى أسوان ومركز أسوان للقلب، هذا المركز مولته مؤسسة مجدي يعقوب، التي أتاحت للشعب فرصة التبرع والمساعدة، لتقديم عناية على أعلى مستوى، ومعاملة الناس بمساواة ومن دون تفرقة، وإعطاء أولوية للأطفال.

هل تصنّف هذا المشروع في خانة العالمية؟

نعم، المشروع عالمي، نحن نحتضن 3,000 حالة في مركز أسوان للقلب، كما أننا نعمل على تدريب الشباب المصري الذي يطمح للعمل في هذا المجال.

تكلمت عن الصمام الحي وأنه أحد المشاريع التي يجري البحث عليها في مركز أسوان، في أي مرحلة أصبحتم؟

نحن الآن بتنا في مرحلة نستطيع فيها إصلاح أغلب الصمامات، وأعتقد أنّ الصمام الحي سيكون جاهزاً خلال 3 سنوات.

هل اختلفت حياتك قبل التقاعد وبعده؟ وهل صحيح أنك تستيقظ فجراً بشكل يومي؟

كلا، لم تتغير حياتي، بل بتّ أعمل بشكل مضاعف. ونعم، أنا أستيقظ يومياً الثالثة والنص فجراً، بحيث أستطيع القراءة وكتابة الأبحاث العلمية.

كيف تمضي يومك العادي؟ وهل تقرأ مستخدماً الوسائل المتطورة في المطالعة أم تفضّل الورقي؟

إنّ وقتي مقسّم بين أسوان ولندن، كما أنني أعطي بعض المحاضرات حول العالم. وبالنسبة إلى المطالعة، فإنني دائم الحاجة إلى الإنترنت.

هل تمارس الرياضة؟

نعم، أذهب 3 مرات أسبوعياً إلى حمام السباحة في ساعات الصباح الأولى، كما أمارس رياضة المشي لحوالي 10 كيلومترات يومياً، وعندما أكون في أسوان، أكون في المستشفى لأمرّن وأساعد المتدربين الشباب. وبالتالي، فإنني أعمل بشكل مضاعف بعد التقاعد.

ما سبب ذلك؟ وكم عدد ساعات عملك يومياً؟ وماذا عن العائلة؟

السبب هو تعدد المهام التي أقوم بها، بين التعليم، والدراسات والأبحاث والعمليات الجراحية، حيث أعمل بين 12 و14 ساعة على الأقل. أما عائلتي فقد كبرت الآن، فقدت زوجتي قبل 5 أعوام، كانت ألمانية ولكن أبنائي موجودين في لندن وسنغافورة وأميركا وأقوم بزيارتهم.

متى تنام؟

أنام الساعة الحادية عشرة مساء وأستيقظ الرابعة فجراً.

هل يكفيك هذا القدر؟

أجل، يكفيني، إضافة إلى قيلولة قصيرة خلال النهار.

هل هذا صحي؟

الأمر يختلف بحسب الشخص وأوقاته ولكن القيلولة القصيرة مهمة بالنسبة إلي.

تحدثت عن القلب بشاعرية، وبارتباطه بالإيمان والحب، هل هذا صحيح علمياً؟

من دون شك، لأن القلب والعقل من أفضل الأعضاء التي نملكها، وهما يعملان سوياً ويتفاعلان، فالقلب يؤثر على العقل، ليس فقط يعطيه الدم والغذاء، ولو طلب العقل أكثر لأعطاه، كما أنّ هنالك إفرازات من القلب إلى العقل، والعكس، وهما يعملان بطريقة شاعرية في ما بينهما. القلب لديه 100 مليون جزيئية تعمل مع بعضها في صمت وتناسق تامين. لذلك، فإنني تعلمت من القلب العمل بصمت وانتظام وأن أساعد.

أنا اليوم أعيش مع حلم مركز أسوان الطبي، وهذا الحلم الذي أعيش لأجله هدفه أن أقدمه لبلدي مصر ولشعبي الذي عانى كثيراً.



هل تعتقد أنه على الإنسان أن يعمل أكثر بعد تقاعده؟

نعم، كنت مقتنعاً بذلك قبل التقاعد، واليوم، بتّ أكثر ثقة بهذا الأمر، إذ باتت حياتي كلها تدور حول مشاريع تساعد الناس ممن هم بحاجة إلى المساعدة.

دعنا نتحدث عن عملك كمدير، ما هي معاييرك لإدارة الفريق الناجح؟ سواء في غرفة العمليات أم في التدريب. 

إنّ بناء فريق العمل يعد الجهد الأساسي في عملنا، إذ لا أحد يحقق شيء وحده، بل يجب أن يكون محاطاً بفريق متناسق يؤمن بالقيم والمعايير والرسالة التي نؤمن بها.

هل تسمح لأحد الأطباء الماهرين بالعمل ضمن فريقك، حتى لو لم يكن مؤمناً بالقيم التي تؤمن بها؟

لا أطلب من المتدربين أن يعلموا كل شيء، إنما المهم بالنسبة إلي كيفية معاملة المرضى باحتراف، لأننا نخدم سيدان في عملنا: المريض والعلم.

ما هي معاييرك لاتخاذ القرار في اللحظات الحرجة؟

معاييري الأهم تبدأ من التركيز في غرف العمليات، قبل العملية نخطط مع الفريق، نناقش لساعتين ما علينا القيام به، ونراجع كل دليل مرتبط بالمريض. في النهاية القرار لي، لكني أنسق وأناقش مع الفريق لإيجاد أفضل طريقة للعلاج. وعندما ندخل غرفة العمليات أحب الصمت التام والاستماع للموسيقى الكلاسيكية كموسيقى "باخ".

هل يمكن أن يأتيك رأي من أحد المتدربين وتأخذه بعين الاعتبار؟

أنا استمع إلى أصغر الأعضاء في الفريق وأحترمه.

المعروف أنّ أخطاءنا خلال تجاربنا الحياتية، هي أمر نتعلم منه، لكن كيف تقيّم الخطأ في العمليات الجراحية؟

الأخطاء طبيعية خلال العمليات، إنما علينا دائماً الاعتراف بها، والتخفيف من آثارها ومعالجتها. والأهمية الكبرى تكمن في أن نحاول دائماً تجنّب الأخطاء الصغيرة والبسيطة التي يمكن أن تؤدي إلى الكوارث.

هل تتقبل الخطأ الطبي؟

أتقبله نعم، ولكن أرى ضرورة في السعي الدائم للحد منه، والتعلم من التجارب والأخطاء السابقة.

إذا اعتبرنا أنّ جسم الإنسان هو الشركة، فماذا عن دور القلب؟

أعتقد أن القلب هو الخزانة التي نستخرج منها المال والثروة، القلب هو وزارة المالية والطاقة في الوقت نفسه، هو مصدر الثروة ومولد الطاقة أيضاً.

لو أتيحت لك الفرصة بالعودة بالزمن إلى الوراء، هل كنت ستغير شيئاً في عملك ونمط حياتك؟

كنت أفضّل أن أكون فلّاحاً، لأنني أحب علوم الأحياء وأحب مراقبة تغيراتها. الآن أنا أزرع نباتات في محاولة للتعويض.

ما هو سبب دخولك إلى عالم الطب؟ 

ألهمني والدي الذي كان طبيباُ أيضاً، وحين توفيت عمّتي بسبب مرض القلب، قررت أن أدرس جراحة القلب وكان عمري حينها أربع أو خمس سنوات.

هل لديك نصائح وعادات تنصح بها؟

أنصح بممارسة الرياضة بشكل دائم، وعدم تناول اللحوم الحمراء والزيوت، وعدم التدخين، وتجنب ارتفاع الضغط.

كيف يمكن تخفيض المشاكل التي يعاني منها الناس في عملهم؟

إنّ العمل بشكل مستمر والقيام بمجهود كبير لا يقتل الإنسان، لكن يجب الحذر من الاكتئاب المصاحب للعمل المضني.

بالنسبة إلى الضغط، فإنني أنصح دائماً بالابتعاد عن تناول الملح وممارسة الرياضة، وتناول الأدوية اللازمة في حال الإصابة بالضغط.
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!