تابعنا على لينكد إن

على الرغم من صعوبة تحديد زمن بداية المشكلة التي تواجه الولايات المتحدة بشأن قصور المهارات؛ إلا أنّ هناك مؤشراً معترف به على نحو واسع كشف في العام 1983 عن وجود أزمة تتشكل في صمت، ورافق ذلك الإعلان عن تقرير غير مسبوق صادر عن الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان يقول: “الأمة في خطر: هناك ضرورة للقيام بإصلاح تربوي“، وخلص هذا التقرير إلى أنّ الولايات المتحدة “كانت تتفوق سابقاً في قطاعات التجارة والصناعة والعلوم والابتكار التكنولوجي، والآن حلّ محلها منافسين من شتى أنحاء العالم”.

وأوضح التقرير: “غايتنا هي تطوير مواهب الجميع وعلى أكمل وجه”.

لكن لسوء الحظ، لم يتم تحقيق هذه الغاية، أي أنّ المواهب لا يتم تطويرها بالنحو الذي أراده ريغان، وما زالت العديد من القطاعات في أميركا تواجه قصوراً شديداً في المهارات.

وعلى الرغم من أنّ معدل البطالة اليوم هو أقل مما كان عليه لأكثر من 15 عاماً، فإنّ 6.7 مليون أميركي ما يزالون عاطلين عن العمل، وغيرهم الكثير الذبين يمكن اعتبارهم شبه عاطلين بسبب الأجور المتدنية للوظائف التي يشغلونها. في الوقت نفسه، ووفقاً لوزارة العمل الأميركية، هناك حالياً نحو 6.3 مليون وظيفة شاغرة، وتواجه الشركات صعوبات كبيرة للعثور على المواهب المناسبة لملء هذه الشواغر.

وفي حين أنّ العديد من هذه الوظائف هي وظائف ذات أجور منخفضة، فإنّ الكثير غيرها على عكس ذلك، والسؤال الذي يُطرح هنا: ما الذي يمكن فعله لموائمة العاطلين عن العمل مع الشركات التي توفر وظائف جيدة؟ وكيف يمكن للشركات المساهمة في معالجة قصور المهارات الموجودة لديها لتبقى قادرة على المنافسة في المستقبل؟

إنّ أحد أكثر الأساليب التي أثبتت نجاحاً في السنوات الأخيرة هو أسلوب الشراكات الهادفة بين قطاعي الأعمال والتعليم. ولتسهيل نجاح هذه العملية، تبدأ الشركات بتقييم احتياجاتها من رؤوس الأموال البشرية ومتطلبات العمل، ثم تتعاون مع المعاهد والكليات والجامعات لخلق عمال بالمهارات المطلوبة.

ويمكننا أن نجد مثالاً جيداً على تطبيق هذه الشراكة في شرقي جنوب مقاطعة داكوتا، إذ أقام معهد ليك إريا التقني (LATI) شراكات مع العشرات من الشركات المحلية. ويقدم هذا المعهد، الحائز على جائزة أسبن لأفضل معهد متوسط (وهي جائزة مرموقة تمنحها مؤسسة أسبن)، قرابة 30 برنامجاً، ومدة كل واحد منها عامين، وذلك لطلابه البالغ عددهم أكثر من 2,000 طالب، كما ويتضمن برامجاً مخصصة لما يناسب المعايير المحددة من قبل الشركة. على سبيل المثال، يقدم المعهد منهجاً تعليمياً مصمماً ليطابق معايير مصنع محلي للمستلزمات الطبية والمنتجات التي تحافظ على السلامة الغذائية، ويتضمن العديد من المقررات الدراسية في الأجهزة الإلكترونية، وأعمال اللحام، والتصنيع الرشيق، وعزم الدوران، وأجهزة التحكم المنطقي المؤتمتة والقابلة للبرمجة، وضبط تشغيل الآلات الدقيق، والإدارة.

يقول رئيس المعهد مايك كارتني في مقابلة أجريناها معه: “على الرغم من أنّ تركيزنا يصب على الطلاب، إلا أننا أيضاً نمثل مؤسسة لديها مسؤوليات تجاه المجتمع والقطاع بشكل عام، هذا يعني أننا نأخذ نماذجاً للعمل على أساسها، ونحدد أهدافاً، ونضع معايير أداء على أساس احتياجات مجتمعنا المحيط. هناك أكثر من 300 شركة نعمل معها؛ نتشاور معاً لوضع المناهج التعليمية وتقوم هذه الشركات بالإشراف عليها، وتوفر التدريب الداخلي، والوسائل والتجهيزات اللازمة؛ والأهم من ذلك، تقوم الشركات بتوجيه وتوظيف طلابنا. بعبارة بسيطة، إنهم يستثمرون ويتشاركون إلى حد كبير مع هذه الكوادر”.

ويتضح نجاح معهد ليك إريا التقني من خلال الأرقام: فإنّ 74% من الطلاب المستجدين وبدوام كامل، يتخرجون أو يتحولون إلى كلية أو جامعة خلال ثلاثة أعوام (مقارنة بـ39% من طلاب المعاهد المتوسطة على مستوى الولايات المتحدة)، و99% منهم يعملون بعد التخرج. كما أنّ خريجي هذا المعهد يحصلون على متوسط ​​دخل أعلى عندما يبدأون العمل (بنسبة أعلى بـ27% من نظرائهم الجدد في المنطقة).

بالإضافة إلى البرامج الأخرى المشابهة لمعهد ليك إريا، هناك أنواع أخرى من مبادرات الشراكة بين عالم الأعمال والتعليم، والتي تركز على كل شيء من الزراعة إلى الأمن السيبراني. تقدم شركة جوجل على سبيل المثال التمويل وساعات عمل تطوعي وأمور أخرى إلى أكاديمية خان، التي تقدم بدورها سلسلة واسعة من الدورات التدريبية عبر الإنترنت. وقالت لنا المتحدثة الرسمية باسم شركة جوجل إيمي أتلس، أنّ هذه الدورات متاحة للجميع مجاناً، وتم حضورها من قبل العديد من “موظفي جوجل” أنفسهم.

قامت شركة آي تي اند تي (AT&T)، والتي لديها مكاتب في مدينة أتلانتا الأميركية، بتقديم مليون دولار خلال العام الماضي للمساهمة في تمويل برنامج ماجستير في التحليل عبر الإنترنت في كلية جورجيا التقنية (Georgia Tech). (ملاحظة: هذا ما فعلته أيضاً شركة أكسنتشر Accenture الراعية لمركز هارفارد بزنس ريفيو إنسايت). وقال لنا نيلسون بيكر، عميد الكلية المهنية، إنّ هذا مثال واحد على المبادرات العديدة التي قامت بها مثل هذه الشركات مع الكلية.

وقال: “لدينا حقاً علاقات امتدت لعقود من الزمن مع شركات مختلفة. في الواقع، انخرطت كلية جورجيا التقنية في شراكاتها مع قطاع الأعمال لأكثر من 100 عام. لقد تأسست الكلية في العام 1885 للعمل مع القطاع، وهذا ما يزال يمثل مهمة كلية جورجيا التقنية الأساسية”.

ومن الأمثلة الأخرى على الشراكة بين قطاعي الأعمال والتعليم هي شركة شاير (Shire)، التي تعمل في مجال التكنولوجيا الحيوية، والتي مقر أعمالها الرئيسي في مدينة ليكسنغتون بولاية ماساتشوستس الأميركية، والتي كانت تعمل مع كلية كوينسي (Quincy College) على مدى بضعة أعوام. وبالإضافة إلى توفيرها للدعم المالي، فإنها تتبرع بالتجهيزات واللوازم.

وقال بروس فان دايك، رئيس برنامج كوينسي للتكنولوجيا الحيوية وممارسات التصنيع الجيدة، في مقابلة أجريناها معه مؤخراً: “استجابة لاحتياجات القطاع، نقوم معاً بخلق كوادر مختصة من المهنيين المؤهلين للعمل في مجال التصنيع الحيوي. ولا يتم توظيف الخريجين لدينا من قبل شركة شاير فقط، والتي يعمل معها اليوم حوالي 15 خريجاً من الكلية، بل أيضاً تعمل شركات تكنولوجيا حيوية أخرى في المنطقة على توظيفهم. كما أننا نقدم تدريباً متخصصاً لأولئك الذين يعملون أصلاً في هذا المجال”.

بالإضافة إلى مثل هذه المبادرات، يمكن للشركات المساهمة في سد فجوة قصور المهارات بطرق أخرى: مثل دعم القوانين والسياسات التي تتيح إمكانية وصول أكبر إلى التعليم، وتقديم النصح حول أفضل ممارسات الإدارة، والعمل مع المجالس الاستشارية للكليات والجامعات.

ويمكنها أيضاً تقديم المزيد من التمويل لأجل تنمية القطاع وتوفير أية معدات يجب على الطلاب التدرّب عليها، ونذكر ما قاله جوش وينر، نائب رئيس مؤسسة أسبن: “هذا مهم جداً في القطاعات سريعة النمو مثل تكنولوجيا المعلومات والهندسة والرعاية الصحية. وما يحتاجه الطلاب هو اكتساب مهارات الغد، وليس مهارات الأمس”.

يمكن أن تستفيد جميع الأطراف من خلال تطبيق هذه الإجراءات وغيرها، وليس على مستوى الشركات والموظفين الأفراد فقط، بل أيضاً على مستوى المجتمعات والدولة كاملة. وإذا أرادت الشركات الأميركية المنافسة في المستقبل، فيجب أن تكون سباقة بشأن تدريب القوى العاملة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن استراتيجية

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz