أغضب مجلس إدارة بنك جي بي مورغان تشيس العالم بإعلانه المقتضب عن أنّ الرئيس التنفيذي للبنك جيمي ديمون سيتلقى زيادة كبيرة على تعويضاته، إذ سيحصل على دفعة سنوية تبلغ 20 مليون دولار عن العام 2013، بعد أن كان قد قبض 11.5 مليون دولار في العام 2012، أي ما يشكل زيادة تبلغ 74%.

ولم يكن مفاجئاً أن تتسبب هذه الأنباء بردود أفعال قوية، تراوحت بين الانتقاد اللاذع والتبرير والدعم. فمن الواضح أنّ الزيادة التي حصل عليها ديمون لها وقع خاص لأن المصاعب القانونية لبنك جي بي مورغان كانت في صدارة قصص الشركات العام الماضي بعد أن وافق البنك على سداد مبلغ وقدره 20 مليار دولار لتسوية مجموعة مختلفة من القضايا التي تخصّ سلوكه كمصرف منذ العام 2005 عندما تولّى ديمون منصب الرئيس التنفيذي. لكن السؤال الجوهري الذي يتم التغاضي عنه يتعلق بالثقافة والمساءلة – أي ما إذا كان رئيس تنفيذي يشغل منصبه منذ فترة طويلة مسؤولاً عن ثقافة مؤسسية أنتجت تحقيقات رئيسية من قبل السلطات الناظمة فضلاً عن تسويات تشمل مجموعة واسعة من القضايا القانونية، على الرغم من أنّ أداء البنك خلافاً لذلك كان جيداً من الناحية التجارية.

فوفقاً للتقارير الإخبارية، كان هناك اختلاف في الآراء بين صفوف أعضاء مجلس الإدارة حول ما إذا كان ديمون يجب أن يحصل على زيادة كبيرة على تعويضاته، أم أنّ هذه التعويضات كان يجب أن تظل مساوية لتلك التي حصل عليها عن العام 2012، والتي كانت بحد ذاتها تشكل زيادة هائلة مقارنة مع العام 2011 (بنسبة 50% تقريباً)، نتيجة الخسائر والمخالفات المرتبطة بتداول المشتقات المالية لما سمي "حوت لندن". وعلى الشاكلة نفسها، انقسم المراقبون في آرائهم حول ما إذا كانت الزيادة مستحقة أم لا، مستشهدين بالأداء الاقتصادي (ظل الأداء خلال العام 2013 هو ذاته كما كان في 2012)، والطريقة التي تناول بها ديمون مختلف القضايا القانونية والتنظيمية.

أما جذر المشكلة فيكمن في أنّ مجلس الإدارة قد أخفق في تقديم تفسير واضح لسبب إقدامه على اتخاذ هذا القرار المهم والرفيع بخصوص مسألة جوهرية تتمثل في دفع مكافأة مقابل الأداء.

ثمة من يورد حججاً تقول بأنّ ديمون قد وضع جي بي مورغان على مسار يؤهله لتحقيق نمو قوي مستقبلاً، مع افتراض تعرضه لمشاكل قانونية أقل. وبموجب هذا التبرير، فإنه استحق زيادة تعيده ببساطة إلى موضع قريب مما كان عليه في العام 2011 قبل أن تخفّض تعويضاته لعام 2012، وهو التخفيض الذي برره مجلس الإدارة حرفياً بأنه ناجم عن "مسؤوليته النهائية" عن فضيحة "حوت لندن" التي بلغت قيمتها 6 مليارات دولار.

أما من يقدمون حججاً ترفض الزيادة فإنهم يبدؤون وينتهون عند الثقافة المؤسسية لبنك جي بي مورغان، وهي بدورها تقع ضمن المسؤولية النهائية لديمون. فالمجموعة الواسعة من القضايا التي اضطر جي بي مورغان إلى دفع تسويات مقابلها بمليارات الدولارات حصلت كلها تحت ناظري ديمون. وباستثناء القضايا الموروثة المرتبطة بالممارسات السيئة في "واشنطن ميوتشوال" و"بير ستيرنز"، فإنّ القضايا كافة كان لها علاقة بموظفي جي بي مورغان. وشملت سلوكاً أساسياً سيئاً: التواطؤ، والإفصاح غير الكافي، وغسيل الأموال، والسلوك المسيء تجاه المدينين، واللامبالاة إزاء الإشارات التحذيرية على وجود احتيال واسع النطاق. وظهرت في أجزاء مختلفة من البنك، وليس فقط ضمن قسم وحيد غير فعال.

ولنكن واضحين، فإنّ المطالبة بعدم حصول الزيادة في التعويضات لا تعني المطالبة بعدم الاحتفاظ بجيمي ديمون في منصبه كرئيس تنفيذي لجي بي مورغان تشيس (أو المطالبة باستبعاده من منصب الرئيس). فعلى الرغم من هذا الإخفاق الرئيسي في الثقافة المؤسسية، إلا أنه وبكل وضوح رئيس تنفيذي موهوب للغاية في جوانب أخرى عديدة. بيد أنّ مجلس الإدارة يتعيّن عليه الاعتراف بأولوية الثقافة المؤسسية وأن يقرر أنه في السنة التي انكشفت فيها نقاط ضعف الثقافة بأسلوب فاقع، فإنّ إعادة تعويضات ديمون إلى مستواها السابق تبعث برسالة خاطئة.

كان ينبغي على مجلس الإدارة أن يبين أسبابه بحذر أكبر وبصورة كاملة بخصوص قضية تحظى بهذا القدر من الأهمية. فإذا ما كان مجلس الإدارة يعتقد حقاً بمركزية الثقافة المؤسسية، وبأنّ الرئيس التنفيذي خاضع للمساءلة عن إيجاد تلك الثقافة وإدامتها، يتعين عليه في تلك الحالة أن يقدّم الأمر على هذا النحو. وينبغي على مجلس الإدارة أن يصرح وبكل جلاء بأن تصرفات ديمون وأفعاله وكلماته لها نتائجها الفارقة؛ وبأنّ أحد الأسباب الرئيسية لزيادة الراتب هو هذه العملية القائمة على المواجهة الصريحة للقضايا والعمل الإيجابي على تغيير المصادر، والأنظمة، العمليات، بغية تغيير الثقافة في نهاية المطاف.
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!