تابعنا على لينكد إن

هل بإمكان شركة كبيرة قائمة منذ زمن طويل العودة للعمل كشركة ناشئة مرنة؟ باعتقادي، الجواب هو “نعم”، ولكن يعتمد النجاح في ذلك بنسبة كبيرة على سؤال آخر: هل يمكن ألا يعيق فريق المدراء ذلك؟

يتضمن العمل كشركة ناشئة مرنة امتلاكها السرعة ووجود رسالة محددة بدقة وفهم عميق للزبائن. تسمح هذه الميزات لأية شركة أن توجد الاستراتيجية المناسبة دوماً وتنفيذها بسهولة، بالإضافة إلى إجراء تغييرات حاسمة عليها عندما تتغير الظروف.

لا تعمل الشركات الكبيرة، ولا قادتها، بهذه الطريقة عادة. لأن المؤسسات المعقدة التي بنيناها للاستفادة من مزايا الحجم تبطئ حركتنا وتجعل ردود أفعالنا بليدة. وتكتم المشاكل والعمليات الداخلية صوت الزبون، كما تجزء المناورات السياسية بين الأقسام روح رسالة الشركة. فنجد الكثير من التخطيط والقليل من العمل.

تتمكن الشركات من إيجاد الطاقة الثورية للشركة الناشئة عندما تؤكد القيادة على أمرين. أولهما هو الوضوح: إذا سألت القادة عن ماهية رسالتهم سيكون بإمكانهم إجابتك بجملة واحدة واستخدام ثلاثة أو أربعة أصابع لعد الإمكانات المميزة التي تضمن تنفيذها. أما الأمر الثاني فهو التركيز: عندما يبدؤون العمل وفق استراتيجية جريئة، يقومون باختيار المعارك المحددة التي يجب عليهم الفوز بها ثم يقومون بتصميم المبادرات لمهاجمة نقاط الفشل المحتملة، التي هي المشاكل الحاسمة التي تعيق النجاح.

نطلق في شركة باين (Bain) على هذه المبادرات اسم “المعارك متناهية الصغر”، ونعتقد أنها أداة قوية لصد التعقيدات التي تبطئ حركة الشركات عند محاولتها تطبيق استراتيجياتها. وعلى الرغم من أنّ هذه المبادرات تبدو كجزء من الإدارة التفصيلية إلا أنها في الحقيقة معاكسة لها تماماً. إذ يعمل قادة هذه الشركات بلا هوادة لتوجيه تركيز الشركة على أكبر التحديات المحتملة لاستراتيجيتهم، إلا أنهم يفوضون فرقاً صغيرة متعددة المهام مؤلفة من أخصائيين من جميع أنحاء الشركة لحلّها. مما يدفع العمل أكثر باتجاه الزبون، ويزيد السرعة وتبدأ عادات الشركة السيئة التي تراكمت عبر الزمن بالانكسار.

تعتمد فرق المعارك متناهية الصغر على أساليب مرنة في العمل لتحقيق مهمات مركزة بدقة دون الإطاحة بأولويات الأقسام. وهي مخولة باتخاذ قرارات فورية بدلاً من طلب الموافقات بالتسلسل الإداري. ويكون هدفهم دائماً هو إيجاد نموذج أولي أساسي أو “حد أدنى من منتج قابل للاستمرار” لطرحه أمام الزبائن بأسرع وقت. ويمكن لهذه الفرق اختبار هذا المنتج والتعلم منه واقتراح نموذج أولي جديد في حلقات متكررة سريعة بناء على بيانات الزبائن الواقعية.

يمكن القول أنّ المعارك متناهية الصغر هي استخدام حلقات الاختبار والتعلم هذه وذلك من أجل الابتكار، عن طريق تطوير منتجات جديدة وفتح أسواق جديدة واكتشاف طرق أفضل لتنفيذ الأمور. كما أنها تسلط أضواء ذات قيمة كبيرة على سلوكيات الشركة والعادات الثقافية والإجراءات المعقدة التي تحد من الإبداع. ويُعتبر الهدف الأول لفريق المعارك متناهية الصغر هو بناء نموذج ناجح يشمل التعلم بنوعيه. ولكن يمكن أن يبدأ الحل بالتغيير ليصبح حلاً تحويلياً إن استطاع الفريق جعل ذاك النموذج قالباً قابلاً للتكرار يمكن تمريره على كامل أقسام المؤسسة.

وبالطبع لا يمكن للعديد من القادة الكبار الوثوق بهذه الفرق في حمل مسؤولية كهذه. فقد تم تدريب العديد من القادة على عدم الوثوق بالفرق المحيطة بهم. ويقتضي أسلوبهم الأساسي التفكير بالاحتمالات الأخرى والتحدي وافتراض أنّ آراءهم أفضل. وبدلاً من إيجاد الحلول للمشاكل المحددة، يندفعون نحو إيجاد حلول ذات نطاق أوسع، ما يزيد من حجم المشاكل.

وحتى القادة الذين يتبنون مفهوم المعارك متناهية الصغر يجدون صعوبة في التخلي عن العادات القديمة. على سبيل المثال، أطلق رئيس تنفيذي لشركة لوجستية عالمية سلسلة من المعارك متناهية الصغر في خطوة جريئة لإنعاش شركة متعبة وتطبيق استراتيجية جديدة. إذ حشدت الشركة لأجل هذه المعارك 20 من أفضل موظفيها النجوم وأطلقت أيديهم للبدء ببناء نماذج أولية. وعندما اجتمعت الفرق مع كبار الإداريين بعد شهر للتحدث عن سير العمل، حضر الرئيس التنفيذي متأخراً وكان التشتت باد عليه بوضوح. عادة، تكون هذه فرصة ذهبية لتقديم نصائح توجيهية جديدة ورفع معنويات الفريق. ولكن لم يكن ذلك ما حدث. بل قام الرئيس التنفيذي بطرح سؤال: “إذاً، من صاحب هذه الفكرة؟”.

أجاب أحد القادة المحبطين لفرق المعارك: “في الحقيقة، إنها فكرتك أنت. لقد طلبت مني منذ 3 أسابيع أن أقود ما قلت أنه أحد أهمّ أولوياتك”.

يُعتبر تغيير عادات القيادة بهذه الطريقة جزءاً هاماً لإنجاح المعارك متناهية الصغر. ويعني قلب طريقة العمل النمطية للشركة الضخمة رأساً على عقب. وبدلاً من إنشاء حلول مركزية على صعيد الشركة ومن ثم توزيعها على أقسام المؤسسة، يعتمد القادة على الفرق المؤلفة من الموظفين النجوم في الخطوط الأمامية لإيجاد حلول تصلح للمشاكل على أرض الواقع ومن ثم يساعدونهم عن طريق إفساح المجال لتطبيقها بصورة أوسع على صعيد الشركة. يُعد القادة الاستراتيجيات ويتخذون القرارات الصعبة بشأن اختيار المعارك الصغيرة التي سيمولونها ومستواها. ولكن يكمن دورهم الأهم في التوجيه والإرشاد والتغلب على العراقيل التنظيمية الحتمية ضمن الشركات الكبيرة والتي لاشك ستعيق التقدم. وهذا الأمر بالتحديد يتطلب مرحلة يتم فيها تغيير السلوكيات في الوقت الذي يقوم القادة فيه بالتوجه نحو دفع صنع القرارات باتجاه نقاط أقرب من الخطوط الأمامية. وإذا أعد القادة المسار الصحيح وأوفدوا الأشخاص المناسبين، ينبغي حينها أن يثقوا بسهولة أنّ فرقهم ستتمكن من تحقيق الأهداف.

تعرف الشركات التي تتصرف كشركات ناشئة ثورية أكثر من أي شيء آخر كيفية إنجاز الأمور. فهي شديدة التنبه لما يريده الزبائن وتسعى بلا هوادة لتحقيقه بسرعة. وتكون أكثر المعارك الصغيرة كفاءة معدّة كنماذج مصغرة عما تريد لشركتك أن تكون عليه: شركة سريعة الحركة مدفوعة باستراتيجيتها وتتمتع بطاقة ثوريّة. وإذا أُتيحت الفرصة لتلك الطاقة ستنمو وتنتشر عبر أي مؤسسة كبيرة، ولكن سيكون التحدي الأكبر للقيادة عندئذ في إفساح المجال لها والسماح بتحقيق ذلك.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz