تابعنا على لينكد إن

ونحن نمضي في حياتنا سنجد أننا نغلق أبواباً يصعب أن يُعاد فتحها. قد نكون خذلنا صديقاً في لحظة ما، أو انقطعنا عن رفيق عزيز لفترة طويلة. ولكن بعض هذه الأبواب قد لا يكون موصداً تماماً، والتحدي الذي نواجهه هو معرفة إن كان لهذه الأبواب مفاتيح يمكن العثور عليها. لكن إذا افترضنا أنّ الباب المغلق لن يفتح أبداً، فإنّنا نسجن أنفسنا بأيدينا، ونقيد أنفسنا بالخوف والفشل.

وهذه هي الحال في ما يتعلق بالعديد من القرارات على المستوى المهني. فمع التغيّر السريع الحاصل في حياتنا وفي أسواق العمل تُصبح القرارات الماضية التي اتخذناها بشأن الوظيفة بالية أو حتى خطيرة على حياتنا. ويصحّ هذا الأمر حتى لو كانت تلك القرارات مبنية على تفكير متأن وكانت فعالة وقت اتخاذها في الماضي. ولكن علينا ألا نسمح لأنفسنا بأن نبقى عالقين بقرارات يمكن التراجع عنها في حال أردنا ذلك.

أول خطوة عليك أن تخطوها هي أن تقرر شكل الحياة الجديدة التي ستقدم عليها. فأنت تملك الخبرة في الوظيفة الأولى التي سلكتها، ولابدّ أنّ لديك فكرة الآن عما تستمتع بعمله وما الجديد الذي يمكن أن تتعلّم القيام به. ولكن كن حذراً. فحتى لو كنت ترغب في تغيير وظيفتك لتحسين دخلك، فما زال يلزمك أن تجد الوظيفة التي تستمتع بها على الأقل أو تجد شغفك فيها. والسبب واضح: لديك وقت أقل لتحقيق النجاح في الوظيفة الثانية، ولذلك يلزمك أن تحقق سمعة جيدة في وقت قصير. وهذا لن يكون ممكناً إلا إذا قدمت حلولاً مبتكرة لمشاكل أساسية. فإن لم يكن لديك اهتمام بنوعية المشكلات التي تطرأ في عملك الجديد، ستكون فرصتك في تقديم أفكار جيدة محدودة.

أضف إلى ذلك أنّ الانتقال من وظيفة إلى أخرى يتطلب قدراً كبيراً من الالتزام والاجتهاد، ولن تكون لديك القدرة على امتلاك الطاقة اللازمة لذلك إن كنت تعمل في مجال بعيد عن اهتمامك. إذاً، لم تحكم على نفسك بالفشل؟

من المؤسف أنّ أولئك الذين يتحدثون عن مستقبل بديل في مجال اهتمامهم يقعون أيضاً في خطأ مباشر. وبدل أن يفكروا بكافة الاحتمالات والفرص المختلفة، يتسرعون مخطئين بتجاهل العديد منها. صحيح أنّه من غير المتوقع عادة أن تستطيع التحوّل من محاسب إلى طبيب جرّاح في سن الأربعين، ولكن يمكن أن تتحوّل من باحث في مجال الكيمياء إلى طبيب عام. وهذا أيضاً يكون صعب المنال، ولكنه يبقى ممكناً إن تقدّمت للدراسة في الكلية الطبية المناسبة وكان لديك شريك يدعمك. وأنا أعرف أمثلة مثل هذه تكللت بالنجاح.

يلزمك بطبيعة الحال أن تُجري بحثاً دقيقاً وشاملاً قبل الإقدام على خطوة على هذه الشاكلة. فإن كنت مثلاً تريد متابعة تعليمك، فإنّ هنالك نطاقاً واسعاً من البرامج التي ترحّب بالطلبة الأكبر سناً وتوفر مكاناً لهم، على المستوى الأكاديمي والمهني. أما في ما يتعلق بتغيير الوظيفة الذي لا يتطلب الحصول على درجة أكاديمية أو شهادة مختصة، يمكنك هنا أن تكثّف قراءتك في هذا المجال إلى أن تحقق الكفاءة المطلوبة للدخول فيه. ويتوجب عليك خلال ذلك أن تستكشف الجوانب التي تتيح لك أن تتميز وتستفيد من هذا التميز.

هنالك حقاً الكثير من السبل التي يمكن أن تسلكها لتغيير مسارك المهني، وهي كثيرة لدرجة أنه يصعب إحصاؤها كلها، والعديد من هذه السبل ظرفية. إذ تؤدي بعض الوظائف عند بعض أصحاب العمل إلى مسيرة مهنية مختلفة لحد كبير. فالذي يعمل في الدعم التقني يصبح موظّف تسويق، وموظف التسويق يتحوّل إلى مسؤول مصادر بشرية، والمدير في الشؤون الإدارية يصبح مسؤولاً عن العملاء، ومسؤول التواصل مع العملاء ينتقل للعمل الإداري، وهكذا. ولكن الأمر يتطلب خطة مفصلة خطوة بخطوة. وإذا وجدت أنك لا تستطيع فعل ذلك في المؤسسة التي تعمل بها، يتوجب عليك التفكير في تغييرها.

وفي حال واجهت أي عائق كان، يتوجب عليك البحث عن طريقة لتفاديه. لا يمكن التوصل إلى حل جذري لكل مشكلة، ولكن العديد من المشاكل يهون أمام الإصرار على حلها. من الضروري كذلك ألا تقع ضحية التصنيفات التقليدية. افترض مثلاً أنك تريد أن تصبح مهندساً معمارياً، ولكن تعرف أنك تحتاج إلى سنوات للحصول على شهادة إضافية في هذا المجال. فبدل الهندسة المعمارية يمكن أن تصبح استشارياً في مجال العمارة، يقدم الاستشارات للعملاء ويساعدهم في تقديم التعليمات المطلوبة للمهندس المعماري المعتمد. فأنت هكذا تصمّم الأبنية وإن كنت لا تحمل لقب المهندس المعماري.

يبدو بالنسبة للعديد من الأشخاص من مختلف التوجهات أنّ مجال الاستشارات هو القاعدة الأكثر أمناً في المسيرة المهنية الثانية. أنت في حقيقة الأمر لا تكذب بشأن مؤهلاتك، ولست في حاجة للكذب أصلاً. أنت تبيع جودة الأفكار التي لديك، رأس مالك الحقيقي. ويمكنك أن تعمل كاستشاري بشكل حر دون الانتماء لمؤسسة ما، ولكن إن كنت حقاً قادراً على حل المشاكل بطريقة مبتكرة فستجد فرصة للعمل. وسواء كانت هذه مهنتك الأولى أو الثانية، فإنّ هذه هي المهارة الأساسية التي يلزمك امتلاكها.

في المقابل، تجد أنّ كثيراً من الأشخاص الذين يحاولون التعرف على خياراتهم في حياة مهنية جديدة يرتكبون خطأ من نوع مختلف. إذ يعتقد هؤلاء الأشخاص أنّ عليهم إجراء تحليل التكلفة والمنفعة لمعرفة إن كان الأمر “يستحق” تغيير المسيرة المهنية في تلك المرحلة من حياتهم، وذلك بسبب أنهم يبدؤون في وقت متأخر. وهذا سؤال منطقي لابدّ في الحقيقة أن يُسأل، ولكن بشرط الإجابة عنه بالطريقة السليمة. فإنّ كنت تنظر إلى التكاليف والمنافع المالية وحسب، سيكون تحليلك مغلوطاً، لأنّ عليك أن تأخذ بالاعتبار المنافع المعنوية كاعتزازك بعملك، والتطور على المستوى الشخصي، ومستوى التوتر، وفرص النمو والتفاعل الاجتماعي. ولابدّ كذلك من اعتبار عنصر السعادة أيضاً في هذا التحليل.

ستحتاج إلى قدر من الشجاعة للتعامل مع الظروف الجديدة المتقلبة التي تنتظرك وراء الأبواب الجديدة التي تطرقها، كما ستحتاج إلى الحنكة للعثور على المفتاح الصحيح. إنّ الإقدام على تغيير بهذا الحجم لا يمكن أن يوصف بأنّه أمر سهل، ولكنه حتماً يستحق المغامرة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz