على الرغم من كل حالة عدم اليقين والقلق التي نجدها في عناوين الأخبار اليوم، لكن لازال  العالم أفضل حالاً بكثير مما كان عليه في أي وقت مضى. ففي الأسواق الناشئة، خرج مليارات الناس من ربقة الفقر الشديد. وفي العالم المتقدم، بتنا نتمتع بأدوية أفضل وبقدرة أكبر على الاتصال بالإنترنت، وعلى الحركة والتنقل بوتيرة لم يكن أحدنا يتخيلها قبل 20 عاماً. وأصبح الوعد بتحقيق تقدم عالمي واقعاً بالنسبة للكثيرين منّا، ولكن ليس بالنسبة للجميع.

لكن يتعرض الخطاب الذي نستعمله للحديث عن التقدم، والذي يدعو ضمنياً إلى تبنّي التغيير في مقابل الحصول على المكاسب إلى تشكيك متزايد من المجموعات المهمشة اقتصادياً ومن السياسيين الشعبويين في أنحاء العالم. واستند هذا الخطاب إلى ثلاث فرضيات: الفرضية الأولى هي أنّ العولمة تعتبر محركاً أساسياً للنمو والازدهار، والثانية هي أنّ التقدم التكنولوجي يغني حياتنا ويزيدها ثراء، أمّا الثالثة فهي أنّ العوائد التي يحصل عليها المساهمون تعكس إسهامات الشركات في إحراز التقدّم المجتمعي.

إلا أنّ المشككين في استمرار قابلية هذا الخطاب للتطبيق العملي لديهم وجهة نظر منطقية. فعلى الرغم من أنّ العولمة زادت من حجم الازدهار المتراكم، وقللت من حالة عدم المساواة في مختلف الأمم، إلا أنّها أوجدت فئات من الرابحين والخاسرين ضمن كل بلد من البلدان. فقد أصبح تنامي حالة عدم المساواة في الدخل هو المحرك الأساسي لتنامي الفجوة في الثقة بين النخب وبقية أفراد الشعب، وهو ما أدّى إلى تسعير تنامي الحركات الشعبوية.

إلى جانب ذلك، ثمّة خوف متزايد من أن تؤدّي التكنولوجيا إلى تفاقم الأمور وزيادتها سوءاً من خلال قضائها على الكثير من الوظائف وعلى نطاق واسع. وبما أنّ حالة الاستقطاب السياسي ومحدودية إمكانية المناورة في السياسيات النقدية والمالية تشتت انتباه صنّاع السياسات، يظلّ هناك أمر واحد مؤكد، ألا وهو أنّ الشركات العالمية يجب أن تطرح خطاباً جديداً موثوقاً للحديث عن العولمة، والتكنولوجيا، ودور الشركات الكبرى، وأن تدعم هذا الخطاب بإجراءات هادفة وذات معنى.

أين حصل الانهيار في الخطاب الحالي؟

استند الدعم الشعبي للعولمة إلى حدّ كبير إلى الوعد القائل بأنّ معظم الناس سوف يستفيدون، وبأن الكثيرين سينجحون من خلال جهودهم الذاتية، وبأنّ شبكة الأمان الاجتماعي سوف تحمي الأشخاص المهمشين مؤقتاً. تقليدياً، كانت الحكومة هي من يقع على عاتقها توفير تكافؤ الفرص (وخاصة من خلال التعليم)، وشبكة أمان فعّالة، فضلاً عن تأمين الاستقرار الاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي.

وفي هذه الأثناء، كانت الشركات حرة في التركيز على توليد النمو، والإنتاجية، والابتكار، وفي نهاية المطاف، تكوين الثروة الاجتماعية. وكان هذا الخطاب موثوقاً ويتمتع بالمصداقية طالما أنّ حالة عدم المساواة الاقتصادية كانت باقية ضمن حدود معقولة. لكن عدم المساواة المستمر في الدخل بل والمتزايد أيضاً في العديد من المجتمعات الغربية وغيرها في أنحاء العالم يدل على أنّ هذه الحدود تمّ تجاوزها. وعلى الرغم من أننا نستطيع الاختلاف في الرأي بشأن كيفية إصلاح المشكلة، إلا أنه يتوجب علينا الاعتراف بأنّ التسويق للعولمة صعب إذا لم يتم التطرق إلى معالجة هذه القضايا التي تُخرج الأمور عن مسارها. والأمر ذاته ينطبق على التكنولوجيا. ففي الوقت الحاضر، نجد بأنّ الحماسة تجاه الإمكانيات الجديدة التي وفرها الذكاء الاصطناعي تقابلها مخاوف متنامية بخصوص المكاسب غير المتساوية والخسائر المحتملة في الوظائف. فالتركيز على الأداء الوظيفي للتكنولوجيا الجديدة وغياب خطاب جامع يؤكد على التساوي في الفرص يتسبّبان أساساً بردة فعل سلبية. وهنا أيضاً سيكون من الصعب التسويق لأهمية التقدم التكنولوجي إذا كان الرد على الانتقادات الأوسع بصورة أساسية هو اللجوء إلى مقارنات تاريخية تزعم بأنّ كل مشكلة ستُحل من تلقاء نفسها في النهاية.

أخيراً، لا شكّ في أنّ تركيز الشركات الكبرى على تعظيم القيمة بالنسبة للمساهمين أسهم بالتأكيد في تعزيز الإنتاجية، ودفع النمو، وتكوين الثروة، وإيجاد الوظائف، لكنّه الآن بحاجة إلى معالجة التباطؤ في نمو الإنتاجية، وركود التجارة العالمية، وتنامي الوعي بالتأثيرات الجانبية الاجتماعية والبيئية غير المقصودة. وحتى الآن، تمثّل ردة الفعل الرئيسية للشركات الكبرى زيادة في برامج إعادة شراء الأسهم، ومراكمة كميات هائلة من الأموال النقدية في ميزانياتها، ورفع توزيعات عوائد الأسهم إلى مستويات تاريخية قياسية. وفي هذه الأثناء، نجد بأنّ معدلات الاستثمار في تراجع، على الرغم من استمرار وجود معدلات فائدة منخفضة.

ونتيجة لذلك، باتت أعداد متزايدة من الشركات تُقوّم بناء على أرباحها الحالية وليس بناء على آفاق نموها المتوقع.

تشير أبحاثنا إلى أنّ العديد من الشركات باتت وبصورة متزايدة تركز انتباهها على المدى القصير. وتميل إلى تحقيق قدر أقل من النمو والقيمة على المدى البعيد.

فما هو المطلوب للوصول إلى خطاب يتمتّع بقدر أكبر من المصداقية؟ لأنّ استمرار الأحوال على ما هي عليه لن يكون كافياً، حتى ولو تزايد التركيز على المسؤولية الاجتماعية للشركات. كما أنّ عمليات التجميل والتصويبات الطفيفة التي تطال طريقة العمل لن تكون كافية لاستعادة الثقة والمصداقية. ونحن نؤمن بأنّ الوصول إلى سيناريو مقنع يحتاج إلى إعادة صياغة الحبكة الدرامية وكذلك إعادة صياغة أدوار الممثلين الأساسيين. وسيتعين على قادة قطاع الأعمال، وكذلك الشركات التي يقودونها، اتخاذ موقف فعال، وخلق الظروف التي تمهد الطريق للنجاح المستقبلي، عوضاً عن مجرد التجاوب مع التعديلات الطفيفة التي تطال السيناريو.

وبغية الحفاظ على التقدّم العالمي، فإنّ هذا الخطاب الجديد سيحتاج إلى التأكيد بشكل أكبر على منح الناس فرصاً اقتصادية متكافئة. لكن الخطاب الأفضل لن يكون كافياً لوحده. بل يحتاج قادة قطاع الأعمال تبنّي جدول أعمال جديد بكل وضوح وتنفيذه بهدف صياغة المستقبل، من أجل توجيه مجتمعاتنا، ومن أجل تقاسم المنافع والفرص ضمن هذه المجتمعات.

نحو جدول أعمال جديد للقيادة

بغية تحقيق ذلك، يجب على قادة قطاع الأعمال أن يوازنوا بين هدفين متناقضين ظاهرياً. أولاً يجب عليهم ضمان ازدهار شركاتهم. وتظل هذه مسؤولية أساسية للرئيس التنفيذي، وباتت أصعب بكثير في زمن يتّصف بنمو أقل، وبمستثمرين يفتقرون إلى الصبر، وبحالة من الغموض وعدم اليقين في الجوانب الجيوسياسية، وبالتغيّر التكنولوجي السريع. ثانياً، يجب عليهم ضمان إيجاد الظروف التي تسمح باستدامة حالة الازدهار، وهو أمر يتطلب نموذجاً أكثر شمولاً في مجال التكامل الاقتصادي العالمي والتقدّم التكنولوجي.

ولتحقيق هذه الغايات، نقترح على القياديين في قطاع الأعمال دعم جدول أعمال جديد، يتضمّن سبعة مجالات تنطوي على فرص كبيرة كامنة، كما أنّ جدول الأعمال هذا يمضي إلى مدى يتجاوز الحراك السياسي، فهو يستهدف الأسباب الجذرية من خلال الالتزام بنموذج للتنمية الاقتصادية يقوم على شمول جميع الناس ودمجهم وضمان استدامة هذا النموذج. وسيتضمن هذا الإجراء تبنّي خيارات غير مألوفة وغير مريحة، بما في ذلك الموازنة بين العوائد على المدى القصير، من جهة، ودعم التقدم الاقتصادي والمجتمعي بهدف تعزيز المشاريع على المدى البعيد، من جهة أُخرى. وفيما يلي المجالات السبعة المعنية:

1- الإسهام في تحديد شكل الموجة القادمة من العولمة

في الوقت الذي ركزت الموجة الأخيرة من العولمة على الوصول إلى الأسواق الخارجية، وإيجاد سلاسل توريد عالمية ذات تكلفة منخفضة، يمكن للموجة القادمة أن تأخذ نمطاً مختلفاً تماماً. ففي خطاب ألقاه جيف إيميلت (Jeff Immelt) الرئيس التنفيذي لشركة “جنرال إلكتريك” عام 2016 في جامعة نيويورك، وصف الشكل المحتمل لتلك الموجة، حيث قال بأنها ستكون عولمة ذات طابع أقل مركزية، مع وجود تفاضل جغرافي أكبر، وترابط رقمي أكبر، وإدراك أكبر للأثر الاجتماعي، مع التركيز على بناء القدرات المحلية عوضاً عن استغلال التفاوت في أجور اليد العاملة بين مختلف الدول والمناطق.

يمكن لقادة قطاع الأعمال أداء دور أكثر فاعلية في تحديد شكل المرحلة القادمة للعولمة من خلال تجاوز فكرة نقل العمليات التشغيلية إلى الخارج بسبب التكلفة الأقل، والتشديد عوضاً عن ذلك على المكاسب المتحققة من التجارة والتكنولوجيا التي تشمل قاعدة جغرافية وسكانية أوسع. فقد بدأت تكنولوجيات التصنيع المتقدمة، على سبيل المثال، بإعادة تشكيل خارطة الطريق الخاصة بسلاسل التوريد والتي كانت قائمة خلال العقود القليلة الماضية، حيث باتت تقلل من أهمية الإنتاج الضخم، وتركز على زيادة المرونة، وتمكين عملية الإنتاج من الاقتراب أكثر نحو الأسواق النهائية. كما أنّ البرمجيات، وأجهزة الاستشعار، وعمليات تحليل البيانات الضخمة (Analytics) أخذت تتسبب بحصول تحولات في عملية خلق القيمة وذلك عبر الانتقال من المنتجات القائمة بذاتها إلى مزيج من المنتجات والخدمات.

يمكن للشركات الاستفادة من هذه التوجهات لإعادة التواصل مع زبائنها ومجتمعاتها المحلية. وها نحن بتنا نرى الشركات الكبرى تنقل عمليات الإنتاج الحساسة زمنياً والتي يمكن تعديلها وفقاً لاحتياجات الزبائن إلى الأسواق المحلية لتكون أقرب من طلبات الزبائن، بخاصة في مجال الملابس السريعة “أديداس”، “وزارا”، والسيارات “تيسلا (Tesla)، وهذا بدوره يحوّل سلاسل التوريد إلى شوارع باتجاهين، (بمعنى أنها تقوم على مبدأ التبادل).

2- دعم نمو الأعمال الريادية

أسهمت عدّة عقود من التقدم الاقتصادي بتركز النشاط الاقتصادي في المشاريع والشركات الأكبر حجماً، مع تراجع في أنشطة الشركات الناشئة. ولكن بناء على الطريقة التي نسخّر بها التقدم التكنولوجي فإننا إما سنسهم في تفاقم هذا التفاوت، أو في تحسين وضعه والتخفيف من حدّته.

يمكن لبزوغ الشركات التي تعمل كمنصّة (Platform)، والتي تسهّل التعاون بين آلاف الأفراد والمشاريع ضمن أنظمة ديناميكية أن يساعد في استعادة التوازن والاستدامة، حيث تُسهم هذه الأنظمة في ضمان توفير فرص متكافئة للأفراد والشركات الصغيرة لكي يشاركوا في التقدم المحرز، ما يحفّز التوظيف والابتكار معاً. وبما أنّ الشركات الكبرى تُعيد النظر في سلاسل توريدها العالمية ونماذجها التجارية، فيمكن لتشكيل أنظمة شاملة للموردين وروّاد الأعمال أن يكون جزءاً من الحل.

لنأخذ على سبيل المثال مقدمي خدمات الحوسبة السحابية عبر الإنترنت، والتي تُعطي الشركات الفتية القدرة على الحصول على مكاسب كبيرة وتمنحها مرونة لم تكن متاحة لها مسبقاً، إذ تُعتبر هذه الخدمات أمثلة فعّالة على الاستثمارات الطويلة الأجل، والتي نفذتها بعض الشركات (والأبرز بينها أمازون)، وظلت تُقدّمها وتحتفظ بها حتى في مواجهة المستثمرين الذين لا يتحلون بالصبر. ومع ذلك، فإنّ هذه الأنظمة الشاملة (Ecosystems) ليست من اختصاص شركات الإنترنت فحسب. فشركات الطاقة الرائدة تستثمر في شبكات طاقة لامركزية، ما يثبت ويُظهر الجدوى الواسعة النطاق لهذه المقاربات. كما تُعتبر شبكة التوريد الخاصة بشركة “تويوتا” والتي تتصف بالتكامل وبقدر مرتفع من التعاون مثالاً للرشاقة والمرونة، وهي توضح كيف أنّ شركات التصنيع التقليدية قادرة على بناء هذا النوع من الأنظمة الشاملة.

3- الاستفادة من التكنولوجيا بدفعها من الأمام إلى الخلف (أي من الميدان إلى مكاتب الدعم الخلفي)

تتوقف تأثيرات التكنولوجيا نحو البشر على الطريقة التي نختارها لتطوير هذه التكنولوجيا واستعمالها. فإذا ما قامت الشركات بدفع التكنولوجيا من مكاتب الدعم الخلفي إلى الجبهات الأمامية (الميدان)، مع التركيز بصورة أساسية على زيادة الكفاءة، وتحقيق أكبر قدر من المثالية في العمليات الداخلية، سيقود استعمالنا للتكنولوجيا هنا إلى حلولها مكان البشر. وسوف نفوّت فرص تعزيز القيمة التي يحصل عليها الزبائن، وفرص إيجاد وظائف جديدة وتحسين حياة الناس. وبالتالي يجب على الشركات أن تبدأ من الجبهات الأمامية، أي من الميدان، مع التركيز بوضوح على تلبية احتياجات الزبائن، وتقديم قيمة جديدة ملموسة.

ويُعتبر استعمال التكنولوجيات لتعزيز الابتكار ومساعدة الناس على زيادة حجم الإنجازات في حياتهم فرصة في جميع قطاعات الاقتصاد تقريباً. لكنّ هذه المقاربة الدامجة والشاملة تحتاج إلى اتخاذ بعض الخيارات غير المُريحة. لنأخذ مثلاً تطبيقات تكنولوجيا ما يُسمى “سلسلة الكتلة” أو “البلوك تشين” (Blockchain)، والتي يمكن أن تمنح فرصاً هائلة في مجال الخدمات المالية (العملات، حلول الدفع، الأصول المالية)، والتأمين (إدارة العقود والهويات)، والترفيه (إدارة حقوق العروض)، والعديد من القطاعات الأُخرى. وهذه المكاسب والمنافع يمكن تحقيقها إما من خلال تعزيز الكفاءة الداخلية عبر التخلّص من الوسطاء، وربما التخلص من عديد الوظائف خلال هذه العملية، أو عبر خلق خدمات وأسواق قيمة، ما يقود إلى فرص جديدة في مجال الوظائف والنمو.

هل بوسعنا التخيل بأنّ من يبتدعون التكنولوجيات الجديدة ويطورونها يتولون بعض المسؤولية عن تطبيقها بطريقة دامجة وشاملة للجميع، مما سيخلق منافع وخدمات جديدة، مع العمل في الوقت ذاته على معالجة هذه الإشكاليات العابرة؟ لقد بدأ قادة قطاع الأعمال يواجهون هذه الأسئلة. وكان الرئيس التنفيذي لشركة “مايكروسوفت” ساتيا ناديلا قال ما يلي مؤخراً: “كيف نخلق الذكاء الاصطناعي لتعزيز القدرات البشرية وتحسين تجربة الإنسان؟ وما هي الأشياء التي نحتاج إلى القيام بها بحيث تكون رفاهية البشر هي الأولوية الأساسية؟ هذا يعني بناء الثقة والشفافية والقدرة وغرسها لاستعادة السيطرة، وضخ القيم الإنسانية وأخلاق التعاطف ضمن التكنولوجيا”. إذاً، لا تزال الإجابات النهائية واليقينية نادرة، لكننا ننصح قادة قطاع الأعمال البدء بالإجابة عن هذه الأسئلة.

4- الاستثمار في رأس المال البشري.

تعني الزيادة في ديناميكية وتنوّع بيئات الأعمال بأنّ الناس يجب أن يكيّفوا مهاراتهم ويعدّلوها بوتيرة أسرع. ويشمل ذلك قدرتهم على المشاركة في إنتاج السلع والخدمات الجديدة واستهلاكها أيضاً.

يمثّل العثور على طرق فعّالة وميسرة لمساعدة الناس على اكتساب المهارات “خلال” حياتهم المهنية (وليس فقط قبل تولي هذه الأعمال في البداية) تحدّياً اجتماعياً كبيراً. ويُعتبر التعليم عنصراً أساسياً في زيادة إمكانية تنقل الناس بين الوظائف وفي تحقيق التكافؤ بالفرص، وهما أمران مساويان في الأهمية للفجوات الموجودة في الدخل، ومرتبطان بهذه الفجوات ارتباطاً وثيقاً. لكنّ تحديد الشكل الدقيق للمهارات المهنية الجديدة وتزويد الناس بها من خلال النظام التعليمي هي عملية تستغرق وقتاً طويلاً جداً.

ويمكن للشركات أن تساعد في كسر هذه الحلقة المفرغة. فعلى سبيل المثال، لننظر إلى الفجوة الموجودة في مجال المهارات الرقمية. في العام 2014، كانت شركة (AT&T) من بين أولى الشركات التي تجرب وعلى نطاق واسع توفير “التعليم المستهدف” عبر الانترنت في مجال علوم البيانات والبرمجة الحاسوبية. وإضافة إلى توفير البرنامج لموظفيها، قدمت الشركة منحاً دراسية إلى عامة الناس ممولة بالكامل من قبلها.

ومع توفر أدوات جديدة لبناء رأس المال البشري أو إعادة بنائه بقدر أكبر من الفعالية والكفاءة، يمكن للشركات الكبرى أن تسعى إلى توسيع نطاق دورها في هذا المجال، سواء مع موظفيها أو في المجتمعات المحلية التي تعمل ضمنها. ونحن نرى بأنّ من الضروري جداً بالنسبة لقادة قطاع الأعمال بأن يكونوا مدافعين شغوفين ومتسقين عن تحسين إمكانية حصول الناس من جميع الفئات العمرية وجميع مستويات الدخل على تعليم رفيع المستوى.

5- توسيع إمكانية الحصول على السلع الأساسية

نحن ننتج لكي نستهلك. ومع ذلك، فإنّ إمكانية الوصول إلى بعض السلع والخدمات الأساسية في اقتصاداتنا مقيّدة جداً، لأنّ الأسعار مرتفعة للغاية بحيث تحدّ من قدرة الناس على اقتنائها. ويُعتبر الإسكان والتعليم والصحة ثلاثة أمثلة مشهورة عن سلع أساسية ازدادت أسعارها ازدياداً كبيراً خلال العقود القليلة الماضية، ما قاد إلى حالة من عدم المساواة في إمكانية الوصول إليها. لا بل أكثر من ذلك، غالباً ما يدفع الفقراء في مجتمعاتنا أسعاراً أعلى للحصول على ذات السلع، كما يتعرّضون إلى نسبة تضخم أعلى. ويمكن تحسين إمكانية الحصول على السلع الأساسية من أجل زيادة إمكانية حصول الناس على الفرص الاقتصادية.

غالباً ما يكون توفير إمكانية الحصول على مثل هذه السلع هو نتيجة للنشاط التجاري التنافسي والابتكار المُزعزع (Disruptive Innovation)، إذ يبدآن من قيام شخص ما بتصنيع نسخة أبسط من المنتج تكون ذات تكلفة ميسرة. على سبيل المثال، وفرت شركات الطيران الاقتصادية إمكانية الحصول على خدماتها في مناطق لم تكن مخدّمة من قبل ولدى شرائح لم تكن تحصل عليها، حيث أسهم توفير هذه الخدمات في المحافظة على ديمومة البنية التحتية للنقل. كما أنّ هذا النوع من الابتكار المزعزع مطلوب في مجالات أُخرى مثل الرعاية الصحية، بحيث تكون النتائج موحّدة، وقابلة للقياس، وبحيث تُخصص الموارد بناء على ذلك من خلال تبني مقاربات تستند إلى القيمة (Value-Based Approaches). ويمكن لتوسيع إمكانية الحصول على السلع والخدمات أن يكون استراتيجية رابحة للمستثمرين، والشركات، والمجتمع على حدّ سواء.

6- إعادة التوازن إلى المكافآت والأجور والتعويضات وضمان تناسبها مع الجهد المقدّم

يرتبط إحساس الناس بقيمتهم الذاتية وبالسعادة ارتباطاً وثيقاً بطبيعة عملهم وأجورهم النسبية. ويصح هذا الأمر خصوصاً عندما لا نأخذ بعين الاعتبار الأجور والمنافع والتعويضات فحسب، وإنما أيضاً إمكانية التنقل الوظيفي، وتقدير الناس بناء على جدارتهم المهنية، والقيمة غير الملموسة في هدف الناس من العمل.

يؤدي عدم التوافق بين المكافآت والأجور، من جهة، والأداء من جهة أُخرى، على طول سلم الأجور بأكمله، سواء بالنسبة للعمال الداخلين إلى العمل حديثاً وصولاً حتى القادة في أعلى المراتب الوظيفية لتقويض نظرة الناس إلى الإنصاف وإلى تقويض ثقتهم بالنظام أيضاً. وبالتالي فإنّ إعادة العلاقة بين المكافآت والأداء إلى مستويات صحية مقبولة يمثّل فرصة لقادة الشركات لكي يسهموا في تحديد نظرة الناس إلى قيمتهم الذاتية، والإنصاف، وإمكانية الحصول على الفرص.

بالنسبة للتعويضات التي يتقاضاها المدراء التنفيذيون، يمكن للقادة أن يحققوا قفزة إلى الأمام من خلال زيادة الشفافية في مستويات التعويضات (المطلقة والنسبية) عبر الإعلان عن المعايير الخاصة بالأجور المستندة إلى الأداء، وعبر ضمان وجود حوكمة فعّالة للتعويضات التي يتقاضاها هؤلاء المدراء التنفيذيون. أمّا بالنسبة للمكافآت التي يتقاضاها الموظفون، فدعونا نأخذ مثالاً من شركة “وول مارت” العالمية المتخصصة بتجارة التجزئة، والتي زادت أجورها الأساسية لنسبة كبيرة من عمّالها. وفي خطوة موازية هامة، استثمرت الشركة في افتتاح أكاديميات للتدريب، وإطلاق برامج تدريبية، بما في ذلك تأمين فرص للإشراف والتوجيه المهني، وربط المشاركة في هذه البرامج بالتقدم على السلم المهني. ويمكن لإعادة التوازن إلى المكافآت وتحقيق التواؤم بينها وبين إمكانية الحصول على الفرص أن يكون هو الشيء الصحيح الذي يجب فعله إضافة إلى أنّه مفيد جداً لقطاع الأعمال.

7- إعادة إحياء المجتمع من خلال ذهنية العمل التجاري المجتمعي

يجب على قطاع الأعمال أن يظلّ مترسخاً بعمق في المجتمع لكي يؤثّر عليه إيجاباً. لا بل يمكن لقطاع الأعمال أن يقدّم الحلول لأهم المشاكل الأساسية التي تواجه المجتمع. ودعونا نأخذ معدل البطالة على المدى البعيد وبطالة الشباب، على سبيل المثال. في أوروبا، هناك عدد هائل من المبادرات التي طرحتها الشركات لمعالجة هذه القضية العويصة، حيث أنها تعمل عن كثب مع المؤسسات العامة وآلاف المتطوعين والموظفين. وتوفر هذه المبادرات برامج منظمة لإعادة إدماج الناس في سوق العمل وبناء مهاراتهم. بعض هذه البرامج ينجح نجاحاً باهراً في تحقيق ذلك، بحيث أنها تزيد من فرصة إعادة الشباب العاطل عن العمل إلى سوق العمل بثلاثة إلى أربعة أضعاف، وتساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة في استقطاب موظفين ضمن شرائح جديدة من أصحاب المواهب. وإذا ظلّت هذه المبادرات التجارية المجتمعية قريبة من جوهرها، فإنها تساعد أيضاً في بناء قدرات مهمة على المستوى الاستراتيجي مثل الإدارة الخارجية للناس والأصول، وهي مهارة أساسية في تطبيق الاستراتيجيات أو تحديد شكلها، وفق مقاربة النظام الشامل.

أخيراً يمكننا القول أنّ الدعوة إلى تجديد الخطاب الخاص بالتقدم ودور الشركات العالمية في إحراز هذا التقدّم بحاجة إلى أن تبدأ وتنتهي في أذهان الناس. ولا يحتاج الإنسان إلى امتلاك شهادة جامعية في التاريخ الحديث ليتخيل النهايات التي تنتظرنا إذا قبلنا الاستقطاب السياسي العميق في مجتمعاتنا بوصفه المعيار الطبيعي الجديد. فخلال النقاشات الشخصية الخاصة التي دارت بيننا وبين العديد من قادة قطاع الأعمال، عبّر هؤلاء القادة عن هذا الشعور بغض النظر عن آرائهم السياسية. وهناك كثيرون مستعدون لاتخاذ خطوات عملية باتجاه المشاركة بفعالية أكبر في صياغة شكل المجتمع، ليس فقط بهدف المحافظة على استدامة التقدم الاقتصادي وإنما بهدف المساعدة أيضاً في ضمان الوصول إلى ازدهار يشمل قاعدة واسعة من الناس. والآن هو الوقت المناسب للتحرك.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!