في 13 سبتمبر/أيلول عام 1970، نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية مقالاً بقلم ميلتون فريدمان وجّه فيه سهام النقد إلى كل مدراء الشركات الذين كانوا "ينفقون الأموال من جيوب الآخرين تحقيقاً لمصلحة اجتماعية عامة". بعبارة أخرى، الأشخاص الذين يشترطون دفع الزبائن للمزيد، أو تقاضي الموظفين لأجور أدنى، أو قبول المالكين لأرباح أقل بحيث يمكن للشركة أن تبدي قدراً من المسؤولية الاجتماعية يتجاوز ما يشترطه القانون. وكان قد سبق لفريدمان ذاته أن أعلن في كتابه الصادر عام 1962 بعنوان "الرأسمالية والحرية" (Capitalism and Freedom) أنّ "هناك مسؤولية اجتماعية واحدة ووحيدة للشركة، ألا وهي أن تستعمل مواردها وتنخرط في نشاطات مصممة لزيادة أرباحها طالما أنها تظل ملتزمة بقواعد اللعبة، والمقصود هنا الانخراط في منافسة مفتوحة وحرة دون خداع أو غش أو احتيال". وبحسب وجهة نظره، فإنّ الخيارات المتعلقة بإمكانية وكيفية استعمال الأموال لمعالجة المشاكل الاجتماعية يجب أن تُترك إلى الأفراد الذين سيكون لديهم القدرة على تقديمها فيما لم يكن مدراء الشركات قد فرضوا عليهم عملياً دفع ضريبة، معتقدين أنّ لديهم أفكاراً أفضل حول طريقة إنفاقها. لقد شكلت المقالة خدشاً لمشاعر الكثيرين من الناس الذين كانوا يشعرون بالقلق تجاه تنامي قوة الشركات الكبرى في العالم، لكن بالنسبة للعديد من كبار المدراء التنفيذيين الذين كانوا يكابدون الأمرين لشق طريقهم وسط فوضى أسواق كانت قد بدأت وقتها تتجه نحو العولمة وتخفيف القيود، فقد قدمت هذه المقالة نقطة واضحة لا تقاوم ألا وهي أنّ المرء بحاجة إلى أن يركز على مصالح المالكين فقط. في عام 1976، حاول كل من مكيلينغ وجينسين توضيح الأمور أكثر من خلال تقديم مقاربة اقتصادية تتعلّق بكيفية ضمان "تعظيم قيمة المساهمين". وقد عمل كل من الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان ورئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر على تقديم غطاء سياسي للفكرة. وسرعان ما تحولت فكرة "تعظيم القيمة للمساهمين" لتصبح بمثابة الكتاب المقدس بالنسبة للرأسمالية. هذا التركيز الشديد على توليد العوائد كان الدافع الأساسي وراء تحقيق العديد من المكاسب. كما أنّه سرّع تشكل سلاسل التوريد العالمية مع تحقيق قدر أكبر من ذي قبل من الكفاءة ووفورات الحجم (Economies of Scale). ومع تزايد أعداد الشركات المتعددة الجنسيات، قل عدد الشركات التي باتت تُظهر ولاءها لمجتمع معين أو تبدي أي تردد في نقل عملياتها إلى أي مكان يمتاز بتكاليف أقل. كما تزايدت النظرة إلى الموظفين بوصفهم مستلزمات للعمليات يمكن استبدالهم بسهولة بأشخاص آخرين في أي لحظة، بينما تزايدت النظرة إلى الزبائن على أنهم أهداف ضمن شرائح سوقية أكثر أو أقل تحقيقاً للربح بالنسبة للشركة. وبدأ يتضح وبكل جلاء أنه حتى لو كان الهدف هو خدمة مصالح جهة واحدة فقط من أصحاب المصالح العديدين، فإنّ هذه العملية لا يمكن أن تكون أحادية الطرف بهذا الشكل. كما أنّ الحوافز الرامية إلى "تعظيم قيمة المساهمين" دفعت المدراء إلى اتخاذ قرارات أثمرت النتائج المطلوبة على المدى القصير لكنها كانت كارثية بالنسبة لاستدامة عمل الشركة على المدى البعيد. وكما سبق وأشرت في موضع آخر، فإنّ سيطرة هذه النزعة ذات التركيز على الأجل القصير أعاقت قدرة الولايات المتحدة الأميركية على المنافسة في الأسواق الدولية؛ وشجعت التوجه الضخم نحو نقل العمليات والإنتاج إلى خارج البلاد، ما أدى إلى تدمير شرائح أساسية من الاقتصاد الأميركي؛ ووّلدت "الأرباح السيئة" التي قوّضت ولاء الزبون؛ وحوّلت الاقتصاد إلى "اقتصاد مالي الطابع"، ما زاد من تعرّضه لمخاطر الانهيارات المالية الحادة؛ وقوّضت التعافي الاقتصادي؛ وخفضت معدلات العوائد على الأصول وعلى رأس المال المستثمر في الشركات الأميركية تخفيضاً هائلاً. لكن هذه المشاكل لم تنشأ بين عشيّة وضحاها؛ وإنما كانت قد بدأت تتشكل مبكراً. إلا أننا كنا بحاجة إلى انتظار مرحلة ما بعد ظهور الإنترنت حتى نرى التحديات القوية التي طرحت في وجه عملية "تعظيم قيمة المساهمين". والسبب في ذلك كان أنّ شبكة الإنترنت:
  • نقلت السلطة في السوق من يد البائع إلى يد الشاري. فالزبائن الذين باتوا قادرين على الحصول على المعلومات الموثوقة حول الخيارات المتاحة، والذين أصبحت لديهم القدرة على التفاعل مع الزبائن الآخرين أصبحوا فجأة في موقع السلطة.
  • زادت توقعات الزبائن. بعد أن أصبح المعيار الجديد يشمل كل ما هو "أفضل، وأرخص، وأصغر، وأريح، وله طابع أكثر شخصية"، فإنّ القدرة على الإبداع مع الاحتفاظ بالموظفين الملتزمين وفي خضّم عمليات تتسم بالسرعة والرشاقة، أصحبت أمراً أكثر حرجاً.
  • قوّضت سلاسل التوريد العمودية. فقد بات بوسع الزبائن أن يشتروا مجموعة أوسع من الأشياء عن طريق الإنترنت وبسعر أرخص، وغالباً في وقت أسرع، مقارنة مع الشراء من متجر فعلي. البداية كانت مع الكتب والموسيقى، حتى بات ذلك ينطبق على أي شيء تقريباً.
  • "فرّخت" سلاسل التوريد الأفقية الجديدة الواسعة، حيث بدأ ملايين الناس يخلقون أماكن اجتماعهم وأسواقهم الافتراضية الخاصة بهم بوفورات الحجم الخاصة بهم. البداية كانت مع رموز الكمبيوتر، ومن ثم الأفكار، وبعد ذلك الموسيقى، والصور، وأفلام الفيديو، وأخيراً، الأمور المادية الملموسة.
  • مكّنت الشركات من خلق أنظمة بيئية ضخمة من الموردين والزبائن الذين بوسعهم تحقيق حجم ضخم خال من التصلب الذي يصيب البيروقراطيات التراتبية الكبيرة.
ونتيجة لذلك، فإنّ حقبة جديدة آخذة بالظهور الآن. واعتماداً على ما قاله بيتر دروكر الذي أصرّ في عام 1973 على أنّ "هناك تعريفاً واحداً صالحاً للغاية من العمل التجاري ألا وهو كسب الزبون"، أعلن روجر مارتن بأننا أخيراً ندخل "عصر رأسمالية الزبون". فإذا ما كانت الشركات تقدم خدمة جيدة إلى زبائنها، فإنّ المنافع والمكاسب التي ستتحقق لصالح المساهمين والمجتمع ستتبعها لاحقاً. فالزبائن كما المساهمين يصبحون المركز الجديد للكون الرأسمالي وكتابه المقدس الجديد. إنّ التحول في الهدف ينطوي على تحول في الممارسات الإدارية لدى الأشخاص المنضوين ضمن التراتبية البيروقراطية، بما في ذلك التحول من التحكم بالأفراد إلى تمكين هؤلاء الأفراد، والشبكات والأنظمة البيئية؛ وكذلك التحول في طريقة تنسيق العمل من القواعد والخطط والتقارير إلى العمليات الذكية والسريعة والربط الحيوي؛ والتحول من قيم الكفاءة وإمكانية التكهن المسبق إلى قيم التحسين المتواصل والشفافية؛ والتحول من أسلوب التواصل الأحادي الاتجاه من الأعلى إلى الأسفل نحو المحادثات التفاعلية. لكن من المهم التأكيد على أنّ هذه التحولات ليست عبارة عن مجموعة من أدوات الإدارة غير المترابطة التي جمعت جزافاً ووضعت في سلة واحدة. وإنهما هي تشكل بنياناً مرصوصاً ومتجانساً ومتماسكاً من الممارسات القيادية والإدارية، حسبما وصفتها عشرات الكتب. غير أنّ الواقع المحير لهذه اللحظة يكمن في أنّ هناك نظامين اثنين (على الأقل) مختلفين يعملان بصورة متزامنة، وبسرعات مختلفة، وعلى مسارات مختلفة. أحدهما – أي الاقتصاد التقليدي – هو الاقتصاد الذي ورثناه من القرن العشرين. هو عالم من السيطرة والتحكم، يركز على تحقيق المال من خلال وفورات الحجم، وهو مؤلف من بيروقراطيات تراتبية كبيرة تطرح المنتجات والخدمات وتجعل الزبائن يشترونها عبر حملات المبيعات والإعلانات. ولا زال هذا الاقتصاد هو الأكبر حجماً بين هذين الاقتصادين، وهو في حال من التراجع المضطرد منذ عقود عديدة، كما أنه لا يولد عدداً جديداً صافياً من الوظائف، ولا يتسم بالسرعة والرشاقة. وصحيح أنه آخذ بالتحول المضطرد نحو الكفاءة، إلا أنه ليس بارعاً في مجال الابتكار. وقدرته على الاستفادة من مكاسبه المتحققة من كفاءته تقل أكثر فأكثر. وهو لا زال يشكّل جزءاً كبيراً مما هو جار في العالم، لكن لا يبدو أنّ له مستقبلاً كبيراً. أما الاقتصاد الآخر – أي الاقتصاد المبدع والخلاق – فإنه اقتصاد الابتكار والتحول المتواصلين. إنه اقتصاد الشركات ورواد الأعمال الذين يقدمون إلى الزبائن ما باتوا ينتظرونه منهم، وتحديداً كل ما هو "أفضل، وأسرع، وأرخص، وأصغر، وأخف، وأريح، وله طابع أكثر شخصية". لا زال الاقتصاد المبدع صغيراً نسبياً لكنه ينمو بسرعة، وعندما يطبق تطبيقاً جيداً فإنه يقدم أرباحاً مرتفعة. إنه اقتصاد المستقبل. ولا ينبغي ابتكار هذا الاقتصاد فهو قيد التشكل أصلاً. وممارساته تمثل "تحولاً نوعياً في النمط الفكري السائد" بالمعنى الدقيق لهذه العبارة كما حددها توماس كون: إنها طريقة مختلفة في التفكير، والحديث، والتصرف في العالم. إنّ التحول من الاقتصاد التقليدي نحو الاقتصاد المبدع ليس مجرد جدل تقني حول علم الاقتصاد أو نظرية الإدارة. وإنما هو تحول فيما يطلبه المجتمع من مدراء أقوى مؤسساته: من التعاريف الضيقة لمالكيها والقرارات التي تخدم مصالحهم على المدى القصير، إلى القبول الواسع للمسؤولية التي تأتي مع السلطة والقيادة المعنيتين بتحقيق الأفضل للمجتمع. وفي خضم التحول نحن نكتشف بأنّ النقاش الذي يدور حول النشاطات المناسبة للمدراء يمكن أن يكون نقاشاً منطقياً، ويمكن أن يخاض بمنطق قوي، ويمكن أن يؤثّر في عقود من الممارسة في كبريات الشركات في العالم – وأن يكون مع ذلك وبكل بساطة نقاشاً خاطئاً تماماً.

متابعة القراءة

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!