تابعنا على لينكد إن

خلال حادث إطلاق النار الكثيف الذي حدث في مدرسة ضمن مدينة باركلاند بولاية فلوريدا الأميركية، امتنع أحد عناصر قائد الشرطة عن الدخول إلى المبنى لمواجهة المعتدي، ونُشر الخبر على مواقع الإنترنت وكانت ردود أفعال المسؤولين والسياسيين في باركلاند سريعة جداً. تم توبيخ عنصر الشرطة من قبل رئيسه بسبب تقاعسه المفرط، ووصفه رئيس الولايات المتحدة بأنه شخص “جبان”.

إنّ استخدام هذه الكلمة بالتحديد لم يكن عرضياً، حيث تنطوي كلمة “جبان” على أكثر من مجرد الفشل في العمل كمستجيب أول، بل تعني أكثر من ذلك الفشل في “التصرف كرجل”. وكما يذكر أليكس كينغسبري في صحيفة بوسطن غلوب (Boston Globe)، فإنّ هذه الكلمة هي فحوى الحكاية الأميركية التي لا تموت والتي تقول بأنّ “الرجال الحقيقيين يُردون الأشرار أرضاً بضغطة واحدة على الزناد”. ولأن المؤهلات الأساسية لعمل المستجيب الأول تتماشى مع المثل التقليدية لصفات الرجل البطل أي “القوة” و”الشجاعة” و”تحمّل المخاطر”، وهي مُثُل عميقة الجذور في الثقافة وعلم النفس، يُواجه الرجال الذين يشغلون هذه الوظيفة ضغطاً إضافياً إذ يجب عليهم “التصرف كالرجال” في العمل. وهذا يَجعل من فشلهم المتصّور في القيام بذلك يُلفت الانتباه بشكل أكبر ويصبحون عرضة للنقد من قبل المتفرجين ومن قبل زملائهم.

تجدر الملاحظة إلى أنّ لمفهوم الرجولة تجليات عديدة في المؤسسات. إذ قامت زميلتي أوليفيا بإجراء بحث في جانب من جوانب الثقافة التنظيمية الذكورية المعروفة بما يُسميه علماء النفس “الحميمية”. وهو الجانب الذي ينطوي على الولع والمودة والعناية والتعاطف والحنان أو كما يُمكن أن يصفها المستجيبون الأوائل “الزمالة” أو “الحب الأخوي”. إنّ توبيخ عنصر الشرطة بسبب فشله بالتصرف كبطل بنعته بالجبان، مهما كان السبب، يُرسخ جانباً داكناً من الثقافة الذكورية المرتبطة بتجنب إظهار الضعف واكتساب صفة الهيمنة وممارستها على الآخرين. وقد وجدت عالمة النفس جون تانني وزملاؤها في دراستهم حول معاودة الإجرام، أنّ السلوك الذي يجعل الناس يشعرون بالنقص وعدم القيمة والعمل على فضح أخطائهم، يولّد لديهم مشاعراً منطوية على الخزي والعار وغالباً ما يُحفّز ذلك ردود الأفعال الدفاعية. ويمكن أن تؤدي هذه المشاعر إلى نتائج سلبية عديدة على صعيد الأفراد والمؤسسات. وهذا ما سنتكلم عنه في سياق حديثنا حول الثقافة التنظيمية الذكورية.

على مدى العامين ونصف الماضيين، عملنا مع مجموعة من الباحثين المتخصصين في دراسات النوع الاجتماعي بإشراف جينيفر بيردال، وجوان ويليامز، وبيتر غليك وماريان كوبر على فهم ما يحدث في بيئة الثقافة التنظيمية التي تُضفي طابع الرجولة على تقييم الأداء، أو ما نُشير إليه في بحثنا بـ”الثقافة الذكورية”. والتي تطلب من العاملين من كلا الجنسين (رجالاً ونساء) “إثبات” قوتهم من خلال الانخراط في سلوكيات نقوم بتصنيفها إلى أربع مجموعات: “البقاء للأقوى”، “القوة والقدرة على التحمل”، “الأفضلية للعمل”، و”تجنب إظهار الضعف”. هذه السلوكيات شائعة في المؤسسات التي تتطلب القيام بأعمالها الصلابة والقدرة التنافسية، مثل مؤسسات المستجيبين الأوائل، وحتى الاستشاريين والمدراء التنفيذيين، الذين يقضون معظم وقتهم وراء جهاز الكمبيوتر، يمكن أنْ تتعزز لديهم مُثل مشابهة، هذا ما وجدته أخصائيتا علم الاجتماع إيرين ريد وماري بلير لوي في بحثهما التالي:

يُشير تحليلنا الأولي إلى أنّ الثقافة الذكورية مرتبطة بالعديد من الممارسات المؤذية في مكان العمل مثل الترهيب والتحرش الجنسي المتزايد والإرهاق وتدني مستوى الصحة العامة للموظف. وتتفاقم هذه الممارسات عندما يتم تهديد الرجولة بشكل علني.

في سلسلة من الدراسات، يُظهر البحث الذي قام به كل من جينيفر بوسون وجو فانديللو وزملاء لهما أنه عندما يتعرض الرجال للتهديد العلني لرجولتهم، فإنهم يُظهرون الكثير من القلق، ومن المحتمل أن تُصبح سلوكياتهم اندفاعية وتميل إلى العدوانية المفرطة والمجازفة بالشؤون المالية. هذا يشير إلى أنّ الممارسات التي تُهدد الرجولة، والتي يتم التكلم عنها على نطاق واسع عبر وسائل الإعلام الاجتماعية أو القنوات الأخرى، مثل ردود الفعل التي أشرنا إليها في قضية باركلاند، يُمكن أن تُضخّم الشعور بالتهديد المباشر والمراقبة. في هذه الحلقة المفرغة، تَخلق هذه السلوكيات السلبية بيئة عمل يسودها الخوف والعدائية، وتمنع الناس من القيام بعملهم بشكل أفضل.

في حالة المستجيبين الأوائل الذين يضطرون إلى التعامل مع صدمات نفسية مؤلمة بشكل متكرر، يكون هذا ضاراً جداً بالنسبة لهم. كما أنّ الثقافة الذكورية ربما لا تُشجعهم على الإفصاح عن مشاعرهم للآخرين أو طلب أي نوع من الخدمات الصحية، والتي تُعد أفضل ما يوصى به في مثل هذه الحالات. لقد وجدت دراسة حديثة قام بها كل من آشلي روزيت وجينيفر موللير وديفيد ليبل أنه عندما يقوم القادة الذكور بطلب المساعدة فإنهم غالباً ما يُعاقبون ويُصنفون على أنهم أقل كفاءة من غيرهم. وكتب أيضاً عالم النفس جيمس ماهاليك وزملاؤه بشكل موسّع حول العلاقة بين معايير الرجولة وتراجع سلوكيات طلب المساعدة، ما يشير إلى أنّ البيئة التي تتصف بالذكورية تجعل من الصعب على الموظفين فيها البحث عن الدعم الاجتماعي والرعاية الصحية التي يحتاجونها.

ويبقى المستجيبون الأوائل ملزمين باتخاذ قرارات سريعة في مسائل تتعلق بالحياة أو الموت، حيث أنّ حماية الناس هو أساس عملهم. وعندما يحدث أمر طارئ، من المهم أن يفهموا ماذا حصل بالضبط ولماذا. هؤلاء المعنيون يجب أن يتعاملوا مع هذه المواقف بطريقة احترافية وفي نفس الوقت عليهم التحكم بالمشاعر المؤلمة التي يمرون بها. إنّ كل هذا ليس بالأمر السهل، ولكنه ليس مستحيلاً أيضاً.

كيف يكون ذلك؟ على سبيل المثال: في دراسة قديمة على العاملين في حقول النفط البحرية، قام كل من روبن إيلي وديبرا مايرسون بالبحث في نهج واحد. إذ قامت الشركة محور الدراسة بتطبيق بنود مبادرة لتغيير الثقافة التنظيمية السائدة والتي أقصت السمات الذكورية النمطية البارزة في المؤسسة مثل (التبجّح والصلابة وعدم الاعتراف بالفشل) لصالح المؤهلات المتوافقة مع الأداء الأفضل مثل (الرغبة في الاعتراف بالفشل والاعتماد على الآخرين والتعلم منهم والتعبير عن الضعف والقلق). هذه الخطوة لم تُحسّن الإنتاجية والشعور بالأمان بشكل كبير فحسب، بل ساعدت الرجال أيضاً على الإدراك بأنه يمكنهم “التصرف بطرق مغايرة لتلك التي تتناسب مع المعايير الرجولية التقليدية المفروضة عليهم”.

الأسلوب الآخر لعلاج التأثيرات السلبية للثقافة الذكورية السائدة، هو إعطاء الأولوية للجانب المضيء من سمات الرجولة التي ذكرناها قبل قليل: ألا وهو جانب “الحميمية”. فبدلاً من توبيخ مستجيب الطوارئ بشكل علني، فإنّ الثقافة المطروحة تُشجع على مراعاة الآخر وحمايته.

تُظهر دراسة بحثية طويلة متعددة الطرق أجرتها زميلتي أونيلل مؤخراً على 40 محطة مركزية للإطفاء مدى تأثير المشاعر الإيجابية على المؤسسة. في هذه الدراسة، كانت أطقم التصدي للحرائق، التي يَغلب عليها طابع الإحساس بالحميمية وما وصلنا إليه من النموذج المثالي للعاطفة الرجولية، إضافةً إلى حس المرح أو الفكاهة، أقل احتمالاً لخوض تجارب غير مرضية سواء في الحياة الخاصة أو في العمل. وكانت نتائج التقييم مثيرة للإعجاب: فقد أظهر أفراد الطاقم الذين يتمتعون بمستوى أعلى من البهجة سهولة أكبر في تنسيق أعمالهم، وكانوا أقل عرضة لحوادث السير أو لحوادث أخرى أثناء العمل. تبيّن لنا أيضاً أهمية تمتّع رجال الإطفاء بحياة أسرية داعمة، لما لذلك من تأثير واضح على الصحة الجسدية لديهم، وخاصة إذا تماشت مع دعم ومحبة أفراد طاقم العمل.

لتوضيح ذلك أكثر: فإنّ السمات المرتبطة بالرجولة ليست مشكلة بحد ذاتها. إنما تكمن المشكلة عندما يتم الأخذ بهذه السمات، مثل البطولة وكبت المشاعر، إلى حدودها القصوى، مما لا يترك مكاناً للشعور بالضعف أو حصول الأخطاء. وتحت هذه الضغوط، فإنّ مواجهة المواقف الصعبة يمكن أن تُسبب الأذى للرجال والمؤسسات التي يعملون فيها، وربما أيضاً للأشخاص الذين يسعون إلى حمايتهم. إنّ توبيخ مستجيب الطوارئ الذي انتهك المُثل الذكورية لا يخدم أي طرف، بل يؤدي إلى إلحاق ضرر أكبر على المدى الطويل.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz