هل لاحظت أن مؤسستك تركّز بشكل كبير على بناء قوة عاملة سعيدة ومشاركة بحيث أصبح قادتك يتجنّبون النزاع بشكل كبير؟ أنا أرى أمثلة على ذلك في كل وقت. ومن بين الدلائل التي تُشير إلى تفادي فريقك للنزاع هو أن أقلّ ما يزعجك في أي اجتماع سيجعل شخصاً ما يقترح عليك "حلّ هذا المسألة بشكل مستقل". وهذا ما يحفّز ظاهرة الاجتماعات المتعاقبة، وهي سمة أخرى لثقافة تجنب النزاع.

وتشمل الأمثلة الأخرى المسؤولين التنفيذيين الذين يسمحون لقوائم أولوياتهم بالتضخم خوفاً من قول كلمة "لا" لأي شخص. أو المدراء الذين يخلقون حلولاً مؤقتة غير عادلة وغير فعّالة بدلاً من التعامل مع أحد أعضاء الفريق غير المنتج، والموظفين الذين يتركون إحباطهم واستياءهم تجاه بعضهم البعض يتفاقم بدلاً من إدارة المشكلة. وليس من المستغرب أن يتفادى فريقك النزاع. إذ نعيش في عصر نمجّد فيه رفاه الموظف وسعادته، حتى بدأنا بالتفكير في النزاع باعتباره يتناقض مع المشاركة.

لكن الواقع مختلف تماماً، حيث أرى بدلاً من ذلك أن أعظم تحديات المشاركة تكمُن في المؤسسات التي تتجنب النزاع. إن تجنّب النزاع يعني فشلك في إجراء المفاضلات اللازمة لتحديد الأولويات التي قد تُسفر عن أعباء هائلة في العمل. وتجنب النزاع يعني تحمّل ضعف الأداء، ما يعني أن على الموظفين الآخرين إنعاش فترة الركود. وتجنب النزاع يعني أنه ليس من الآمن التعبير عن المعارضة أو الإحباط، وهو ما يعني توليد الإجهاد والاستياء. وتُعتبر القدرة على طرح القضايا وإدارتها بشكل بنّاء أمراً حاسماً في وجود ثقافة صحية.

كما أن تجاهل القضايا لا يؤثر على المشاركة فحسب، بل يُعتبر تجنب النزاع أمراً سيئاً للشركات أيضاً. هل يميل فريقك إلى تقليل الموارد على عدد كبير جداً من المشروعات لدرجة ألا يحصل أي منها على أي زخم؟ هل تمكث في صومعتك بأمان، وتفقد فرصة تلاقح المعارف التي تولّد الابتكار؟ هل خططك مليئة بالمخاطر والافتراضات غير المعلنة خوفاً من بدء الشجار؟  هل يمكنك التفكير في مثال ما في مؤسستك، حيث أدى الفشل في إدارة نزاع مثمر إلى تعطيل الأعمال؟

لكنك لست وحدك. إذ نقوم غالباً بتفادي النزاعات وتجنّبها وتأجيلها بدلاً من العمل على حلّها ومساعدة مؤسساتنا على المضي قدماً. والنتيجة هي أن نجد فرقنا غارقة بديون النزاعات. وتُعرّف ديون النزاعات بمجموع كل القضايا التي لم تُناقش ولم تُحل والتي تقف في طريق التطور. وقد يكون دين النزاع بسيطاً مثل حجب التعليقات البنّاءة التي من شأنها أن تتيح لزميلك القيام بعمل أفضل، وقد يكون بليغاً مثل تأجيل القرار الاستراتيجي حول وقت توسيع نطاق خط إنتاجك الجديد.

وإغلاق ديون النزاعات في فريقك هو أمر بالغ الأهمية، لكنه لن يكون سهلاً. وتكمن المشكلة في أن فريقك قد يفتقر إلى المهارات والعقلية لتوجيه النزاع بشكل مثمر. وأحد أسباب ذلك هو أننا نميل بالفطرة إلى الانسجام مع من هم ضمن نطاق مجموعتنا. ثانياً، لقد تربّينا على أن نكون مهذبين. هل لديك جدة مثل جدتي التي كانت مولعة بالقول: "إذا لم تستطع قول أي شيء لطيف، فلا تقل أي شيء على الإطلاق؟". ثالثاً، سنُكافأ مجرد بدء العمل عند تواصلنا مع زملائنا، ويُساء فهمنا في حال تسببنا بأي جلبة. وقد تعلمت هذا في وقت مبكر من حياتي المهنية، حيث مضى على عملي مدة ثلاثة أشهر فقط عندما وبخت من قبل موظف كبير لتقديم ملاحظات مباشرة إلى زميل كان يرتكب أخطاء في التقارير المقدمة إلى الزبائن. وتأثرت سمعتي عند الإشارة إلى الأخطاء أكثر من ارتكابه هو لهذه الأخطاء. وأصبح نفورنا من النزاع أعمق.

ولم تكن حلولنا حتى الآن أهلاً للمهمة. لقد تعاملنا مع نقص النزاع المثمر باعتباره فجوة في المهارات. واعتمدنا على الكتب والمقالات والبرامج لتزويد الموظفين بالكلمات الصحيحة الواجب قولها لتجاوز النزاع بشكل بنّاء. لكن لسوء الحظ، نادراً ما أرى هذه المهارات تُستخدم. إذ إنّ النفور من النزاع قوي لدرجة عدم كفاية مجموعة المهارات الجديدة والأنيقة في جعل الأفراد يثيرون قضايا خلافية. وحتى إذا ساعدناهم في حشد الشجاعة لتهدئة النزاعات، فإنّ الحجم الهائل للمحادثات الصعبة التي ستُعقد لاحقاً يستنفد معظم الأفراد. لذلك، نحتاج إلى حل أكثر شمولاً ينجح في تركيز عقليتنا وثقافتنا حول النزاع. كنت أعمل على مدار السنوات العشر الماضية على طرق لتطبيع النزاع لجعل القضايا اليومية أقل عبئاً على جميع المعنيين.

ويكمن أحد الأساليب التي حققت فيها نجاحاً كبيراً في صميم لغتنا وتعابيرنا حول العمل الجماعي. إذ هاجمت العبارات المجازية المضلّلة التي تصوّر العمل الجماعي كمسعى متناغم وسعيد. والصورة المجازية المفضلة لدي بشكل شخصي، وأعني بذلك تلك التي تجعلني أرغب بنزع شعري، هي ملصق المكتب الذي يحتوي على صورة طاقم من المجدّفين الذين يقومون بتموجات متزامنة في المياه الزرقاء الهادئة. وليس من المستغرب أن يواجه فريقك مشاكل في النزاع. إذا كان هذا الملصق معلقاً على حائط قاعة المؤتمرات الخاصة بك. إذ إنك ترسل رسالة مفادها أن لاعبي الفريق الجيد يسيرون على نفس الخطى.

لنطوّر استعارة المجدّف للحظة. تخيّل أنك عضو في فريق يتوقّع جميع أفراده العمل على نفس القارب والتجديف معاً في نفس الاتجاه، وفكّر في الاحتكاك الذي قد ينشأ بشكل طبيعي عندما يختلف شخص ما معك. "من هو هذا الأحمق الذي لا يتّفق مع وجهة نظري؟". يقود الاحتكاك الأفراد إلى التمسك بنوعين من النزاع غير المثمر للغاية أو تجاهلهما تماماً.

وللحصول على نزاع مثمر، تحتاج إلى خلق توقع بوجود توتر في فريقك، بل ينبغي أن يكون هناك توترات بالفعل. وإذا تمكّنت من التعبير عن ماهية التوترات المرغوبة والصحية والمثمرة، يمكنك منع الأفراد من تفسير تنوع الفكر على أنه ديناميكي مختل. ويمكنك مساعدتهم على إدراك ذلك بالفعل. على سبيل المثال، يجب أن يكون قسما المبيعات والعمليات في علاقة متوترة مع بعضهما البعض. وإذا لم تُحبط المبيعات والعمليات أحدهما الآخر، فهذا يدلّ على عدم وجود من يمارس ضغوطاً بقوة كافية. يجب أن يبحث قسم المبيعات عن حلول مبتكرة وجديدة ومختلفة للزبائن، في حين يجب على قسم العمليات أن يحاول خلق اتساق يدعم الكفاءة. هناك توتر طبيعي وصحي هناك. وبالمثل، هناك توتر بين قسم البحوث والتسويق والأدوار في مقر الشركة والأدوار في الميدان، وإلى غير ذلك.

ويمكنك تطبيع النزاع المثمر على فريقك عن طريق ممارسة تمرين لتحديد القيمة الفريدة لكل دور والتوترات التي ينبغي أن تنشأ بين هذه الأدوار. إليك الطريقة. ارسم دائرة وقسم تلك الدائرة إلى أوتاد كافية لتمثيل كل دور في فريقك. واطرح الأسئلة التالية في كل دور:

1) ما هي القيمة الفريدة لهذا الدور في هذا الفريق؟ إلام ينبغي لهذا الشخص أن يولي اهتمامه دون باقي الأفراد؟ ما الذي قد نفتقده إذا كان هذا الدور غير موجود؟

2) على أي من أصحاب المصلحة يجب أن يركّز هذا الدور؟ ومن يخدم؟ من الذي يحدد النجاح؟

3) ما هو التوتر الأكثر شيوعاً الذي يسفر عنه هذا الدور في مناقشات الفريق؟ ما المسألة التي يجب أن يُثيرها الموظف في هذا الدور والتي تُشعل غضب الآخرين في كثير من الأحيان؟

أجب عن هذه الأسئلة لكل عضو في الفريق، واملأ الأوتاد بالإجابات. وبينما تقوم بالإجابة، أكد على مدى أهمية كون الأدوار المختلفة في تعارض مع بعضها البعض. واستخدم أثناء التمرين أمثلة المشكلات الخلافية التي واجهها فريقك لتوضيح هذه النقاط. وراقب الوجوه وهي تضيء عند إدراك الفريق أن افتقاره إلى تقدير هذه الديناميكية قد تسبّب في العديد من الحجج والضغائن فيما بينهم. وتحدث عن كيفية استخدام كل من هذه المنظورات المختلفة كمعايير في اتخاذ القرار من الآن فصاعداً.

وبمجرد الانتهاء من هذا التمرين، سترى أن الفريق قادر على التوافق حول القرار عندما تُعرض عليه جميع المعلومات في الغالبية العظمى من الحالات. وفي حال فشلهم بذلك، فإن أكثر الطرق فاعلية هي إحالة القضية إلى قائد الفريق لاتخاذ القرار مع مراعاة جميع المنظورات.

إن ما ستكتشفه باستخدام هذا التمرين سيفتح الكثير من المناقشات الرائعة. ومهمتك هي استغلال هذه المناقشات لمعالجة مشكلات مثل: شخص يدافع بشدة عن وجهة نظره الضيقة أو توقّف عضو في الفريق عن إضافة قيمته الفريدة معرّضاً فريقه للمشاكل بطريقة ما أو عدم توازن في فريق يتضمن أصحاب مناصب متعددة لإنجاز دور واحد مشترك يعوق عليهم تأدية أدوارهم الفردية أو أهداف الأداء التي لا تتوافق مع مصالح الفريق بشكل عام.

وسيبدأ فريقك مع زيادة الوعي واللغة المشتركة في إدراك أن الكثير مما فُسّر على أنه احتكاك بين الأشخاص كان بالفعل توتراً صحياً قائماً على الأدوار. سوف يدرك أن النزاع والتوترات ليست نقيض الفرق متعددة الوظائف، بل أحد الفوائد الرئيسة لها. أو كما أحب أن أصوغها، النزاع هو ميزة، وليس خللاً في الفرق.

وأنت مدين لمؤسستك بإخراج فريقك من ديون النزاعات. لذلك، بدلاً من التدرب على مهارات النزاع، ابدأ بتطبيع النزاعات من خلال تأطيرها على أنها توترات مثمرة قائمة على الدور. وسيؤدي ذلك إلى خفض تواتر النزاع الحقيقي بين الأشخاص إلى مستوى يمكن التحكم فيه وإيلاء أهمية لبرنامجك التدريبي على مهارات النزاع.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

error: المحتوى محمي !!