كنت أتناقش مؤخراً مع قائد ذو منصب رفيع في شركة تطوير وتعليم عالمية عن منهج شركته في تعليم القيادة. كان يتحدث عن مساعدة القادة على التأثير في الآخرين. سألته "هل تُعلّمون القادة كيف يتأثرون بغيرهم أيضاً؟"، فكر لدقيقة وأجاب "لا. لا نقوم بذلك".

هذه فجوة أساسية في المناهج القيادية. لقد انتقلنا خلال السنوات من النظر للقائد كبطل إلى النظر له كحالم، واستراتيجي، ومبتكر لثقافة، وبان لفريق. وعلى الرغم من تحول تصوراتنا عن القيادة وتطورها، إلا أننا نبدو عالقين في عقلية كتاب ديل كارنيجي "كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس" لعام 1936. إذ لا زلنا نرى أنّ جوهر القيادة يكمن في التأثير في الآخرين لفعل ما نريده منهم. أما الأشخاص الذين يتأثرون بالآخرين فلهم تسمية أقل شأناً: وهي تابعون.

حتى أنّ هوسنا بالتأثير بالآخرين وبغضنا للتأثر بهم يظهر في أدبيات القيادة. لقد حصلت من بحثي في جوجل عن "كيف تؤثر بالآخرين" على 288,000 نتيجة، أما بحثي عن "كيف تتأثر بالآخرين" فقد عاد بعدد أقل بكثير. نفس النتائج ظهرت في موقع (HBR.com) مع 235 نتيجة، و6 نتائج على الترتيب.

كذلك تتجلى هذه الفجوة في لغتنا ومقاييسنا للقيادة. لدينا مقاييس عديدة لقياس مدى نجاح القادة في التأثير. مثلاً، نحن نقيس مدى قدرة القادة على خلق توافق والتزام حقيقي بخططهم، ونقيس مدى سرعة القادة في التنفيذ والتغلب على المقاومة للتغيير. لكنني عند البحث في الدراسات لم أعثر على طرق مماثلة لتقييم مدى استعداد القادة للتأثر أو مدى شفافيتهم حيال الطريقة الأفضل للتأثير. وفي ما عدا المصطلح العام "منفتح العقل"، ليس لدينا كلمات متداولة يمكن استخدامها للتحدث عن درجة انفتاحنا وتأثرنا بالآخرين.

ينتج عن عدم قدرتنا أو عدم رغبتنا في مساعدة الآخرين على التأثير فينا، منع الفرق والمؤسسة من تحقيق نتائج أفضل. لهذا حولنا انتباهنا بمرور السنين إلى ممارسات قيادية مختلفة تتطلب منا كقادة الانفتاح على أن يتم التأثير بنا. لقد تبنّينا في الستينات والسبعينات القيادة التشاركية، واستهوتنا في التسعينات المؤسسة التعلميّة، ومن ثم ركزّنا في السنوات الأخيرة على أهمية تقليل الإهدار، ومعايير سيغما والتنوع. وتقوم كل هذه الممارسات القيادية والتنظيمية على فرضية قوية: سنحصل على نتائج أفضل بكثير إن استمعنا وتأثرنا بمن هم في مواقع مختلفة ويحملون وجهات نظر مختلفة، بدل الاعتماد فقط على أفكار من هم في السلطة.

ومع ذلك، يبقى تناول هذه الفرضية علناً محدوداً، ناهيك عن وضعها موضع الممارسة. يتوجب عليك إدراك أنك إذا لم تكن منفتحاً بصدق على التأثر بالآخرين، سيفشل على الأغلب أي منهج قيادي تستخدمه يعتمد المعرفة الجماعية للفريق.

الآن، إن كنت من المؤمنين بأنّ التنوع الفكري والتأثير المتبادل أساسيان لقيادة فعالة وأداء أقوى للفريق، من ناحية أنهما يؤديان لحلول خلّاقة للمشاكل وقرارات أفضل جودة، وابتكارات أعظم، فإن السؤال المحوري الذي يجب أن تسأله لنفسك هو: "كيف يمكنني تطوير ونمذجة الانفتاح بحيث أتأثر بالآخرين؟". يأتي الانفتاح كنتيجة لعاملين اثنين: 1) مدى استعدادك للتأثر، 2) مدى شفافيتك حيال الكيفية التي يمكن للآخرين التأثير بها فيك.

يزداد مدى استعدادك للتأثر بالآخرين مع تقبّلك لوجهات نظر خارج المجموعة الأساسية لمعتقداتك الخاصة. مثلاً، قد تكون مستعداً  لتقبّل فكرة أنّ بعض المعلومات الضرورية تنقصك أو حتى أنّ بعض معلوماتك خاطئة عن موقف ما، لكنك لا تكون منفتحاً على وضع فرضياتك الأساسية عن الوضع موضع تقييم. أنت في هذه الحالة مستعد للتأثر بالآخرين فقط إلى الحد الذي لا يُحدثون فيه تغييراً جذرياً على أفكارك الأصلية عن الموقف.

وحتى لو كنت منفتحاً على التأثر بالآخرين، قد لا تُظهر شفافية حيال كيف يستطيع الآخرون التأثير بك. إليك هنا أربعة مستويات تستعرض مراحل متزايدة من هذه الشفافية. يصف كل مستوى استراتيجية يستخدمها الكثير من القادة والفكر الكامن وراءها:

لن أخبرك أنني منفتح على التأثر بالآخرين. في هذه المستوى أنت غير متعاون مع الآخرين. عليهم إن أرادوا التأثير بك أن يكتشفوا بأنفسهم ما إذا كنت منفتحاً على التأثر. إن لم يكتشفوا ذلك فهم لا يستحقون التأثير بك.

سأخبرك أنني منفتح على التأثر، لكن لن أخبرك بما يؤثر بي. في هذا المستوى أنت توفر حداً أدنى من المساعدة. لكن يعود للآخرين اكتشاف ما سيؤثر برأيك وما لن يؤثر به. مثلاً، أنت لن تخبر أحداً أن همك الأساسي هو تقليل وقت تنفيذ المشاريع وأنّ الأفكار التي ستؤثر بك هي فقط تلك التي تحقق هذا الهدف.

سأخبرك بما يؤثر بي، لكنني لن أساعدك في مسعاك لإقناعي. هنا أنت تخبر الآخرين بأنواع المعلومات أو المنطق الذي يؤثر بك، لكنك ترى أنها المسؤولية تقع كاملة على الآخرين كي ينجحوا في مسعاهم لتغيير رأيك. من يجادل أفضل يفوز. سبق لي أن عملت مع رئيس تنفيذي استخدم هذا الأسلوب. كان مستعداً لإخبار فريق الإدارة ما يتطلبه تغيير رأيه، لكن كان كل أعضاء فريقه يعرفون أنه ذكي جداً ومتقّد الذهن بحيث أنهم نادراً ما يستطيعون "التغلب عليه في النقاش".

سأخبرك بما يؤثر بي، وسوف أساعدك في مسعاك. في هذا المستوى، أنت شريك كامل في مساعدة الآخرين بالتأثير فيك. تخبرهم جميع المعلومات التي تؤدي لتغيير رأيك. إن لم يكن لدى الآخرين القدرة الكلامية لإقناعك فأنت لن تستخدم مهاراتكك الكلامية لإضعاف مسعاهم، بل ستستخدمها لصالح قضيتهم. مثلاً، عندما يخبرك نائبك للشؤون المالية أنّ عليك تقليل عدد الموظفين فوراً، وكنت لا توافقه الرأي، فأنت تساعده في مسعاه بأن تقول له مثلاً: "عارضتك لاعتقادي أنك قلت أننا نواجه ربعين سنويين من المكاسب المتدنية. أنا مستعد للتعامل مع محللي وول ستريت إن كانت هذه هي الحال. أما إن كنت تقول أنّ إيراداتنا حقاً ستكون أخفض مما هو متوقع في جميع فصول السنة فأنا مستعد لتقليل العمالة فوراً. ساعدني كي أفهم، هل هما فصلان أم أربع فصول أم ماذا؟ وما هو الوقت الذي نحتاجه للعودة إلى العدد الحالي من الموظفين؟".

في حال كنت تتساءل لم عليك أصلاً جعل الآخرين يقنعونك برؤية شيء ما من منظور مختلف، فقد بلغت لبّ المشكلة: إنها عقليتك. فقد تكون من أولئك الذين يرون في التأثر بالآخرين ضعفاً بدل رؤيته كقوة، وربما ترى في اختلاف وجهات النظر فرصاً للفوز بالنقاش وإثبات أنك على صواب بدل النظر إليها كفرص للتعلم.

لهذا عليك تسهيل عملية تزويد الآخرين لك بالمعلومات المؤثرة إن كنت منفتحاً بصدق على أن يتم التأثير بك. هكذا تصبح أكثر كفاءة. كلما زادت معرفة الآخرين بما يؤثر فيك، وكلما ساعدتهم في مسعاهم ستتمكن من التقرير بشكل أسرع ما إذا كانت تلك المعلومات وذلك المنطق يستحقان تغيير رأيك. وإلى أن يبلغ اهتمامك بالتأثر بالآخرين نفس قدر اهتمامك بالتأثير بهم ستبقى فاقداً للنصف الآخر من المعنى الحقيقي للقيادة، وسيشعر مرؤوسيك بهذا النقص.

ومثلما يمكنك أن تكون شفافاً أكثر حيال كيفية التأثير بك، يمكنك أيضاً معرفة ما إذا كان الآخرون منفتحون على التأثر بك. فقد تقول لأحدهم مثلاً، "هل أنت منفتح على التأثر في هذه القضية؟ أنا أسألك لأنني أريد توظيف وقتك ووقتي بكفاءة. إن لم تكن منفتحاً، فقط أخبرني وسوف أنسى الموضوع. إن كنت منفتحاً على التأثر، سيكون عليك إخباري بالعوامل المهمة التي يمكن أن تُغيّر رأيك لأركّز عليها فقط. سأخبرك فوراً إن لم يكن لدي معلومات عن هذه العوامل. ما رأيك؟".

سعى الكثير من القادة لفترة طويلة من الزمن من أجل تحقيق فوائد من منهجيات تتطلب تنوعاً في التفكير شريطة ألا تتطلب منهم تغيير رأيهم. وعندما تفشل هذه المنهجيات تراهم يتساءلون عن سبب فشلها. لا تسير الأمور هكذا. إن أردت من الآخرين الانفتاح على تأثيرك، عليك الانفتاح على تأثيرهم.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!