عندما نقوم بتدريس مادة الاستراتيجية لطلاب ماجستير إدارة الأعمال، ندرك أنهم يريدون عصاً سحرية من شأنها أن تجعل شركاتهم تنمو لوقت طويل. وقد ركزنا لمدة طويلة على أهمية “تأثير شبكة العلاقات” بصفتها الخلطة السرية لنجاح نماذج الأعمال المختلفة. ويستخدم خبراء الاقتصاد مصطلح “تأثير شبكة العلاقات” لوصف البيئة، حيث تقدم السلعة أو الخدمة منافعاً متزايدة كلما زاد عدد مستخدميها. ويمكن أن يكون تأثير شبكة العلاقات مباشراً: فمثلاً، تصبح خدمة تطبيق سلاك (Slack) أكثر فائدة حين يستخدمها أشخاص آخرون. كما يمكن أن يكون تأثير شبكة العلاقات غير مباشر أيضاً، وذلك عندما تتأثر مجموعة واحدة من المستخدمين إيجاباً كلما انضم نوع آخر من المستخدمين إلى المنصة. على سبيل المثال، لن يكون موقع إير بي إن بي (AirBnB) مفيداً للمسافرين في حال كان أصحاب المنازل لا يستخدمون هذه المنصة. وفي المقابل، لن يرغب أصحاب المنازل في استخدام إير بي إن بي إذا لم يكن المسافرون يستخدمونه للعثور على مكان لهم للإقامة.

ولمدة طويلة، لاحظنا أنّ تأثير شبكة العلاقات يمكن أن يوفر قوة سوقية وميزة تنافسية مستدامة أو حتى ميزة تنافسية معززة ذاتياً (وهو النوع الأفضل). فكلما جذبت مستخدمين أكثر، كلما اتسعت قاعدة المستخدمين لديك، وأصبح عرضك أكثر جاذبية لمستخدمين محتملين.

وخلال نهاية طفرة الدوت كوم (والتي تشير إلى فقاعة تكنولوجيا المعلومات بين عامي 1995 والعام 2000) في وادي السيليكون، كانت أطروحتي عن تأثير شبكة العلاقات، وكان رواد الأعمال وقادة الشركات متحمسين بشأنها كثيراً. لكن اليوم، يبدو أنها ليست كل ما نطمح إليه.

على سبيل المثال، في العام 2000، ظن الناس أنّ لدى شركة مايكروسوفت تأثير شبكي لا يمكن استبداله. وكانت مثل الطفل المدلل الذي جذب انتباه رجال الأعمال والمؤسسات، فمن الذي بمقدوره التخلي عن النظام الإيكولوجي لمايكروسوفت ولا يستخدم برامج مثل وورد وإكسل؟ هذا التوقع الذي ألصقه العملاء بنظام تشغيل ويندوز جعل المطورين والشركات المصنعة لأجهزة الكمبيوتر يشعرون بدافع للتركيز على المساهمة في النظام الإيكولوجي لمايكروسوفت. ومع ذلك، في العام 2018، نجد أنّ شركة مايكروسوفت تواجه صعوبات في الاحتفاظ بعملائها داخل نظامها الإيكولوجي، إذ يقدم مطوروا الويب العديد من المنتجات التي لا تعتمد على ويندوز، (لقد كتبت مثلاً هذه المقالة باستخدام مستندات جوجل، وليس برنامج مايكروسوفت وورد).

ما الذي تغير؟ ولماذا لم يعد لتأثير شبكة العلاقات تلك الأهمية؟

لقد حدث ذلك لسبب محدد، إذ لا يرتبط تأثير شبكة العلاقات اليوم بجهاز معين، مثل جهاز كمبيوتر مكتبي. فمنذ العام 2000 وبعد مرحلة ظهور أجهزة الكمبيوتر المكتبية، شهدنا تطوراً للعديد من الأجهزة المختلفة، مثل الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية والمساعدات الرقمية مثل أليكسا، هذا يعني أنّ تأثير شبكة العلاقات لم يعد مرتبطاً بقطعة معينة من جهاز ما؛ كما كان الحال مع الكمبيوتر المكتبي في التسعينيات. أما اليوم، فإنّ أي مفاهيم جديدة لنطاق شركات التكنولوجيا تعتمد على ملفات تعريف للمستخدمين التي يمكن نقلها إلى برامج أجهزة مختلفة.

هذا يعني أنّ البرامج التي تعزز تأثير شبكة العلاقات قد تكون برامج رقمية بحتة. إذ لا تعتمد شبكات التواصل الاجتماعي أو التطبيقات المختصة بالنقل أو الأسواق الرقمية على أي نوع من الأجهزة، ونتيجة لذلك فهي غير مكلفة بالنسبة للمستخدمين في حال أرادوا تجربة تطبيقات جديدة. فوجود خمسة تطبيقات مختلفة للتواصل الاجتماعي على هاتفي لا يعد مشكلة على الإطلاق. في المقابل، فإنّ وجود خمسة أجهزة مكتبية مع أنظمة تشغيل مختلفة، يعد أمراً مكلفاً جداً. (وهناك أمر مشابه بالنسبة لمطوري الويب، فإنّ كتابة شيفرة لبرنامج جديد أقل تكلفة من تصميم وشحن جهاز جديد).

إنّ تأثير ذلك على المنافسة واضح جداً، خذ بعين الاعتبار شركتي ليفت وأوبر، فإنّ شركات كهذه مختصة بالنقل تشهد منافسة شديدة، وهناك شركات تخسر الكثير من المال بسبب تخصيصها لمبالغ مالية ضخمة لرأس المال الجريء، وذلك في محاولة للوصول إلى نطاق واسع. في المقابل، يمكن للمستخدمين تحميل تطبيقات ليفت وأوبر بسهولة على هواتفهم بحكم أنها أقل تكلفة. وكما هو الحال بالنسبة للسائقين، فإنّ العديد منهم لديهم تطبيقات ليفت وأوبر، وبإمكانهم اختيار العمل على أية منصة من شأنها أن تدر عليهم الربح الوفير.

تذكرنا هذه الأمثلة بأنّ تأثير شبكة العلاقات يعمل فقط كمصدر للميزة التنافسية إذا كان منتجك “لا يمكن الاستغناء عنه“. وأنّ الحجم لن يحقق ميزة تنافسية مستقبلية من خلال تأثير شبكة العلاقات إذا كان يمكن لجميع عملائك التخلي عن منتجك في أي وقت.

ويزعم بعض الناس أنّ المنصة الرقمية يمكن أن تصبح غير قابلة للاستبدال من خلال امتلاك العملاء للبيانات عليها. وتفسير ذلك هو أنّ البيانات المخزنة على منصة ما يمكن أن تؤدي إلى التقيد والالتزام بها والذي بدوره سيزيد من تأثير شبكة العلاقات.

ولكن التاريخ يكذّب ذلك؛ فيمكن أخذ متجر آي تيونز الموسيقي، الذي كان يوماً من الأيام المثال المفضل لدي، والذي قدمته لطلابي لتوضيح كيفية عمله كمنصة رقمية لا يمكن الاستغناء عنها، وكيف أنه يُظهر تأثير شبكة العلاقات. فاعتدت القول، بمجرد أن يكون لديك مكتبة من البيانات على شكل ملفات بصيغة (إم بي 3)، فإنه لا يمكنك التحول إلى منصة أخرى. فمن منا يريد امتلاك مكتبة موسيقية في أماكن متعددة؟ فكيف سيكون بوسعك تشغيل قائمة من الأغاني المتسقة خلال الحفلات؟ ولقد أدركت الشركات التي تقدم الخدمات الموسيقية أهمية حضورها على ذلك المتجر للوصول إلى المستمعين، وعلمت أنّ المستمعين سينجذبون تلقائياً إلى آي تيونز لأنهم يعرفون أنّ كل الموسيقى التي يفضلونها ستكون متوفرة هناك. بعد ذلك، دخلت خدمة البث الموسيقي سبوتفاي وأظهرت لنا مدى قصر زمن تلك الميزة، فما الذي تعنيه مكتبة موسيقية خاصة بملفات بصيغة (إم بي 3) عندما يمكنك بث أية أغنية وفي أي وقت؟

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!