وُثق التحيز ضد الوالدين (وخاصة الأمهات) توثيقاً جيداً. نسمي هذا التحيز "جدار الأمومة" (Maternal Wall)، ونقوم بدراسته منذ عدة أعوام، باحثين في الحالات التي تواجهها النساء اللواتي دائماً ما تحققن نجاحاً في العمل، حيث يُشكّك في كفاءاتهنّ أحياناً عندما تأخذنّ إجازة أمومة أو تطلبن جدول عمل مرن. نعلم الآن أنّ هذا الانحياز يمكن أن يؤثر على الآباء أيضاً عندما يسعون للحصول على مساكن متواضعة للعناية بأطفالهم. على سبيل المثال، أفاد مستشار في إحدى الدراسات بتعرضه للمضايقات بسبب أخذ إجازة أبوّة لمدة أسبوعين-  وفي الوقت نفسه، تمت الموافقة على إجازة لأحدهم لمدة ثلاثة أسابيع للذهاب إلى أحد الأماكن الغريبة. يواجه الوالدان مزيداً من التدقيق كما تظهر الدراسات باستمرار.

وعلى الرغم من إشارة البيانات بوضوح إلى أنه من المرجح أن يواجه الوالدان التحيز في العمل، إلا أننا نسمع في بعض الأحيان مشكلة أخرى: إذ يرى الأشخاص الذين ليس لديهم أطفال أنّ المدراء أكثر تفهماً لحاجة الوالدين العاملين إلى المرونة، في حين يتوقعون من الموظفين غير المتزوجين أو غير الوالدين قبول التحديات لأنهم "لا يملكون حياة أخرى". وقد وجد البحث فعلياً أنّ النساء اللواتي لا تملكنّ الأطفال تعملن لأطول عدد من الساعات مقارنة بأية مجموعة أخرى.

كيف يمكن للمدراء وضع سياسات مرنة وعادلة للجميع وتطبيقها؟

إنّ الإجابة بسيطة: عندما تمنح إجازة لموظف للمشاركة في أحد الماراثونات، عليك أيضاً أن تمنح إجازة لعناية والد بطفله المريض. وعندما تمنح إجازة لأن جليسة الأطفال لم تظهر مجدداً، عليك أيضاً منح إجازة لموظف لكون جدته مريضة.

على الرغم من تنوع أسباب الناس وراء حاجتهم إلى المرونة في العمل، إلا أنّ مبادئ إدارة المرونة لا تختلف.

هنا بعض التوجيهات التي يمكن للمدراء اتباعها لكي يكونوا عادلين مع الوالدين وغير الوالدين على حد سواء:

عموماً، جدول العمل الأكثر مرونة أفضل للجميع. يستفيد الوالدان وغيرهم من ساعات العمل المرنة ولكن بطرق مختلفة. بالنسبة لآباء الأطفال الصغار جداً، قد يرتبط جدول عملهم بجدول نوم طفلهم. في حين قد يحتاج آباء الأطفال الأكبر سناً إلى التعامل مع جداول مدرسية أو جداول أنشطة غير مرنة. هذا يساعد الوالدين على أن يكونوا أكثر إنتاجية ضمن الوقت الذي يملكونه، ويسهل عليهم تحقيق التوازن بين عملهم وحياتهم.

يستخدم غير الوالدين كذلك ساعات العمل المرنة لكي يكونوا أكثر إنتاجية. يعمل بعض الأشخاص بأفضل ما لديهم بين الساعة السابعة والتاسعة صباحاً، في حين أنّ الأشخاص الذين لا يفضلون ساعات الصباح الباكرة يبلغون ذروة نشاطهم عند الساعة العاشرة صباحاً. وقد يحاول أصحاب الرحلات الطويلة تغيير جداولهم لقضاء وقت أقل في زحمة المرور أو العمل من المنزل في أيام محددة. ربما يتعامل بعض الموظفين مع عملاء ضمن نطاق زمني مختلف، وقد يكون من المنطقي أن يعملوا في أوقات نشاط هؤلاء العملاء.

تعتمد أنواع المرونة القابلة للتطبيق على بيئة العمل والوظيفة. على سبيل المثال: من البديهي أنّ أمين الصندوق لا يمكنه العمل عن بعد كما لا يمكن لمحامي المرافعات أن يعود إلى المنزل يومياً عند الساعة الثالثة مساء. ولكن يمكن لأمين الصندوق أن يشارك عمله مع موظف آخر ويمكن للمحامي أن يعمل عن بعد أو أن يأخذ إجازة بعد تسوية القضية. بالنظر إلى تعدد خيارات المرونة في العمل، من ساعات العمل المرنة (التحكم في ساعات عملك) إلى العمل عن بعد والتقاسم الوظيفي (عندما يتقاسم موظفان وظيفة واحدة بانسياب)، يمكن للمدراء توفير عدد من الخيارات لاستيعاب حاجات الموظفين المختلفة.

إذا كان لديك سياسة للعمل عن بعد، يجب أن تكون محايدة تجاه الأسباب. من غير الجيد الحكم على أسباب الناس المختلفة للعمل من المنزل؛ لأن هذا  يصل بنا إلى منطقة غير مريحة: هل يتفوق الرضيع المريض على احتضار أحد الأجداد؟ بدلاً من ذلك، دع الموظف يقول لك "أنا أعمل من المنزل" من دون شرح الأسباب.

تحدث الاستثناءات عند وجود سبب لوجود الموظف في المكتب (مثل اجتماع مباشر) ولكن في آخر لحظة يطرأ أمر ما، أو عندما يشعر الموظف أنه غير قادر على التقيّد بالموعد المحدد للتسليم عند العمل عن بعد. في هذه الحالات قد يحتاج المدير إلى التحدث مع الموظف بشفافية أكبر بهذا الشأن.

تأكد من إمكانية استفادة الموظفين من سياسة العمل المرنة. لا تخبر موظفيك أنه بإمكانهم الاستفادة من سياسة العمل المرنة ومن ثم تتوقع منهم العمل من التاسعة صباحاً وحتى السادسة مساء يومياً. وجد البحث الذي قامت به ديبورا رود في المهن القانونية وجود "فجوة كبيرة بين ما تنص عليه سياسات العمل الجزئي نظرياً وبين ما يتمكن الناس من تطبيقه بحرية". يدرس أحدنا، (جوان ويليامز)، هذه الظاهرة منذ أعوام وتحديداً في مقال صدر عام 2013 بالتعاون مع ماري بلير لوي، وجينيفر بردال بعنوان "عار المرونة: الإخلاص في العمل مقابل الإخلاص العائلي" (The Flexibility Stigma: Work Devotion vs. Family Devotion) الذي وجد أنه في حين سمحت معظم أماكن العمل ببعض المرونة في ساعات العمل لموظفيها إلا أنّ معدلات استفادة الموظفين منها كانت منخفضة جداً. يعود السبب إلى ما أُثبت من وقوع عواقب سلبية في العمل مثل عقوبات الأجور وتقييمات أداء المنخفضة وقلة الترقيات.

امنح ساعات عمل مرنة لموظفيك ثم دعهم يستفيدون من هذه السياسة. تأكد من عدم إشارتك للأمر – إما باستخدام تعابير خفية (هل أنت مغادر؟ لا بد أنه شعور جميل!) أو عن طريق  تداعيات مباشرة أكثر (مثل تقييمات الأداء المنخفضة)- إلى أنه يجدر بالموظفين أن يعملوا وفقاً لعدد الساعات "الطبيعي".

ضع حدوداً وإجراءات واضحة للتواصل. ساعات العمل المرنة لها العديد من الإيجابيات ولكن لديها سلبيات أيضاً. على سبيل المثال: قد تسبب التوتر للمدراء (ماذا إن احتجت إلى التواصل مع الموظف ولم أتمكن من ذلك؟ ماذا إن طرأ أمر عاجل؟ وربما يُشعرون الموظفين أنه عليهم "الحضور" دائماً وأنّ يتفقدوا بريدهم الإلكتروني باستمرار). للتعامل مع هذه الحالات، على المدراء أن يضعوا نظاماً للحالات التي التي توجب فيها على الموظفين الاستجابة فوراً.

أنشئ حدوداً وإجراءات واضحة بحيث يكون الموظفون على علم بالأوقات التي يُتوقع منهم الحضور وعندما يكون بإمكانهم العمل وفقاً للساعات المفضلة لديهم. تأكد من علم الجميع بالقواعد وتوقيعهم عليها.

على سبيل المثال، إذا كانت ساعات عمل أحد الموظفين لديك من الثامنة صباحاً وحتى الرابعة مساء ولكنك تفضل العمل من العاشرة وحتى السادسة، يمكنك أن تخبر الموظف أنك لا تتوقع منه الرد على بريدك الإلكتروني بعد انتهاء ساعات عمله حتى اليوم التالي إلا إذا أرسلت له رسالة نصية تتضمن أمراً طارئاً. تضمن هذه الطريقة راحة البال للطرفين: يمكن للموظف أن ينتهي من عمله ويستمتع بحياته من دون القلق بشأن تفويت التحديثات المهمة المتعلقة بالعمل، ويمكنك أيضاً إرسال بريد إلكتروني للموظف وإزالة بعض الأمور من قائمة مهامك من دون القلق بشأن إزعاجه خارج أوقات عمله.

تعد هذه سياسة جيدة تناسب عطلة نهاية الأسبوع. يساعد إخبار الموظفين بأنهم ليسوا مجبرين على الاستجابة لرسائل البريد الإلكتروني المرسلة خلال عطلة نهاية الأسبوع إلا إذا تم الاتصال بهم على إعطائهم الوقت للراحة التي يحتاجون إليها، ويضمن لك إمكانية التواصل معهم في حال حدوث أمر طارئ.

حاول التأسيس للثقة مع الموظفين من ثم ثق بهم. عندما تتيح لموظفيك إدارة جداول أعمالهم لتتناسب بأفضل ما يمكن مع نقاط قوتهم وحياتهم، وعندما تعمل أنت أيضاً بما يتناسب مع حياتك، ربما يؤدي هذا إلى عدم العمل سوياً في بعض الأحيان. فكيف تضمن أنهم يعملون فعلاً عندما يقولون لك ذلك وأنهم لا يهربون من العمل والمسؤوليات وأنهم لا يقومون باختلاق الأعذار أو يقدمون مواعيد طبية مزيفة؟

باختصار، لا يمكنك أن تضمن الأمر وليس عليك أن تحاول ذلك. من أسهل الطرق لتحويل مكان عمل مريح إلى مكان سام هو محاولة إيقاع الناس في فخ الأكاذيب أو تفقدهم تفقداً غير متوقع أو غياب الثقة المتبادلة بشكل عام. ينبغي وجود ثقة بين المدراء والموظفين والزملاء كي ينجح مكان العمل. فكر بهذا الأمر كالتالي: حتى وإن كان الموظف جالساً على بعد مترين ونصف منك، هل ستراقب شاشته طوال اليوم؟ هل ستراقب كل حركة يقوم بها؟ من المؤكد أنّ الإجابة هي لا. ولكن القرب المادي يشعرنا بالسيطرة على ما يقوم به الآخرون. قضاء الوقت واستهلاك الطاقة في محاولة مراقبة ما يقوم به الموظف في كل ثانية من اليوم لن ينفع أحداً.

اقتراحنا هو بناء ثقة مع الموظفين منذ البداية والوثوق بهم. إذا كنت غير قادر على الثقة بالموظف ليعمل بعيداً عنك فهذه مشكلة تتعلق بالأداء وعليك التعامل معها بهذا الشكل.

قِس النتائج وليس العملية.

"حسناً أنا أثق بالموظفين الذين لدي، لكني لا زالت بحاجة إلى معرفة ما يقومون بفعله!".

نتفهم ذلك، لذلك نصيحتنا هي قياس الموظف من خلال العمل الذي ينتجه بدلاً من الأسلوب الذي يتبعه لإنجازه.

حان وقت الابتعاد عن مكافأة الموظف الذي يعمل لثمانين ساعة أسبوعياً لمجرد تسجيله أكبر عدد ممكن من ساعات الحضور "الشخصي" في المكتب. هذا الاستمرار في تخصيص "الموظف المثالي" يضر بالوالدين وأصحاب الحياة الاجتماعية ويؤكد على الأداء الوظيفي غير الأساسي. من يكترث لمن يبقى لأطول وقت أمام مكتبه؟ ربما يكون هذا الموظف غير فعال نهائياً. ما عليك أن تسأله فعلياً: من يقوم بإنجاز أفضل عمل؟ من الذي ينجز معظم ما ينبغي القيام به؟ من ينجز مشاريع خالية من الأخطاء قدر الإمكان؟

يساعد تدقيقك على إنتاج موظفيك بدلاً من أماكن حضورهم على تجنب مناخ العمل السام ويعيد توجيه طاقات الموظفين بعيداً عن التظاهر بالانشغال إلى القيام بعملهم الفعلي.

السياسات أولاً وآخراً. يمكنك أن تدير موظفيك على أتم وجه، ولكن إن لم يكن لديك سياسات سارية لدعمهم ستتسبب بالكثير من المتاعب. وإليك بعض السياسات المهمة التي يجب أن تكون قيد التطبيق في مكان العمل:

  • إجازة والدية مدفوعة (لجميع الآباء!).
  • إجازات مرضية مدفوعة.
  • إجازات شخصية مدفوعة.
  • إجازات مدفوعة لحالات الوفاة.
  • إجازات العجز.

ولكن لا تدع سياساتك الداعمة تموت بل شجّع موظفيك على الاستفادة منها.

في مكتبنا، تختلف ساعات بدء العمل من الثامنة وحتى الحادية عشرة صباحاً وتختلف مواعيد الانصراف من الرابعة مساء إلى "حين استيقاظ الرضيع". عندما يكون رضيع أحد الموظفين مريضاً، ستعتمد ساعات الموظف في ذلك اليوم على "موعد نوم الرضيع"، وعندما يكون لدى الموظف موعداً طبياً أو عندما يكون مضطراً للانتظار طوال اليوم عند شركة الاتصالات أو عندما يكون بحاجة إلى أن يكون غير متوافر لمدة ساعة للتعامل مع مسألة عائلية، نتعامل مع هذا الوضع بمرونة. بالقليل من التواصل يمكن لمكاتب العمل أن تتيح للجميع إمكانية تعديل ساعات عملهم لتتناسب مع نقاط قوتهم وجداول أعمالهم والتكيف مع حياتهم.

ملخص

إيجابيات منح المرونة في ساعات العمل تفوق سلبياتها بالنسبة للموظفين الوالدين وغير الوالدين أيضاً؛ إذ أنّ كل منهم يستغل هذه المرونة بطريقته الخاصة وبما يتناسب مع ظروفه. هناك بعض الإجراءات التي تساعد المدير على أن يكون عادلاً تجاه الطرفين مثل الاعتماد على قياس نتيجة العمل وليس العملية ذاتها. ومن المهم أيضاً وضع سياسات توضح كل التفاصيل المتعلقة بمرونة العمل وتشجيع الموظفين على الاستفادة منها إذ أنّ الكثير منهم لا يطبقونها خوفاً من الآثار السلبية التي قد تترتب على ذلك.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

آخر المقالات

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!