هل لمدونات السلوك أثر على سلوكيات الشركات الأخلاقية؟

4 دقائق
مدونات السلوك
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: لجأت العديد من الشركات إلى مراجعة مدونات السلوك، وبرامج التدريب على الأخلاقيات، وغيرها من وسائل التواصل في محاولة لقمع الفساد وغيره من أشكال سوء السلوك، وتبنّت لغة شخصية تهدف إلى جعل الموظفين يشعرون بأنهم أعضاء في منظومة واحدة. لكن البحوث كشفت أن مثل تلك اللغة قد تسفر عن نتائج عكسية وتزيد من سوء السلوك.

 

حفزت حالات الفساد وسوء السلوك المؤسسي الشركات في جميع أنحاء العالم على اتخاذ خطوات لضمان أن يتخذ موظفوها قرارات أخلاقية، لاسيما بعد انهيار شركة “إنرون” (Enron) في التسعينيات من القرن العشرين والفضائح الأخيرة في شركتي “ويلز فارغو” (Wells Fargo) و”فولكس فاغن”. نتيجة لذلك، لجأت العديد من الشركات في السنوات الأخيرة إلى مراجعة مدونات السلوك وبرامج التدريب على الأخلاقيات وعمليات التواصل اليومية.

دراسة مدونات السلوك

تختار العديد من الشركات في مثل تلك المستندات والبرامج استخدام اللغة الشخصية لجعل موظفيها يشعرون أنهم جزء من مجتمع قائم على علاقات الثقة الوطيدة. تأمل مثال مدونة السلوك التي أعدّتها شركة “ويلز فارغو” بعنوان “مدونة قواعد السلوك والسلوكيات المهنية: معنى أن نحقق رؤانا وقيمنا وأهدافنا” (Our Code of Ethics and Business Conduct: Living Our Vision, Values & Goals) والتي ذُكر فيها: “يجب ألا يغيب عن بالنا وضع عملائنا في قائمة أولوياتنا ومساعدتهم في تحقيق النجاح من الناحية المالية”.

لسوء الحظ، يظهر بحثنا أن مثل تلك اللغة الشخصية قد تُسفر عن نتائج عكسية، مثل عبارة: “يجب ألا يغيب بالنا”. ويوجد دليل على أنها تزيد من سوء السلوك في الواقع.

أجرينا دراسة على مدونات سلوك 188 شركة من أصل 210 شركة مُسجلة في مؤشر “إس آند بي 500” بين عامي 1990 و2012، كاختبار أولي لتلك الفكرة. تتكون كل مدونة من مدونات سلوك الشركات من بيان رؤية الشركة ورسالة من الرئيس التنفيذي. وافترضنا بعد محادثاتنا مع الرؤساء التنفيذيين للأخلاقيات أن الموظفين يتمتعون عادة بإمكانية الوصول إلى مدونات السلوك الخاصة بمؤسساتهم التي تُستخدم في برامج التدريب على الأخلاقيات والأشكال الأخرى من عمليات التواصل في الشركة.

وأجرينا دراسة على العلاقة بين اللغة المستخدمة (شخصية أو رسمية) في مدونات السلوك تلك وبين السلوكيات غير الأخلاقية التي تمارسها الشركات. وضع مساعدو البحث الذين يجهلون أسئلة البحث وفرضياتنا رمزاً لكل مستند بناء على الدرجة التي استخدمت فيها الشركة لغة “نحن” أو “عضو/موظف”. وبحثنا بعد ذلك في المصادر الإعلامية عن أي نوع من الأعمال غير القانونية التي قد تكون تلك الشركات تورطت فيها، مثل الانتهاكات البيئية والإجراءات المانعة للمنافسة والادعاءات الكاذبة والعمليات الاحتيالية. وأظهر تحليلنا أن الشركات التي استخدمت اللغة الشخصية في مدونات السلوك كانت أكثر عرضة لأن تثبت إدانتها بارتكاب سلوكيات غير قانونية.

ووجدنا أن ذلك الدليل الأولي كان مقنعاً بما يكفي للتعمق أكثر في الرابط بين لغة “نحن” الشخصية والسلوك غير الأخلاقي. ما الذي يُفسر مثل ذلك الترابط؟ استنتجنا أنه عندما تكون اللغة التي تنقل المعايير الأخلاقية شخصية، يميل الموظفون إلى افتراض أنهم جزء من مجتمع يتسم فيه الأعضاء بالتساهل والمساعدة والتعاون والتسامح. على النقيض من ذلك، عندما تكون اللغة غير شخصية، يشعر الموظفون أنهم جزء من علاقة تعاملية تكون سلوكيات الأعضاء فيها أكثر رسمية، على سبيل المثال، “يُتوقع من أعضاء المؤسسة أن يضعوا الزبائن في قائمة أولوياتهم”.

ما الذي توصل إليه الباحثون؟

وإليكم المشكلة: عندما نعتبر مؤسساتنا أنها مؤسسات متساهلة ومتسامحة، نفترض أن احتمال تعرضنا للعقاب على سوء السلوك أقل. ووجدنا عبر 9 دراسات مختلفة بعد إجراء تجارب مخبرية وميدانية والحصول على مجموعة كبيرة من البيانات من الشركات المسجلة في مؤشر “إس آند بي” أن اللغة الشخصية (“نحن”) تدفع الموظفين إلى ممارسة سلوكيات أقل أخلاقية مقارنة باللغة غير الشخصية (“الموظفون”، “الأعضاء”)، كما يعتقد الأشخاص الذين يقرؤون لغة شخصية أن مؤسساتهم أقل جدية في معاقبة الانتهاكات الأخلاقية.

واستعنا في إحدى الدراسات بطلاب جامعيين في الولايات المتحدة للانضمام إلى أحد مختبرات بحوث المؤلفين للمساعدة في إجراء اختبارات تجريبية على الاستقصاءات والنماذج لاستخدامها في الدراسات المستقبلية. قرأ الطلاب عند انضمامهم إلى المجموعة وثائق مختلفة، بما فيها مدونات السلوك. حصل بعضهم بشكل عشوائي على مدونات سلوك كُتبت بلغة “نحن” الشخصية مثل: “نتوقع من بعضنا البعض اتخاذ أفضل القرارات والتصرف وفقاً لأعلى المعايير الأخلاقية… ونتوقع أن ينبع الصدق والخصال الحميدة من كل واحد منا بصفتنا أعضاء في مجموعة واحدة”. في حين حصل بعضهم الآخر على مدونات سلوك استخدمت العلاقة التعاملية أو اللغة الرسمية غير الشخصية مثل: “يُتوقع من جميع الموظفين، بما في ذلك المشاركين في الدراسة، أن يتخذوا أفضل القرارات وأن يتصرفوا وفقاً لأعلى المعايير الأخلاقية… ويجب أن ينبع الصدق والخصال الحميدة من كل شخص”. طرحنا على الموجودين في مجموعة “نحن” أسئلة حول تصوراتهم عن مجموعة البحث، ووجدوا بعد عملهم على بعض المهام معاً أن مجموعتهم كانت أكثر صبراً وتسامحاً من أولئك الموجودين في مجموعة اللغة غير الشخصية.

وطلبنا في دراسة مماثلة من مشاركينا الذين يعملون كأعضاء في المختبر حل لغز رياضي مؤقت على الكمبيوتر. أتيحت للمشاركين فرصة الغش في المهمة، وعرضنا عليهم حوافز عند حل اللغز، إذ أخبرناهم أنهم سيحصلون على مكافأة مالية مقابل كل لغز يحلونه. ووجدنا أن المشاركين في حالة لغة “نحن” مارسوا الغش أكثر من أولئك الموجودين في حالة العلاقة التعاملية. وبالتالي، عزز استخدام اللغة الشخصية مقابل اللغة غير الشخصية السلوك غير النزيه.

كما أجرينا تجربة متابعة ميدانية في منصة “أب وورك” (Upwork) (منصة “أو ديسك” (oDesk) سابقاً)، وهي سوق عمل عبر الإنترنت للعمال المستقلين، ووظفنا عمالاً يتمتعون بخبرة في إدخال البيانات للانضمام إلى مجموعة بحثية لبضعة أسابيع. اعتقد الأشخاص الذين حصلوا على مدونات سلوك كُتبت بلغة شخصية في هذه الدراسة والعديد من الدراسات الأخرى أن المجموعة التي انضموا إليها ستكون أكثر صبراً وتسامحاً مع السلوك غير اللائق، وهو ما دفعهم إلى الانخراط في سلوكيات خاطئة، مقارنة بالأشخاص الذين حصلوا على مدونات سلوك كُتبت بلغة رسمية. ومارس العمال الغش بسبب هذا التصور القائم على اعتبار أنفسهم جزءاً من مجموعة توصف أنها أكثر صبراً وتسامحاً.

تشير نتائجنا إلى أن الاختلافات الدقيقة في اللغة المستخدمة في مدونات السلوك التنظيمية قد ترسل إشارات مهمة إلى الموظفين حول مدى تسامح المؤسسة مع الإساءات. ونحث القادة على إعادة النظر في اللغة المستخدمة في مدونات السلوك الخاصة بمؤسساتهم وغيرها من رسائل التواصل الداخلي، وإعادة كتابتها إذا لزم الأمر بلغة أقل شخصية، إذ ثبت أنها تعزز السلوكيات الأخلاقية بين الموظفين.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشنغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية 2024 .

Content is protected !!