لطالما كانت هناك نقاشات بين الممارسين والخبراء حول أي معايير القياس هو الأفضل لتقييم أداء مؤسسة ما تقوم بتقديم الخدمات. هل الحل السحري هو رضا العملاء أم صافي مؤشر المروجين أم مؤشر جهد العملاء أم بعض معايير القياس الأخرى؟ وبينما أنه من غير المرجح تسوية هذا الجدل في وقت قريب، فنحن نقر أنّ متوسط وقت معالجة الأمور هو بلا شك أسوأ مقياس للخدمات، وهو يعني في المقام الأول مقياس مدة المكالمة أو المدة الزمنية للمحادثة.

كان الحديث يدور حول "متوسط وقت معالجة الأمور" لفترة تقارب وقت اختراع الهاتف نفسه. ونظراً لأن قسم الخدمات يمثل مركز إعداد التكاليف لدى معظم الشركات، اعتمد قادة الخدمات على متوسط وقت معالجة الأمور كأداة مهمة للحفاظ على مستويات التوظيف، وبالتالي الحفاظ على التكاليف تحت السيطرة. ومن غير المستغرب أن أرقام القياس موجودة بوضوح على سجل النتائج الخاص بأحد مندوبي الخدمات. وليس غريباً أن تدخل إلى أحد مراكز الاتصال وترى "لوحات الصدارة" والترتيب التصاعدي يحتفل علانية بأولئك الذين يمتلكون متوسط وقت أقل لمعالجة الأمور، بينما يفضح البطيئين.

لماذا يعتبر متوسط وقت معالجة الأمور مقياساً سيئاً للخدمات؟ يعزى ذلك لثلاثة أسباب:

متوسط وقت معالجة الأمور هو من مخلفات عالم الخدمات القديم. لقد تغيرت خدمة العملاء على نحو مذهل منذ ظهور خيارات خدمة المصالح الذاتية للعملاء. ويتمثل أثر الخيارات، مثل الموقع الإلكتروني للشركة ولوحات النقاش وفيديوهات اليوتيوب وغيرها، في امتصاص المشاكل منخفضة التعقيد. وتعتبر مشاكل العملاء التي ينتهي بها الأمر إلى المندوبين المباشرين بمثابة المشاكل المعقدة التي يتعذر على العملاء حلها بأنفسهم. وبينما يمكن اعتبار أن متوسط وقت معالجة الأمور كان طريقة جيدة لقياس الأداء حول أشياء بسيطة مثل التعامل مع التغيرات أو موازنة الاستفسارات أو متابعة النتائج، عندما كانت الإنتاجية هي القاعدة المتبعة، إلا أنه يعتبر وسيلة غير مناسبة لتقييم الأداء في المسائل المعقدة والتي يتضح من تعريفها أنها تتطلب وقتاً أكبر للتعامل معها. والأمر المهم الآن هو "هل قام المندوب بحل مشكلة العميل؟" وليس "ما مدى سرعة المندوب في إنهاء المكالمة الهاتفية مع العميل؟".

يمكن للعملاء أيضاً الانتباه لقصر الوقت. فعندما يدفع موظفو الخطوط الأمامية لتقليل متوسط وقت معالجة الأمور، وإذا علموا أن المشرف سيقوم بتوبيخهم بسبب استغراق الكثير من الوقت مع العملاء، فإنهم يميلون إلى الإسراع في تفاعلاتهم، حتى لو كانت مشكلة العميل تتطلب وقتاً أطول. ويمكن للعملاء إدراك ذلك الأمر. ففي المجموعات التي قمنا بدراستها، يشير العملاء إلى أن أحد أكبر مصادر الإحباط هو الإحساس بأنهم يتلقون معاملة عامة تخلو من التفاعل، وبأن المندوب يحاول إنهاء المكالمة معهم بدلاً من أخذ الوقت في التأكد من حل مشكلتهم. وإن إحساس العملاء بأنه يتم التعامل معهم بدلاً من مساعدتهم يجعل من التجربة أكثر إجهاداً بالنسبة لهم، وهو ما يبينه بحثنا ويقترحه المنطق البديهي على أنه يقلل من مستوى رضا العملاء.

متوسط وقت معالجة الأمور قاتل للثقافة. لقد أدركت الشركات الرائدة أنها تحصل على نتائج أفضل بكثير من مندوبي الخدمات عندما تقوم هذه الشركات بتمكينهم من ممارسة الحكم تجاه تفاعلات العملاء. ولا تطلب هذه الشركات من مندوبيها تحديد الأمور بأنفسهم، بل تشجعهم على فهم حقيقة الأمور. نحن نطلق على ذلك اسم مناخ "حكم الشبكة". ففي دراسة أجريناها قام 9% فقط من جميع المندوبين بالإبلاغ أنهم عملوا في مثل هذه البيئة، ولكن هؤلاء أحرزوا نتائج قوية، حيث كان أداء أعمالهم أفضل بنسبة 50% بحسب مقاييس الإنتاجية وتجربة العملاء مقارنة بالمندوبين في مركز الاتصال المتوسط. إنّ تمكين هذا النوع من المناخ يتطلب جهداً وعملاً دؤوباً. وإحدى الخطوات للقيام بذلك على الوجه الصحيح: إرسال إشارات واضحة للمندوبين بأنهم يحظون بثقة القادة في الاعتماد على أحكامهم. إرسال النصوص المكتوبة، إضافة إلى ضبط الجودة القائمة على قائمة التدقيق، وضبط متوسط وقت معالجة الأمور، وهو الأمر الذي يعتبر الأسوأ. وضبط رسائل مضادة للمندوبين، إذ تظهر أن الشركة تريدهم أن يقوموا بالضبط بفعل ما أُخبروا به وبسرعة.

وعلى الرغم من هذه المشاكل الواضحة مع متوسط وقت معالجة الأمور، يعارض المدراء إزالة معيار القياس هذا من سجلات نتائج المندوبين. ويخاف معظمهم من أن فعل ذلك سيسبب ارتفاعاً كبيراً في مدة المكالمات، وزيادة في التكاليف. ولكن بحثنا يشير إلى أن هذا الخوف ليس في مكانه الصحيح، حيث تشير الكثير من الشركات التي نعمل معها إلى أن إزالة هذا المعيار لم يكن له أي تأثيرات سلبية على التكاليف. وحسبما أخبرنا غيل ستيفنز، قائد وطني في مجال خدمة العملاء في شركة ويست فيلد إنشورانس (Westfield Insurance): "ظننا أن متوسط وقت معالجة الأمور سيزيد بعد الإزالة من سجل النتائج الخاص بالمندوبين، لقد زاد في بادئ الأمر، ثم انخفض خلال ثلاثة أشهر إلى جانب تصعيداتنا ومعاودة الاتصال لدينا. يخبرنا المندوبون أن تركيزهم قد تحول من مراقبة الساعة إلى التركيز على الاستماع النشط وحل مشاكل العملاء. ويستخدم متوسط وقت معالجة الأمور الآن فقط كمعيار قياس تنبؤي للتخطيط". وتؤكد شارون ستاينز، مديرة عمليات العناية بالعملاء في شركة لويالتي ون (LoyaltyOne) على ذلك بقولها: "تهدف عملياتنا ومعايير القياس لدينا إلى الوصول إلى وقت مناسب وليس أقصر وقت لمعالجة الأمور. ونتيجة لذلك، نقوم بقياس عملية التعامل مع جهة الاتصال، والإجراءات المتخذة لتقييم مشاكل العملاء وحلها، وهو ما يسمح لمندوبينا بالتركيز على إصلاح المشكلة". وقد أخبرنا قادة آخرون في مجال الخدمات إن مندوبيهم يصبحون في واقع الأمر أكثر كفاءة عند التوقف عن الإبلاغ عن وقت المعالجة على مستوى الوكلاء.

ما زال متوسط وقت معالجة الأمور عامل قياس مفيد لتقييم الأداء التنظيمي وفهم عوامل ارتفاع التكاليف بالنسبة لمركز الاتصال، ولكن وضعه على سجل نتائج المندوبين أو مكافأة أو فضح المندوبين بسبب مدة مكالماتهم يعتبر بمثابة تمسك بزمن كانت فيه مؤسسات الخدمات تركز على السرعة بدلاً من جودة التفاعل أو النتيجة. وفي عالم تقديم الخدمات الحالي، تحتاج الشركات إلى مساءلة المندوبين قليلاً بسبب سرعتهم وكثيراً بسبب صحة تعاملهم.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!