تابعنا على لينكد إن

تنتشر الفكرة القائلة إنّ الشركات تواجه ضغوطاً هائلة لتحقيق نتائج قصيرة الأجل على حساب النتائج الطويلة الأجل “الأفضل”، وتنتشر هذه الفكرة بشكل كبير بين المدراء التنفيذيين. أثارت هذه القضية دومينيك بارتون من شركة ماكنزي (McKinsey) الرائدة في مجال استشارات الأعمال، وكذلك لاري فينك من شركة بلاك روك (BlackRock) العاملة في نفس المجال. وحذّر البعض من السياسيين الأميركيين، مثل هيلاري كلينتون، وجو بايدن، وعلماء من مؤسسة بروكينغز (Brookings) الفكرية الأميركية، ومعهد المشاريع الأميركية، من النتائج القصيرة الأجل. وكانت شركة ماكنزي وجدت في دراسة سابقة أدلة واضحة تربط النتائج الطويلة الأجل بالأداء المالي المتفوق.

قام الباحث روجر مارتن من كلية روتمان (Rotman) للإدارة في العام 2015 بمراجعة أثر النتائج الطويلة الأجل والقصيرة الأجل من خلال مجلة هارفارد بزنس ريفيو وشرح لنا، لماذا يعتقد أنّ النتائج القصيرة الأجل تُعتبر مشكلة.

لكن لا يتفق الجميع مع هذا الطرح الذي يُجمع عليه الكثيرون.

يقول عالم الاقتصاد الأميركي الشهير لورانس سامرز، رداً على دراسة شركة ماكنزي: “أنّ النتائج لا تزال غير واضحة”، وأطلق على أسلوب الاستثمار القصير الأجل مصطلحات مثل “غامض” و”مزعزع” و”مربك”، وذكرت مجلة نيويوركر (The New Yorker) بأنه “خرافة”. ونُشرت العديد من المقالات في مجلة هارفارد بزنس ريفيو، تنتقد بطريقة أو بأخرى أسلوب الإدارة الذي يعتمد على النتائج القصيرة الأجل.

لكن في ورقة بحثية حديثة نشرها الاقتصادي الأميركي ستيف كابلان من كلية بوث لإدارة الأعمال بجامعة شيكاغو، أثار من جديد قضية الخوف من الاستثمار القصير الأجل، وما يجعل من رؤيته وحججه أمراً مقنعاً هو اعتماده في الدراسة البحث في نتائج حدثت في الماضي.

لذلك أجريت مع كابلان حواراً، وهنا جزء منه:

لماذا لا تزال غير مقتنعاً بأنّ هناك مشكلة بخصوص الاستثمار القصير الأجل في الاقتصاد على الرغم من إقرار الكثيرين بذلك؟

كابلان: إذا عدنا للوراء قبل 40 عاماً تقريباً، سنلاحظ أنّ النقاش حول الأرباح من الخطط القصيرة الأجل لم يتغير، بدءاً من مارتي ليبتون إلى الكاتبين في مجلة هارفارد بزنس ريفيو روبرت هايز، ووليام ألبرناثي. وإذا عدنا لنحو 25 عاماً، فالأمر نفسه ينطبق على مايكل بورتر، الأكاديمي الأميركي المختص في النظريات الاقتصادية، إذ قال الأخير وقتها: “أنّ النظام الأميركي لتخصيص رأس المال فاشل ويضع الشركات الأميركية في وضع خطير”. وهذا يعني أنّ الشركات الأميركية تعتمد على النتائج القصيرة الأجل منذ 40 عاماً أو ربما أكثر.

وفي المقابل، يجب أن يمثل الحديث عن الشركات الأميركية التي تتبع الآن خطط طويلة الأجل كارثة، مثلما كانوا يصفون الخطط القصيرة الأجل قبل 25 إلى 40 عاماً مضت. وهنا يجدر بنا السؤال عن التالي، كيف هو أداء الشركات الأميركية الآن؟

يمكن القول إنّ الانتقاد اليوم حول الشركات الأميركية لا يذكر، إلا أنّ الخوف هو من أنها أصبحت مربحة بشكل لا يصدق. فأرباح هذه الشركات تلامس المستويات القياسية أو تتفوق عليها، والناس متخوفون من هذا النجاح الكبير.

هل يُعتبر هذا الأساس هو الأصح؟ وإذا افترضنا أننا كنا نعتمد على النتائج طويلة الأجل قبل 20 عاماً، هل هذا يعني أنّ الشركات اليوم كانت ستكون أفضل حالاً؟

كابلان: أولاً، يمكن القول إنّ شركات الدول التي كانت تعتمد على النتائج الطويلة الأجل مثل “اليابانية والألمانية وبعض من أجزاء أوروبا”، ليست أفضل حالاً من الشركات الأميركية حالياً. فالشركات الأولى على سبيل المثال نتائجها سيئة في الوقت الراهن، وهنا يتبادر لأذهاننا السؤال التالي: شركات أي من البلدان تؤدي بشكل أفضل ولماذا؟

ثانياً، إذا كنت تعتقد بأنّ رجال الأعمال لم يستثمروا في النتائج الطويلة الأجل على الرغم من وجود بعض الفرص لتحقيق ذلك، يجب تبيان أنّ هؤلاء كانوا يبحثون عن فرص حقيقية. ويمكنني تصنيف الاستثمار في الخطط الطويلة الأجل باعتباره مثل الاستثمار في الأسهم تحت فئة “رأس المال المجازف” أو “رأس المال المغامر”. هذا يعني أنّ الكثير من المال سيذهب باتجاه هذه الفئة، وبالتالي ستكون العوائد خيالية، وذلك لأنه في هذه الفئة أنت تستثمر في النتائج الطويلة الأجل المغامرة. وإذا ما ألقيت نظرة على رؤوس الأموال المجازفة ستجد أنّ كمية الأموال التي تستخدم في هذا المجال ثابتة تقريباً على مر السنوات الماضية. على سبيل المثال كانت هنالك طفرة في الاستثمار ضمن الشبكة العنكبوتية أو “طفرة الإنترنت”، لكن كمية الأموال المتدفقة في هذه المغامرة كانت مستقرة بشكل كبير، باعتبار أنّ هذا الاستثمار جزء من سوق الأسهم على مدى السنوات الـ30 و الـ40 الماضية. كما أنّ الأرباح من هذا الاستثمار بعيداً عن طفرتها، لم تكن مذهلة، بل في المتوسط، وكانت أفضل قليلاً من الاستثمار في الأسواق العامة بالنسبة للتمويل المتوسط.

لنفترض أنه لا توجد مشاكل في الخطط القصيرة الأجل، فلماذا يثار الجدل حولها بين الفينة والأُخرى؟

كابلان: أعتقد أنّ البعض من الرؤساء التنفيذيين ممن يعتمدون على النتائج القصيرة الأجل، يقومون بموازنة الأمر في سوق الأسهم، من خلال تصريحاتهم لـ”وول ستريت” (الواجهة الرئيسية للسوق الأميركية) بأنهم يرغبون في كسب أرباح معينة. وإن لم يفعلوا ذلك، ينخفض سعر السهم، وعندما تقوم وول ستريت بالرد، يُلقي المدراء التنفيذيون باللوم على سياسة الأخيرة من خلال اعتمادها على النتائج القصيرة الأجل. وهنا أستطيع القول أنّ الإدارات في الشركات هي المسؤولة عن ارتكاب الأخطاء وليس المستثمرين.

يجب تجنب الدخول في هذه اللعبة من خلال التصريح بأنك ستقدم أرباحاً معنية من النتائج القصيرة الأجل. كما يمكنك القول بأنك ستفعل ما هو مناسب للشركة على المدى الطويل، وبالتالي، إذا قدمت الأرباح سيشاهدها السوق. وأفضل مثال عن الوضع الحالي هي شركة “أمازون”، التي خسرت الكثير من الأموال في السنوات الماضية، لكن استراتيجية الشركة كانت واضحة، ولذلك تحصل الآن على تقييم عالي. وينطبق ذات الأمر على سوق الأسهم بمجال التكنولوجيا الحيوية. فإذا كانت الشركة في هذا المجال لديها استراتيجية طويلة أجل واضحة، ربما تعاني على المدى القصير الأجل، لكن التحدي بالنسبة لإدارة هذه الشركات يكمن في المصارحة بالاستراتيجية الحقيقية وإقناع السوق بأنها صادقة.

وفي سياق متصل، أعتقد أنه هناك شركات لا تؤدي بشكل جيد، لكنها تخبر السوق إن نتائجها ستتحسن على المدى الطويل، ولكن في الحقيقة هذه الشركات تعاني من مشاكل قصيرة الأجل ومن أخرى طويلة الأجل في الوقت نفسه. ويمكن القول إنّ الرؤساء التنفيذيين لا يعجبهم حقيقة أن يخبرهم السوق أنّ نتائج شركاتهم سيئة، تماماً مثل الموظفين الذين لا يعجبهم الحصول على تقييم سنوي سيء.

ما الذي يمكن أن يقنعك بأنّ النتائج القصيرة الأجل كانت مشكلة؟

كابلان: أعتقد أنني سأكون قلقاً في حال كانت الشركات الأميركية مشابهة لليابانية أو كانت تمر بنفس التجربة التي عانتها الأخيرة في آخر 20 عاماً. ولكن الحقيقة أنّ الشركات الأميركية لا تشبه اليابانية حالياً.

وقال كل من هايز وألبرناثي ومايكل بورتر في وقت سابق إنّ الشركات الأميركية تتشابه والشركات الأخرى في العالم (بما في ذلك اليابانية)، ويتعين على شركات الولايات المتحدة أن تكون في حالة يرثى لها اليوم. وهذا غير صحيح، لأن الشركات الأميركية تؤدي بشكل جيد الآن، وكنت سأقتنع بأنّ النتائج القصيرة الأجل تُعتبر مشكلة في حال كانت كل الشركات في الولايات المتحدة لا تؤدي بشكل جيد.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz