لاشك في أن الأهل الذين يقضون قسطاً كبيراً من وقتهم خلال الأسبوع في نقل أطفالهم ما بين تدريبات كرة القدم ونادي المسرح قد يشعرون ببعض الارتياح إذا ما علموا النتائج التي توصّلت إليها الأبحاث الجديدة التي تشير إلى أن هذه الجهود لا تذهب سدىً – طالما كان أطفالهم جيدين في مادّة الرياضيات أيضاً.

فقد وجدت ورقة بحثية من جامعة كاليفورنيا في سانتا باربارة مؤخراً بأن المكاسب التي يحققها المرء من تفوّقه في مادّة الرياضيات قد عادت للارتفاع في العقود القليلة الماضية، تماماً كما حصلت زيادة في المكاسب التي يحققها المرء من تفوّقه في المهارات الاجتماعية (وهي مزيج ما بين القيادة والتواصل وغير ذلك من المهارات الشخصية). لكن الورقة تقول أيضاً بأن المكاسب التي يحققها المرء من تفوّقه في هاتين المهارتين معاً نمت بوتيرة أسرع حتى.

فما علاقة كل ذلك بالتدرّب على كرة القدم؟ لقد لجأت الدراسة البحثية إلى المقارنة بين مجموعتين من طلاب البكالوريا البيض الذكور الأمريكان (خريجو دفعة العام 1972 وخريجو دفعة العام 1992) – لرؤية مدى تغيّر الدخل المقترن بالمهارات الاجتماعية ومهارات مادة الرياضيات مع مرور الوقت. وبالاستناد إلى مسحين اثنين للمركز الوطني لإحصائيات التعليم، راجعت الدراسة علامات طلاب البكالوريا في الاختبارات القياسية الموحّدة في مادّة الرياضيات، والأسئلة المطروحة حول مشاركتهم في النشاطات اللاصفية والأدوار القيادية، والدخل الشخصي بعد مرور سبع سنوات على التخرّج من المدرسة الثانوية. وقد طابقت النتائج مع التعداد العام للسكّان وبيانات مكتب الإحصاء الوطني.

لقد وجد التحليل بأنه في الوقت الذي كانت فيه علامات مادّة الرياضيات، والرياضة، والأدوار القيادية، والتعليم الجامعي كلها مرتبطة بتحقيق دخل أعلى خلال الفترة الواقعة بين 1979 و1999، إلا أن التوجّه السائد مع مرور الوقت في زيادة الدخل كان الأقوى بين صفوف الأشخاص الذين كانوا جيدين في مادّة الرياضيات وانخرطوا في الوقت ذاته في نشاطات رياضية أو قيادية في المرحلة الثانوية. بعبارة أخرى، أن يكون المرء متفوّقاً في الرياضيات وشخصاً اجتماعياً اليوم هو أمر مربح أكثر ممّا كان عليه الحال قبل 30 عاماً.

قد يشكّك بعض الناس بأن تكون المشاركة في النشاطات الرياضية في المرحلة الثانوية أو تولّي أدوار قيادية في النوادي المدرسية (حيث تشمل الدراسة أيضاً مجموعات المطبوعات والنشر والفنون الأدائية) مؤشرات دقيقة على “المهارات الاجتماعية” – وربما يكونون محقّين في ذلك. بيد أن هذه النشاطات اللاصفية، التي تشمل عادة العمل الجماعي، والتواصل، والتفاعل العام مع الآخرين، كانت دائماً تُقرن بتطوير المهارات الاجتماعية.

التبرير الآخر لاستعمال الرياضات والنوادي كمؤشر مساعد على المهارات الاجتماعية كان مرتبطاً بالمنهجية. فبغية قياس كيفية تغيّر سعر المهارات الاجتماعية مع مرور الوقت، كان هناك حاجة إلى مقاييس متقاربة. قد لا تكون هذه الفئات خالية من العيوب، لكنها ظلت متاحة ومتّسقة مع مرور الوقت.

كما اقتصر التحليل على الذكور ذوي البشرة البيضاء للسبب ذاته – حيث أن مستويات علاماتهم الامتحانية ونشاطهم ظلّت هي ذاتها، في حين أن الكثير من الأشياء كانت تتغيّر لدى المجموعات الأخرى. وبحسب الورقة فإن “علامات مادّة الرياضيات كانت مستقرّة بين الأقران من الذكور ذوي البشرة البيضاء، ولكن لم تكن كذلك بين صفوف الطلاب ذوي البشرة السوداء – بينما سجّلت مشاركة النساء في الأدوار والنشاطات في المرحلة الثانوية تغيّراً هائلاً على مدار هذه السنوات.”

فلماذا هناك علاقة قيّمة تتنامى بين هاتين المهارتين؟ تقول المؤلفة كاثي واينبيرغر بأن الإجابة عن هذا السؤال تحتاج إلى المزيد من الأبحاث. لكن آخرين كانوا قد درسوا كيفية تأثير الابتكارات التكنولوجية على الاشتراطات المطلوبة من القوى العاملة في مجال المهارات. وقد ذكرت واينبيرغر دراسة وجدت بأن تبنّي التكنولوجيا الجديدة لم ينجم عنه تغيّر في التدريب التقني للعاملين فحسب، وإنما أيضاً في التدريب الرامي إلى تطوير مهارات التواصل المعقّدة لديهم وكذلك عملهم الجماعي كفريق واحد. وبالتالي فإن هذا الارتفاع في الطلب على المهارات الاجتماعية، والحاصل جنباً إلى جنب مع الارتفاع في الطلب على مهارات مادّة الرياضيات، قد يكون نتيجة للتقدّم التكنولوجي.

تشير البيانات إلى أن الاقتصاد هذه الأيام يكافئ التوازن ما بين المهارات الكمية والاجتماعية أكثر من أي وقت مضى. وهذا الأمر له تبعاته على الطريقة التي ندرّس بها أطفالنا – حيث أنه يلقي بظلال الشك على التركيز العالي من قبل المدارس على الاختبارات الامتحانية القياسية الموحدة في مقابل نظرة أوسع إلى تطوير المهارات – إضافة إلى التبعات التي سيتركها على حياتنا المهنية. وفي حقبة تتميّز بالابتكار التكنولوجي السريع، فإن هناك تنامياً في التوقعات بأن نتمتّع بقدر أكبر من الذكاء التكنولوجي ومهارات التواصل الشخصي.

صحيح أن الطلب على التفكير الكمي مرتفع ولأسباب مفهومة، إلا أن هناك طلباً كبيراً أيضاً على المهارات التي يتعلّمها المرء في الملاعب الرياضية.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!