كان يوماً لا ينسى لمصطفى، رائد الأعمال المقيم بوادي السيليكون في الولايات المتحدة، حيث حصل الشاب الثلاثيني على ملايين الدولارات بعد جولة بحث عن تمويل قام بها لمشروعه الوليد. إلا أنه بدلاً من الاحتفال، وجد نفسه في مكتب طبيبه مع زيادة وزن بلغت 13 كيلو غراماً، وإرهاق جسدي، وحرمان من النوم إضافة إلى مرض السكري من النوع الثاني. لقد فاقمت تلك الأخبار لوحدها حالة القلق والتعب التي يعاني منها منذ أشهر.

لقد شعر مصطفى بالتعب، وأصيب بما يطلق عليه "الإنهاك" وهو الحالة التي تصبح أجسادنا فيها مستنزفة بالكامل. لا يحدث هذا بين عشية وضحاها، بل يتشكل ذلك كحالة مزمنة وكعاقبة مباشرة لثقافة العمل الحالية التي تجبرنا على "البقاء متصلين" طوال اليوم وخلال الأسبوع، فضلاً عن حالة عدم اليقين المادي لدينا. يؤدي اجتماع هذا وذاك إلى نشوء مشاكل جمة ضمن أعضائنا الداخلية.

تطور نظام الاستجابة للضغط النفسي لدينا لحمايتنا من الخطر، لكنه في الوقت نفسه غير قادر على التمييز بين نمر حاد الأسنان يتربص بنا في البراري وبين رسالة إلكترونية تأنيبية قاسية. تبدأ التفاعلات الكيميائية لحالة "القتال أو الهروب" بالتفاعل داخل أجسادنا لتبقيها في حالة تأهب في كل مرة لا تتحقق فيها إحدى 3 حاجات أساسية لبقائنا على قيد الحياة وهي: السلامة (مثل تقليص حجم الشركة)، والمكافأة (مثل ملاحظات قاسية على أداء سيء)، والاتصال (مثل العمل مع فريق فيه كل شخص يعمل لوحده).

مع مرور الوقت، تغدو آثار الإجهاد المزمن لدينا أكثر غدراً وتنعكس على خياراتنا في الحياة: نصاب أكثر بالأرق ونعاني من قلة النوم. نستخدم الكافيين لنبقى مستيقظين صباحاً. نواجه هبوط طاقتنا ظهراً بتناول كعكة محلاة أو مياه غازية، ثم نخدر ونهدئ أنفسنا ليلاً بوجبات سريعة أو تصفح وسائل التواصل الاجتماعي أو أدوية. نصبح من تلك الفئة "دائمة الانشغال" على حساب وقتنا مع العائلة والأصدقاء، وكل ذلك من أجل العمل.

تؤدي جميع أنواع الإجهاد في الجسم إلى ذات النتيجة المتمثلة في حدوث الالتهاب الذي يمثل التعبير الأبرز عن "الإنهاك". يمثل الالتهاب مجرد استجابة مناعية وقائية في الجسم ضد أنواع السموم والإصابات المختلفة. فكر كيف تتعافى بشرتك من جرح، تبدأ العملية بتورم وإحمرار يليه اندمال للجرح، وأخيراً، تعافيه.

عندما تغدو حياتنا خارجة عن السيطرة، نقوم بتشغيل الجينات التي تتسبب بالالتهابات المزمنة وسبب أكبر وباء صحي عالمي يشهده عصرنا: الأمراض المزمنة المرتبطة بنمط الحياة (السمنة، والسكري، وأمراض القلب، والسرطان، والاكتئاب، والقلق وغيرها).

يعاني ثلاثة أرباع الأميركيين من مرض مزمن واحد على الأقل، وهو ما يشكل أكثر من 86% من تكاليف الرعاية الصحية. يكلف الإجهاد في مكان العمل اقتصاد الولايات المتحدة 300 مليار دولار سنوياً وإنفاق على الرعاية الصحية يبلغ 190 مليار دولار. ورغم شعبية وسائل التواصل الاجتماعي، فإنّ الشعور بالوحدة والعزلة الاجتماعية آخذ في الارتفاع، مع إفصاح ربع الأميركيين عن عدم وجود حتى شخص واحد لديهم يحادثونه عن قضاياهم المهمة.

كيف يمكن للإنتاجية والإبداع والابتكار الازدهار في ظروف كهذه؟ صحيح أنّ هناك العديد من القضايا بحاجة إلى معالجة، لكن علينا القيام بما يلزم لبدء توفير رعاية أفضل لأنفسنا. يتوجب علينا جميعاً العمل على تلافي الطريق المؤدية إلى الالتهاب والأمراض المزمنة والخروج من تلك الدوامة وبناء القدرة على الصمود.

نمط الحياة وعلم التخلق

يقع "علم التخلق" في مرتبة أعلى من علم الوراثة. إنه علم يدرس تأثير بيئتنا على التعبير الجيني. تقوم الأمور التي نفعلها بشكل يومي، على غرار الطعام الذي نتناوله وحركتنا ونومنا بتشغيل أو إيقاف الجينات التي تتسبب في الالتهابات والأمراض المزمنة داخل أجسادنا. تُعرّف المرونة على أنها قدرتنا على التكيف الناجح في مواجهة الضغوط والشدائد، في حين يتمثل جوهر علم التخلق في القدرة على التكيف. صحيح أنّ حمضنا النووي ثابت، ولكنه يعبر عن نفسه بشكل ديناميكي ومرن. يمكننا حين نولي اهتماماً أكثر بخياراتنا في الحياة أن نقي أنفسنا من الأمراض المزمنة بنسب تصل إلى 80 أو 90%.

نقطة البدء

  • اختر عادة لتكون عادة أساسية وحافظ عليها. غالباً ما تقدح العادة الأساسية شرارة التغيير الجيد كونها تغير طريقة رؤيتنا لأنفسنا. (على سبيل المثال، يعتبر بدء الصباح بممارسة تمارين رياضية عادة أساسية يمكنها أن تؤثر إيجابياً على خياراتنا بقية اليوم). اسأل نفسك: ما قيمي الأساسية؟ ما العادة التي ستساعدني على تجسيد تلك القيم لأكون من أريد أن أكونه؟

  • حاول إحاطة نفسك بمن يماثلونك في التفكير. يكون التمسك بالعادة الصحية الجديدة أسهل وأكثر متعة وفعالية عندما تقوم بذلك مع آخرين. يعطي هذا الدعم الاجتماعي عاملاً مساعداً لعيش حياة أطول وأكثر صحة.

  • عندما تتعثر (وسوف تتعثر)، انهض من دون انتقاد لنفسك. ستجعلك مشاغل الحياة تتعثر، وهو أمر لا مفر منه. لكن أصبح لديك دليل كبير الآن على أن معاملتك لنفسك بشكل واعتبارها الصديق الأقرب هو خيار أفضل من النقد الذاتي.


حدد مصطفى القيمة الأساسية الخاصة به على أنها "خلق تأثير". أراد أن يساعد منتجه على تغيير العالم نحو الأفضل. للقيام بذلك، عرف أنّ عليه البقاء هادئاً والاهتمام بنفسه أكثر بدل الانغماس في عالم ريادة الأعمال الذي لا يرحم. أصبحت تصفية ذهنه عادته الأساسية، حيث بدأ بممارستها 5 دقائق فقط يومياً ثم قرر تحويل الساعة التي يقضيها في الحانة أسبوعياً إلى ساعة مع مجموعة تعمل على تصفية ذهنه أيضاً. تطورت ممارسته وبات أيضاً يولي الاهتمام والانتباه لما يأكله وبدأ بتحسين خياراته الغذائية وهو ما طوّر مستويات طاقته ونومه. ساعده هذا بدوره على الاستمرار في التركيز تحت الضغط واتخاذ قرارات أعمال أفضل.

مع مساعدة قليلة من "علم التخلق"، غدا مصطفى في طريقه إلى أسلوب حياة أكثر مرونة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!