مثّل العام الماضي ناقوس خطر للكثيرين من مستخدمي فيسبوك. فمن خلال فضيحة شركة كامبريدج أناليتيكا، وشهادة مارك زوكربيرغ أمام الكونغرس، وظهور التشريعات التنظيمية العامة لحماية البيانات في أوروبا (GDPR)، اكتسبنا فهماً جديداً لمدى ما يعرفه فيسبوك عنا، وهو ما دفع الكثيرين إلى إعادة النظر فيما ينشرونه على فيسبوك وفي كيفية إدارة إعدادات هذا البرنامج وحتى فيما إذا كانوا لا يزالون يرغبون في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أصلاً.  

وفيما تستخدم برمجيات فيسبوك بياناتنا لكي تعرض لنا المحتويات والإعلانات التي تظن أنها من المرجح أن تثير اهتمامنا، يمكن لتلك البرمجيات أن تشوه رؤيتنا للعالم من خلال حصر اهتمامنا بالأشخاص والرؤى الأكثر جاذبية أو الأكثر فتنة بالنسبة لنا. ولعل تلك البرمجيات هي التي تجعل بعض خيوط التواصل عبر فيسبوك تتطور إلى محادثات حضارية ومحترمة (ولكن قد لا تمثل صورة صحيحة عن المجتمع ككل) بين أشخاص تجمعهم نفس العقلية، في حين يتحول بعضها الآخر إلى شجار مفتوح قد يتسبب في محنة شخصية ومشاكل مهنية. وهكذا تجد نفسك تحت رحمة برمجيات فيسبوك عندما يتعلق الأمر بتحديد المحادثات التي تظهر في حقل الأخبار المستجدة في كل لحظة.

إلا أنّ الأمر لا يجب بالضرورة أن يكون على هذا النحو. فمن خلال تحكمك بكيفية استخدامك لموقع فيسبوك عبر تشكيل قوائم الأصدقاء وإعدادات الخصوصية، يمكنك تجاوز البرمجيات من خلال تفضيلاتك الشخصية الصريحة وإيجاد معادلتك الخاصة للموازنة بين الانتشار والخصوصية. والأهم من ذلك أنك عندما تبدأ بالتفكير بشكل صريح حول ما تريده من تطبيق فيسبوك في لحظة معينة – هل أبحث عن مصدر للمعلومات حول الأعمال التجارية يعكس الواقع بشكل صحيح؟ أم عن بعض لحظات التسلية والاستجمام؟ أم عن دائرة موثوقة يمكنني فيها مناقشة موضوع معقد؟ – يمكنك أن تجعل خبرتك مع فيسبوك أكثر فائدة لك وأقل تلاعباً بخياراتك.  

استخدم قوائم الأصدقاء لخلق فضاءات آمنة

عندما نتصفح موقع فيسبوك، يكون هدفنا إما تقصي أخبار قطاع الأعمال الذي ننتمي إليه، أو الحصول على دعم مهني، أو التسلية بكل بساطة، آملين ألا يدخلنا ذلك في صراع مع أحد أو يبعدنا عن هدفنا الأساسي. وهنا يمكن لقوائم فيسبوك أن تساعدنا في أن يكون تصفحنا فعالاً، إذ تسمح لنا القوائم بخلق فضاء رقمي آمن على شكل مجموعة من الأشخاص نتواصل معهم في موضوع محدد عندما لا نرغب في مواجهة العالم الكبير.

وقد نحتاج لأكثر من فضاء آمن واحد؛ فربما ننشئ واحداً لتقصي أخبار قطاع الأعمال الذي ننتمي إليه واستراتيجيات العمل فيه (حتى لو كان الأمر عبارة عن محاولة لتجنب الضجر الوارد من أصدقائنا غير العاملين في نفس القطاع)، وفضاء آخر للحديث في السياسة، وثالثاً للدردشة حول أطفالنا أو حيواناتنا الأليفة أو هواياتنا الرياضية. وإذا ما كان هنالك موضوع محدد نرغب في الحديث حوله بشكل منتظم، لكنه قد يثير ملل البعض أو انزعاج البعض الآخر، يمكن إنشاء فضاء خاص بهذا الموضوع أيضاً.

ويسهّل فيسبوك إنشاء مثل تلك الفضاءات الآمنة بشكل كبير: فما عليك إلا أن تنشئ قائمة أصدقاء خاصة بكل موضوع وتضيف إليها الأصدقاء الذين ترغب في أن يكونوا داخل فضاء هذا الموضوع. (أنت الوحيد الذي يرى هذه القوائم ولا أحد يراها سواك؛ فخذ راحتك في تسميتها كما تشاء: قد يخطر في بالك إنشاء قائمة جديدة اسمها "عدّاؤو الماراثون المجانين" على سبيل المثال). وتساعدك هذه القوائم على التحكم بمحادثاتك من خلال أمرين اثنين: أولهما التحكم أكثر بما ترى، وثانيهما توفير خيارات أكثر لإعدادات الخصوصية التي تحدد الأشخاص الذين يسمح لهم برؤية ما تنشره.

تساعدك هذه القوائم أيضاً في إدارة اهتماماتك وطاقتك من خلال السماح لك بتحديد ماذا ترى ومتى تراه. أضف جميع القوائم إلى اختصاراتك (التي تظهر على يسار صفحتك على فيسبوك)، بحيث يمكنك اختيار القائمة التي تريد وأن ترى المنشورات التي ينشرها أشخاص هذه القائمة فقط، حينما لا تكون لديك الطاقة أو الرغبة في مشاهدة كل ما يضج به حقل متابعاتك الإخبارية الأساسي. لقد سبق لي أن كتبت حول كيفية استخدام قوائم الأصدقاء لاستخدام فيسبوك بشكل هادف وقدر أعلى من الحرفية، وهي نصيحة تكتسب المزيد من الأهمية عندما تكون البيئة السياسية السائدة مشحونة. وتعمل آلية قوائم الأصدقاء بشكل أفضل من آلية إنشاء مجموعات منفصلة من الأصدقاء على موقع فيسبوك، لأن أصدقاءك ليسوا مضطرين حينئذ لأن ينضموا إلى القوائم، ولأن ما تعرضه كل قائمة يشمل جميع منشورات الأصدقاء المدرجين ضمنها – وليس فقط تلك المنشورات التي ينشرونها بشكل مقصود على صفحة مجموعة معينة من الأصدقاء.

استخدم إعدادات الخصوصية لتقليص مدى انكشافك

بعد إنشاء قوائم أصدقائك، يمكنك استخدامها في إعدادات الخصوصية التي تتحكم بكل من منشوراتك. عندما تنشر على فيسبوك، استخدم لائحة خيارات الرؤية لتحديد من يمكنه رؤية هذا المنشور: الكل (عامة الناس)، الأصدقاء، أو قائمة أصدقاء محددة أو مجموعة معينة من أصدقاء فيسبوك.

استخدم قائمة فيسبوك المقيّدة لضمان ألا يرى منشوراتك المخصصة لأصدقائك الحقيقيين سوى أولئك الأصدقاء (وذلك من خلال وضع جميع الأصدقاء غير الحقيقيين على القائمة المقيدة). بوسعك أيضاً تضييق قائمة أصدقاء موضوع المناقشات السياسية على سبيل المثال لكي تتشارك آراءك السياسية مع أولئك الأصدقاء فقط الذين تتفق معهم في السياسية. كما يمكنك استخدام قائمة "أخبار قطاع الأعمال" لكي تعبّر عن رؤاك حول آخر صفقات الاستحواذ في المجال الذي تعمل فيه (مع مراعاة الحيطة والانتباه فيما تقول، لأن بوسع أي كان أن يلتقط صورة لما يظهر على الشاشة، ولذلك فإنك لا تعلم حقاً مآل ما ترسله). وإذا ما أردت مشاركت أحد منشوراتك السياسية مع زملائك على القائمة الخاصة بالمواضيع السياسية، ورغبت أيضاً في أن تجادل عمك "المهووس بالسياسة" حول هذا المنشور من دون أن يشاهد زملاؤك هذا الجدال، أرسل نفس المنشور مرتين – مرة إلى قائمة أسرتك ومرة إلى قائمة زملائك السياسيين. (لاحظ أنّ وجود شخص ما على إحدى القوائم لا يعني أنّ ذلك الشخص سيرى بالضرورة المنشورات التي تشاركها مع تلك القائمة؛ بل يعني أنّ بوسعه رؤيتها: فبرمجيات فيسبوك الغريبة العجيبة قادرة على أن تعرض تلك المنشورات على بعض أعضاء القائمة وتحجبها عن بعضهم الآخر).

أخيراً، تذكر أنّ إنشاءك لهذا النوع من الفضاءات الآمنة له مخاطره أيضاً: فحتى من دون بذل أي جهود مقصودة لفلترة المحتويات السيئة، تقدم لك برمجيات وسائل التواصل الاجتماعي رؤية مفلترة عن المجتمع ككل. وعندما تعيش في فقاعة مفلترة، يغدو من السهل الاعتقاد بأنّ الجميع يشاركونك رؤيتك للعالم – وهو سوء فهم قد يؤدي إلى عواقب شخصية واجتماعية ومهنية وخيمة. فالفضاءات الآمنة التي تخلقها يمكن أن تكون مفيدة في الحفاظ على سلامتك العاطفية وعلاقاتك المهنية، لكن لا تنكفئ إلى تلك الفضاءات بشكل كلي بحيث لا تعود ترى شيئاً آخر.

توفّر قوائم أصدقاء فيسبوك وإعدادات الخصوصية طريقة مفيدة للتحكم بخبرتك مع هذه الوسيلة المهمة من وسائل التواصل الاجتماعي وجعلها أكثر فائدة وأقل إزعاجاً لك شخصياً. إنها خطوة يتعين علينا جميعاً اتخاذها، إذا ما أردنا استرجاع علاقاتنا ومسيراتنا المهنية وديمقراطيتنا وتخليصها من استبداد البرمجيات وطغيانها.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

error: المحتوى محمي !!