بوسع النمو القائم على الابتكار أن يحل المأزق الذي تواجهه الرأسمالية الحديثة: كيف تحقق النمو الاقتصادي المستدام والقابل للاستدامة القائم على الوظائف ذات القيمة العالية والرواتب المجزية؟ إنّ هذا السؤال يمس جوهر مجتمعات ريادة الأعمال، ويمثل هدفاً سليماً في ذاته. إلا أنه هناك مشكلة تتعلق بكيفية تحقيق ذلك. صحيح أنّ العديد من الدول وضعت هذا الهدف لنفسها، ولكن القليل من هذه الدول نجحت في تحقيق ذلك.

لعل أحد أسباب صعوبة فعل ذلك يعود إلى التصورات المغلوطة الشائعة بخصوص الطريقة التي تحقّق بها النمو المعتمد على الابتكار في الماضي، وهي تصورات نمت حولها سردية خاطئة عن عملية وضع السياسات، حيث يكون روّاد الأعمال من أفراد وشركات هم شخصياتها الأساسية. ومن شأن هذا التصور إن لم تجر معالجته أن يؤدّي إلى وضع سياسات تؤدي إلى نتائج سلبية، بالإضافة إلى توزيع عائدات النمو بطريقة لا تعكس التوزيع الفعلي للمخاطر.

إنّ مجتمع ريادة الأعمال يحتاج دولة رائدة للأعمال تكون قادرة على خلق روح الثقة في شركات الأعمال الخاصة، وذلك من خلال الاستثمارات الاستراتيجية بعيدة النظر في القطاع العام والمتوزعة على مجالات مختلفة في سلسلة الابتكار. عندها سيرى روّاد الأعمال فرص النمو ويتبع ذلك انطلاق الأعمال الاستثمارية.

إنّ التطورات التقنية الحديثة كالإنترنت والتقنية الحيوية لم تنشأ بسبب اهتمام الحكومات بعملية “إضفاء الطابع التجاري”، وإنما نشأت بشكل غير مباشر عن استثمارات كانت تركّز على أهداف طويلة المدى في القطاع العام. تلك المهام التي كانت في الماضي، كصعود الإنسان إلى القمر، تُرجمت إلى العديد من القضايا التي احتاجت العديد من الأطراف للعمل سوية في شراكات ديناميكية لتحقيقها، وذلك كان كفيلاً بخلق حالة الابتكار. كما يمكن لتحديات المجتمع المعاصرة، من مسألة الشيخوخة حتى أزمة التغيّر المناخي، أن توفر هذا الشكل من التركيز والقوة المحفزة. إذ بوسعها الدفع نحو الابتكار وأن تمنح وجهة للاستثمارات الخاصة الجديدة وأنشطة ريادة الأعمال في حال بروز فرص لتحقيق الأرباح. كما يمكن استخدام التفكير المرتكز على المهام من أجل وضع خطط طريق لتطوير التقنية في ما يتعلق بأهداف التنمية المستدامة السبعة عشر.

ولا شكّ أنّ هذا يتطلب قيادة القطاع العام، بخلاف النظرة السائدة والتي تميل إلى الحد من دور هذه المؤسسات، لتقتصر على أدوار تتعلق بتحييد المخاطر أو تسهيل مهام “الأبطال الحقيقيين” (صانعي الثروات من القطاع الخاص، ورواد الأعمال محبي المخاطر) والاكتفاء بانتظار السوق للعثور على الحلول. في تلك الدول التي حققت التنمية الذكية القائمة على الابتكار، كالولايات المتحدة والدنمارك وحتى الصين اليوم، لم تكن مؤسسات القطاع العام فيها تقتصر في العمل على تمكين القطاع الخاص. بل كانت هي الأخرى تقدم على المخاطر كمستثمر مفضّل، وليس كجهة إقراض تكون آخر جهة يمكن التعامل معها. ففي شركات وادي السيليكون كان الأمر الأكثر أهمية هو الشبكة غير المركزية من مؤسسات القطاع العام الذكية، التي عملت على تسهيل حلقات التقييم في سلسلة الابتكار بأكملها. وقد اشتمل ذلك على القيام بالأبحاث الأساسية، والأبحاث التطبيقية، بالإضافة إلى التمويل الاستراتيجي الميسر وطويل المدى للشركات. هذا بالإضافة إلى السياسات التي شكلت بشكل مباشر وغير مباشر الطلب على السلع والخدمات الجديدة.

وبخلاف النظرة السائدة التي ترى أنّ هدف السياسات هو “إصلاح” أزمات السوق، فإنّ المؤسسات العامة مثل وكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية (DARPA) أو برنامج الأبحاث الابتكارية لمؤسسات الأعمال الصغيرة (SBIR) في الولايات المتحدة، ومشروع (SITRA) و(Tekes) في فنلندة، قد كان لها دور فاعل في تشكيل وخلق الأسواق. هذه الأشكال من الاستثمارات المباشرة هي أكثر نجاحاً في خلق الاستثمارات الخاصة الجديدة مقارنة بالأثر المترتب على استخدام الأموال نفسها في إجراءات غير مباشرة كالمنح الضريبية.

ويفترض هذا الأسلوب عدم الاكتفاء بخلق حالة محايدة في السوق، وإنّما تحويله بشكل فاعل إلى وجهة ما. لا يعني هذا بالضرورة الاعتماد على تقنية واحدة (وضع كل البيض في سلة واحدة)، وإنما تقديم الدعم لتوليفة من مختلف التقنيات (بناء على المشاكل التي يلزم حلها) يجمع بينها مهمة ما (المشكلة الكبيرة). أما بالنسبة للانتقاد المعتاد والقائل أنه لا يمكن للحكومات أن تختار الفائز فإنه يتجاهل حقيقة أنّ الإنترنت على سبيل المثال اختير من قبل استثمار قائم على المهمة، كما الحال كذلك مع جميع التقنيات الموجودة في الآيفون تقريباً (مثل تقنية التموضع، وسيري، وشاشة اللمس). أما في قطاع الطاقة، سواء الطاقة الشمسية أم الطاقة النووية أم طاقة الرياح، بل حتى الغاز الصخري، تلقت تمويلاً عاماً. فشركات إيلون ماسك الثلاث، سولار سيتي، وتيسلا وسبيس أكس، كلها تلقّت قرابة 4،9 مليار دولار من الدعم العام. وقد تنجح هذه الاستثمارات أحياناً (كما هي الحال مع تيسلا)، وقد تخفق أحياناً أخرى (كما هي الحال مع شركة سوليندرا)، ولكن أي رأسمالي مخاطر سيخبرك أنّ هذا أمر طبيعي تماماً.

يكمن التحدي في تجاوز هذه السردية الخاطئة والجدالات الأيديولوجية العقيمة عن تدخل الدولة أو إحجامها عن ذلك. والسؤال الذي يجدر طرحه يتعلق بكيفية تطبيق الدروس المستفادة من السياسات القائمة على المهام في الماضي للتعامل مع التحديات التي تواجه المجتمع اليوم، وذلك كي تكون أساساً لمعالجة هذه التحديات المهمة من جهة، وحافزاً وموجهاً للنمو الشامل المستدام والقائم على الابتكار. إنّ هذا يعني تطوير الأطر المفاهيمية والأدوات التحليلية والقدرات التنظيمية التي تكون قادرة على الدفاع عن هذا الأسلوب وتقييمه وتطويره.

وفي ورقة لي نشرت في مجلة الصناعة والابتكار (Industry and Innovation)، وصفت هذه التحديات في إطار المسائل الأربع التالية:

أولاً: السبل والتوجّهات 

إن كان أسلوب “دع القرار للسوق” ليس كافياً ولا فعالاً في التعامل مع التحديات التي نواجهها، فكيف يمكن تحديد الطرق الديمقراطية لاختيار مهام محددة ووضع السبل والتوجهات الخاصة بالتغيير؟

ثانياً، المؤسسات

كيف بالإمكان بناء مؤسسات تعليمية في القطاع العام، بوسعها التعامل مع المخاطر والتعلم من التجارب الفاشلة ومعرفة متى يجب التوقف واستكشاف ذلك وفهمه. إنّ هذا يعني التعامل مع السياسات باعتبارها عملية يكون فيها التعلم من الفشل أمراً يلقى القبول والتفهم. كما أنّ الحديث عن مؤسسات القطاع العام باعتبارها قائمة على أداء المهام وليست مجرد ميسّرة لأعمال الآخرين، سيساعد في استقطاب المهارات اللازمة للمؤسسات العامة ذات الرؤية المتميزة.

ثالثاً: التقييم 

لا يمكن للتحليل الثابت للتكاليف والأرباح أن يحدد الأثر الكبير للاستثمارات العامة الاستراتيجية القادرة على خلق أسواق جديدة. فهنالك حاجة لأدوات تقييم ديناميكية تعتمد على فهم أكثر عمقاً لعملية خلق القيمة في المجال العام.

رابعاً: المخاطر والمكاسب 

تلك الصورة الخاطئة عمّن يقدمون على المخاطر أدت إلى توزيع للمكاسب لا يعكس التوزيع الصحيح للمخاطر. إن كان دافعو الضرائب يتحملون أكبر المخاطر خلال المراحل المبكرة المتذبذبة من عملية الابتكار، فإنه يلزم أن يكونوا شركاء كذلك في المكاسب. ولكن ما هي الطريقة الأمثل للقيام بذلك؟ ثمة العديد من الخيارات، كالاتفاق مثلاً على إعادة استثمار الأرباح (وهو ذلك النوع من الصفقات التي أدت لإنشاء شركة بيل لابز)، أو وضع حد أعلى لأسعار المنتجات الممولة من الدولة (كالأدوية)، أو تخصيص نسبة ذهبية من حقوق الملكية الفكرية، أو الاحتفاظ بعائدات الأسهم أو العوائد النسبية إن أمكن، بالإضافة إلى القروض المشروطة بالدخل. فليس ثمة حل واحد، ويبقى التفكير في الطرق المختلفة للتوزيع الأفضل لمكتسبات الابتكار أمراً أساسياً لوضع الاستراتيجية التي لا تهدف إلى تحقيق النمو الذكي وحسب بل تسعى كذلك لجعله نمواً ذكياً وغير إقصائي.

يقولون إنّ المنتصرين هم الذين يكتبون التاريخ. والمنتصرون من شركات وادي سيليكون (كالمخاطرين برؤوس الأموال ورواد الأعمال) قد كتبوا قصصاً تسوّغ لهم المكتسبات التي حصلوا عليها. ولذلك فإنه من المهمّ أن ينظروا أسفل منهم، إلى تلك الأكتاف التي يقفون عليها، وأن ينشئوا بيئات تكافلية بين مؤسسات القطاع العام والخاص تنظر إلى عملية بناء الثروة على أنّها مشروع جماعي. وذلك لأن مجتمع ريادة الأعمال لا يقوم إلا في دولة رائدة للأعمال.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!