ظهرت خلال السنوات العديدة الماضية مفاهيم مختلفة حول "التنوع"، إذ ظهر مفهوم جديد يركز على فروق الخبرة أو المعرفة بدل المفهوم التقليدي الذي يركز على التنوع الديموغرافي. وقد لاحظت شركة ديلويت التي تقدم خدمات استشارية للشركات حول العالم بما فيها 85% من تلك المدرجة ضمن قائمة فورتشن 500 هذا الأمر، حيث قالت إنه "لطالما ركزت مبادرات التنوع في الماضي على إنصاف السكان المحميين قانونياً، لكن لدى المؤسسات الآن فرصة لتقديم تنوع أكثر قوة ودقة وهو التنوع الفكري". وبالمثل، تحثُّ شركة الاستشارات الإدارية العالمية كورن فيري (Korn Ferry) الشركات على إعادة توجيه جهودها في مجال التوظيف ليدرج التأكيد على "التنوع في وجهات النظر والخبرات والمساهمات".

كان لهذا التحول في المفاهيم عواقب واقعية وصلت إلى قمة هرم الشركات والمتمثل في مجالس إدارتها. ولقد عملنا على دراسة حوكمة الشركات منذ ما يقرب من عقدين، وكشف عملنا الذي تضمن مجموعة مقابلات مع رؤساء مجلس الإدارة وتحليل البيانات والوثائق عن تحول واضح في كيفية تناول مجالس إدارة الشركات للتنوع. وبينما أولى العمل على التنوع سابقاً الانتباه للفروقات الديموغرافية، كالنوع والعرق والإثنية، بات يعطي الأولوية بشكل متزايد الآن للاختلافات في الخبرات الوظيفية والصناعية.

ويتزامن هذا التحول مع الاتجاهات العامة للصناعة من ناحية ومن ناحية أخرى تبني صناعة الاستثمار لتعريف جديد للتنوع، إذ انضم أكثر من 50 مستثمراً مؤسسياً ممن يتحكمون برأسمال تزيد قيمته عن 22 تريليوناً إلى الموقعين على مجموعة مبادئ حوكمة تنص على أنّ "على المجالس أن تتكون من مدراء لديهم مزيج من الخبرة المباشرة في الصناعة وخبرات ومهارات متصلة باستراتيجية الشركة الحالية والمستقبلية. كما يجب أن يجسد أي مجلس جيد التأليف التنوع ويشجع عليه، بما في ذلك تنوع الفكر والخلفية". وبات العديد من الوسطاء الماليين ووكالات التصنيف وحتى الصحافة التجارية تتبنى هذا المعيار الآن كمعيار لتقييم مدى تنوع مجلس الإدارة. كما باتت الهيئات التنظيمية الرئيسية، مثل هيئة الأوراق المالية والبورصة الأميركية، تقبل الآن تفسيراً أوسع للتنوع. وبينما تطالب الهيئة المجالس بالإفصاح عن جهود التنوع التي تبذلها، إلا أنها تعترف "بأي اختلافات في طريقة تقييم لجنة الترشيح للمرشحين لمنصب المدير".

ويُظهر بحثنا أنّ إعادة تشكيل هذا المفهوم قد أدى إلى إحداث تغيير جوهري في تعاطي المجالس مع التنوع، حيث بات تركيز الاهتمام الآن على الخصائص التقنية، مثل الخبرات والمهارات، بدل التركيز على المجموعات الممثلة تمثيلاً ناقصاً (مثل النساء والأقليات العرقية والإثنية).

وتوفر الإفصاحات الإلزامية أدلة واضحة على هذا التحول، حيث قدمت أقل من 45% من بين أكبر الشركات الأميركية في العام الماضي تعريفها للتنوّع وفقاً للمقاييس التقليدية (على سبيل المثال، للنوع) في إفصاحاتها. كما تؤكد المقابلات مع المدير ومسؤولي التوظيف الأدلة التي استخلصناها من إفصاحات الشركات.

وتمثلت إحدى نتائج ما سبق في التباطؤ الملحوظ لمعدل تعيين النساء وباقي الأقليات ضمن مجالس الإدارات، حيث تشغل النساء عالمياً ما نسبته 15% فقط من مقاعد مجالس إدارات الشركات، بزيادة 2% فقط عن 2015. وتشكل النساء ما نسبته 16% فقط من بين أكبر الشركات الأميركية (المدرجة في مؤشر ستاندرد آند بورز 1,500)، وهو عدد أقل من المقاعد التي يشغلها من يحملون أسماء جون وروبرت وويليام من الذكور. وعلاوة على ذلك، انخفضت حصة المرأة من مقاعد مجالس الإدارات لدى الشركات المدرجة ضمن قائمة فورتشن 500 بنسبة 2% في عام 2016. كما قد لوحظ أيضاً حدوث ذات الأمر خارج الولايات المتحدة، حيث شغلت النساء في المملكة المتحدة مثلاً 29% من مقاعد مجالس الإدارات في البلاد في عام 2017 مقارنة بنسبة 32.1% في عام 2014 و31.6% في عام 2012، بحسب إيجون زيندر. ووجدت الدراسة التي أجرتها مؤسسة "الاتحاد من أجل التنوع في مجالس الإدارات " أو "ألاينس فور بورد دايفرسيتي" (Alliance for Board Diversity) والتي امتدت لسنوات على الشركات المدرجة في قائمة فورتشن 500 خسارة النساء ذوات الأصل اللاتيني لمقاعدهن في مجالس الإدارات، بينما كانت حصة الآسيويين من جزر المحيط الهادئ 3.1% فقط، في حين حقق الذكور الأميركيون من أصل أفريقي زيادة مقدارها 1% فقط. وعلى نطاق أوسع، انخفض عدد الشركات الكبرى التي بها حتى مدير واحد من أقلية إثنية أو عرقية خلال السنوات العشر الماضية.

وبعبارات أوضح، أتاح توسيع تعريف التنوع لمجالس الإدارات ادعاء التنوع القائم على الخبرة على حساب التنوع الديموغرافي.

ستسمح إعادة تصميم عملية اختيار المدير بتحقيق نجاح مجد في كلا المجالين أي تحقيق التنوع في الخبرة وزيادة تمثيل الأقليات. ويكمن قلب تلك العملية في السعي الدؤوب إلى إيجاد مجموعات ناقصة التمثيل والتركيز على فوائد التنوع القائم على الهوية لديناميات غرف الاجتماعات، وهي مبادرة ستكمّل التركيز الحالي القائم على الخبرة. ومن أجل هذه الغاية ينبغي أن تشمل عملية إعادة التصميم هذه تدريب لجنة الترشيح وأعضاء مجلس الإدارة الآخرين المشاركين في عملية الاختيار على عدم التحيز وتكليف شبكات توظيف أوسع نطاقاً للاستفادة من مجموعة أوسع من المرشحين ومن لديهم صفات المدير؛ ومن الناحية المثالية، ضرورة إجراء عملية مراجعة عمياء تُزال فيها المحددات الديموغرافية (مثل الاسم والنوع والعمر وما إلى ذلك).

ويظهر بحثنا أنّ في إمكان الشركات تطبيق العديد من هذه الأساليب الجديدة والحصول على آثارها الهامة، حيث يعتبر بنك أوف نيويورك ميلون من الأمثلة على ذلك. وقد قام البنك بوضع مبادرة تنوع محددة مكرسة لإدماج الأقليات تقوم عمليات ترشيح المدير فيها بدمج كل من الفروق الخاصة بالخبرة وتلك الخاصة بالهوية، وهما أمران مهمان لتحقيق حوكمة فعالة. ومن بين المدراء الحاليين البالغ عددهم 12 مديراً، هناك واحد من أصل لاتيني، وآخر من أصل أميركي أفريقي، وثلاث نساء. وهناك عشرة من أصل 12 مديراً جديداً يتبعون نفس السياسة. وبشكل فردي، تم تحديد هؤلاء المدراء من خلال شبكات موسعة، كما أنّ اختيارهم يعكس عمل لجنة ترشيح مخصصة لمنع التحيز.

وفي نهاية المطاف، تحدد عملية اختيار مجلس الإدارة فعالية المجلس، سواء من حيث المراقبة أو الاستراتيجية أو المساءلة الشاملة. وعلاوة على ذلك، يُعزّز النجاح المالي طويل الأجل للشركات عندما يعكس المجلس طبيعة التنوع الديموغرافي لمجموعات العملاء والمجتمعات وأصحاب المصلحة الآخرين بأفضل شكل ممكن.

وتسهم عملية الاختيار الأفضل لمجلس الإدارة في التنوع في جميع أنحاء المؤسسة، حيث تشير الأدلة مثلاً إلى أنّ المساواة بين الجنسين ضمن أعلى المستويات الإدارية تؤدي إلى المساواة ضمن المستويات الإدارية الأدنى وتقلل من الفجوات في الأجور. وبالمثل، يسهم تنوع المجالس بالطريقة التقليدية في انخفاض مستوى التمييز بين الجنسين والتمييز العرقي/الإثني بين العمال في الوظائف غير الإدارية.

باختصار، على الرغم من الأهمية الواضحة للخبرات إلا أنّ توسعة مفهوم التنوع الحاصلة مؤخراً تتجاهل الميزات الفريدة العديدة التي توفرها النساء الموهوبات والأقليات الأخرى الأقل تمثيلاً التي لها وجهات نظر فريدة و وأفكار ورؤى وشبكات خاصة تحقق نتائج تنظيمية فائقة الأهمية. ويؤدي توسيع التنوع إلى تقليل الاهتمام بهذه المزايا الحرجة، كما يؤدي إلى خفض قدرة الشركات على الاستفادة منها.

تنويه: يمكنكم مشاركة أي مقال من هارفارد بزنس ريفيو من خلال نشر رابط المقال أو الفيديو على أي من شبكات التواصل أو إعادة نشر تغريداتنا، لكن لا يمكن نسخ نص المقال نفسه ونشر النص في مكان آخر نظراً لأنه محمي بحقوق الملكية الدولية. إن نسخ نص المقال بدون إذن مسبق يعرض صاحبه للملاحقة القانونية دولياً.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2019

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!