تابعنا على لينكد إن

هل تستطيع التفكير في أي قضية ساخنة لوقت طويل من الزمن أكثر من التفكير بقضية الابتكار؟، إنّ من الصعب التفكير في تحد غير الابتكار، إذ كان من الصعب على الأعمال تحقيق تقدم فيه. ولعل لدى شركتك اليوم حاضنة جديدة للأعمال، وموسوعة للأفكار، وآلية ملتزمة للتنقيب في رؤى المستخدمين، وبرنامج مكافآت للمبتكرين الناجحين، وربما حتى حضوراً في وادي السيليكون، وهي جميعها أفكار رائعة. لكن الذي يحدث في معظم الأحيان أنّ الشركة تظل تعاني في تلبية احتياجاتها من النمو ونادراً ما تنجح في إثارة حماس عملائها. ولا يُعتبر الأمر خاصاً بشركتك فقط. ففي استطلاع للآراء أجرته مؤسسة مكنزي، قال 94% من المدراء أنهم غير راضون عن أداء الابتكار في شركاتهم.

قارن ذلك مع الخطوات الواسعة التي حققتها الكثير من الشركات بإعادة هندسة سلسلة توريدها وتعزيز جودة المنتج وتنفيذ نظام سيكس سيغما (Six Sigma). ومع أنّ هذه الجهود عادت بعوائد ضخمة،  لكن عندما يتعلق الأمر بالابتكار لا يبدو أنّ الفجوة بين المأمول والمحقق تنحسر. فما المشكلة؟

لقد قدنا خلال العقدين الماضيين العديد من المشاريع الابتكارية وتحدثنا إلى آلاف المدراء عن تحديات بناء “محرك” للابتكار عالي الأداء. وما لاحظناه أنّ زخم الابتكار في معظم المؤسسات يفتقد لبعض المكونات الحيوية.

تخيّل سيارة ليس فيها ناقل سرعة أو حزام توقيت أو مضخة ماء أو مشغل. فربما يكون المحرك جيد البناء، لكن إذا غاب ولو مكوّن واحد فقط من هذه المكونات سيكون بالنتيجة  المحرك عديم الفائدة. وينطبق الأمر ذاته مع الابتكار. ومهما قمت بعصف ذهني مع موظفيك، لن يأتي ذلك بشيء إن لم تتمكن من الوصول إلى التمويل الابتدائي الذي تحتاجه لبناء النموذج التجريبي واختبار أفكارك. وبالمثل، مهما كانت سوق الأفكار في شركتك قوية، لن تأتي بالعديد من الأفكار العالية القيمة إن لم يكن زملاؤك تعلموا التفكير كالمبتكرين.

لا وجود لأداة ابتكار باستطاعتها القيام باختراقات ابتكارية مربحة وبشكل مستمر، تماماً كما لن يفعل ذلك خليط من العناصر غير المتناسقة فيما بينها أو الممارسات السيئة الإندماج. حيث يتطلب الأمر أسلوباً ممنهجاً لبناء مقدرة منهجية، سواء كان ذلك في شكل البراعة اللوجستية لدى أمازون أو الخدمة القريبة من الكمال التي تتلقاها عندما تحل ضيفاً على أحد فنادق “فور سيزونز”. والأمر نفسه ينطبق على الابتكار. فالمهارات والأدوات والإجراءات والمنصات والحوافز والأدوار والقيم تجتمع جميعها معاً في آلة ابتكار واحدة مشحونة بكامل طاقتها ورباعية الدفع وناجحة.

ما هي إذن أجزاء محرك الابتكار التي كثيراً ما تُنسى؟، إليكم هنا قائمة بالخمسة الأهم.

1الموظفون الذي ثقُّفوا للتفكير كمبتكرين.

نحن مندهشون أنّ عدداً قليلاً جداً من الشركات استثمرت بشكل منهجي في تحسين مهارات الابتكار لموظفيها. وبالتفكير بالأمور بنية حسنة يمكنني إرجاع سبب الإغفال إلى أنّ الكثير من كبار الموظفين لا زالوا يعتقدون أنّ فطرة الإبداع لا وجود لها إلا لدى بعض الأشخاص المحظوظين، أما الآخرون فأفضل ما يمكنهم تقديمه من ابتكار هو بعض الاقتراحات لقائمة طعام المطعم، ولو أنّ الأدلة تقول بعكس ذلك.

إننا نفهم ما الذي يجعل رئيساً تنفيذياً يتوصل لمثل هذه النتيجة. إذ أنه في كل يوم تتهاطل أفكار جديدة على الرؤساء التنفيذيين معظمها إما غير ناضج إلى حد يُرثى له أو أفكار معتوهة بكل معنى الكلمة. لهذا يُصبح من السهل التصديق بعد فترة أنّ كل هذه الأفكار البليدة لا بد أنها تأتي من أشخاص بليدين، بدل النظر لها على أنّها أفكار من أشخاص لم يتم تدريبهم أو لم يُعطوا الفرصة للتدرب على التفكير الابتكاري، أو أشخاص يعملون ضمن نظام لم يُصمم من أجل تقوية الابتكار.

لقد كُتب الكثير عن مصادر الابتكار وما يميز العقل المبتكر. حيث يقترح بحثنا أنّ الاستقصاء أساس الابتكار. ولدى المبتكرين ميل ومقدرة على تفحص ما يتركه الآخرون دون تدقيق. لهذا وإذا أردت الابتكار، فيجب تعلم أربعة أشياء:

تحدّي المعتقدات الخفية: إذ تميل طرق التفكير في أي صناعة للتقارب بمرور الوقت. فالمدراء التنفيذيون يقرءون نفس المجلات عن صناعتهم، ويذهبون إلى نفس المؤتمرات، ويتحدثون إلى نفس الاستشاريين. لهذا بعد فترة يُصبح الجميع يفكر بنفس الطريقة. أما المبتكرون، فهم على النقيض من ذلك. حيث يتعلمون كيف يميزون “القوانين غير القابلة للتغيير” عن “المعتقدات المتأصلة” في سعيهم لقلب قواعد الصناعة، ويستغلون التبجيل غير الصحي لدى الموظفين لكل ما هو سابق.

استغل التوجهات التي لم تُقدّر حق قدرها: لا يقضي المبتكرون الكثير من الوقت في توقع ما يتغير. بل ينتبهون كثيراً للأمور الصغيرة التي بدأت فعلاً بالتغيّر، والتي أخذت تتسارع وتيرتها. كي تكون مبتكرة، كما أنه لا تحتاج إلى أدوات تنجيم: وكل ما تحتاجه هو عدسة بزاوية عريضة. وسيكون عليك مراقبة آخر التوجهات التي لم يلحظها منافسوك بعد، ومن ثم اكتشاف طرق لاستخدامها من أجل قلب النماذج التقليدية في الأعمال.

ارتقِ بالمقدرات والأصول الموجودة: يُصبح الابتكار في موقف حرج عندما تعرّف شركة نفسها بما تفعله وليس بما تعرفه أو تمتلكه، أي عندما تكون “فكرتها عن ذاتها” مبنية حول المنتجات والخدمات بدل أن تكون متمحورة حول المقدرات الأساسية والأصول الاستراتيجية. حيث ينظر المبتكرون إلى مؤسساتهم، وإلى العالم حولهم، على أنه مجموعة من المهارات والأصول التي يمكن إعادة تشكيلها إلى ما لا نهاية كمنتجات وأعمال جديدة. ويُعتبر هؤلاء أسياد إعادة التشكيل.

تعامل مع الاحتياجات “غير المصرح عنها”: يملك العملاء معتقداتهم الخاصة، لذا فإنّ سؤالهم عن ما يريدونه نادراً ما يعود برؤى جديدة. وعليك عوضاً عن ذلك مراقبتهم عن كثب وعلى فترة من الزمن، ومن ثم تفكر في ما تتعلمه. أين نخلق لهم إحباطات كثيرة؟، وأين نضيع وقت العملاء؟، وأين نجعل الأمور مبالغة في التعقيد؟، وأين نعامل العملاء كما لو كانوا أرقاماً وليس أشخاصاً؟، فمن أجل أن تكون مبتكراً عليك أن تكون عالم إنسانيات لا يهدأ ومتمرساً في الإنثوغرافيا ومتقد البصيرة.

بالقليل من التدريب، ومع بعض الفرص التدريبية في العالم الواقعي، يمكن لأي كان تحديث مهاراته الابتكارية. إذ يعود الأداء الابتكاري القوي لشركة ويرلبول (Whirlpool) في السنوات الأخيرة بدرجة كبيرة إلى حقيقة أنّ الشركة قامت بتدريب أكثر من 15,000 من الموظفين كي يكونوا مبتكرين. فأي برنامج ابتكاري لا يبدأ من مساعدة الأفراد على رؤية العالم بنظرة جديدة محتوم عليه أن لا يكون على قدر التوقعات.

2تعريف دقيق ومشترك للابتكار

لإدارة الابتكار بطريقة منهجية، يجب أن يكون لديك فهم مقبول على نطاق واسع للابتكار. فمن المستحيل دونه معرفة كم من الابتكار “الحقيقي” يحصل وما إذا كان يأتي بنتائج. والأمر الآخر المهم هو أنه لا يمكنك جعل القائد مسؤولاً عن الابتكار إذا لم يكن هناك اتفاق حول ما يُعدّ ابتكاراً وما لا يعدّ كذلك.

ويُعتبر التوصل إلى تعريف عملي للابتكار أمراً أصعب مما يبدو، وخاصة إذا كان الهدف هو تصنيف كل مبادرة أو منتج جديد بحسب “ابتكاريته”. إذ أنه عندما تضع شركة هينز الكاتشاب في عبوة جديدة قابلة للعصر، فهل يُعتبر ذاك ابتكار؟، أو عندما تقدم كومكاست (Comcast) نظام تسعير “الباقة الثلاثية”، فهل في ذلك اختراق ابتكاري؟، أو عندما تطلق ويرلبول غسالة تأخذ بالضبط القدر اللازم من مسحوق الغسيل، فهل هذا ابتكار يغيّر قواعد اللعبة؟، إذن، بينما معظم الناس قادرون على التمييز بين الاختراق الحقيقي (مثل الآيفون الأول) والتطوير شبه البسيط للمنتج (مثل لصاقة “بوست إت” (Post it) التي تتضمن ظلاً،) يبقى من الصعب الاتفاق على الدرجات المختلفة بينهما.

ومن خبرتنا، ربما يستغرق الأمر شهوراً عديدة قبل أن تتمكن الشركة من التوصل إلى تعريفها للابتكار. حيث يُعتبر بداية جيدة النظر للوراء إلى ما قبل عقد أو عقدين لتحديد جميع أنواع الأفكار التي أنتجت مكاسب وهوامش ربح ملموسة.

وللتوضيح، في شركة ويرلبول: حتى يقال عن منتج أنه مبتكر يجب أن يكون فريداً ومرضياً للمستهلك، ويخلق ميزة تنافسية، ويوجد على مسار انتقالي يؤدي إلى مزيد من الابتكارات، ويوفر للمستهلكين قيمة أكثر من أي شيء في السوق. ربما يبدو هذا التعريف عاماً. لكن ما يجعله مفيداً هو الفهم الذي تطور مع الوقت باستخدام هذه المعايير لتحديد الأفكار المبتكرة من غير المبتكرة. ومع كثرة استخدامه، أصبح التعريف أكثر تحديداً، وكذلك ضاقت الاختلافات في الآراء. ومن المهم أيضاً مراجعة التعريف بشكل دوري: هل حققت المنتجات التي صُنّفت على أنها فعلاً على درجة عالية من “الابتكار” عوائد أعلى من المعدل؟

إلى جانب ذلك، يُسّهل وجود تعريف عملي ومتفق عليه تحديد الأهداف من الابتكار، وتوزيع الموارد على المشاريع الابتكارية، وتخطيط وتيرة إطلاق المنتجات الابتكارية، وتركيز التسويق على الاختراقات عالية القيمة، وقياس أداء الابتكار.

3المقاييس الشاملة للابتكار

تقيس الشركات كل شيء له تأثير على صافي الأرباح تقريباً، لكن تقاعسهم عن قياس الابتكار غريب. صحيح أن قياسه صعب، فالمقارنة التاريخية لا تعود إلا بفائدة محدودة لعدم وجود سوابق للمنتج، أضف لهذا صعوبة تحديد القيمة المستقبلية لفكرة غير موجودة إلا كمفهوم. لكن هناك مع ذلك طرقاً لقياس أداء الابتكار. إذ تتعقب لوحة المراقبة الشاملة للابتكار ما يلي:

  • المدخلات: تتضمن المدخلات المال والوقت الذي خصصه الموظفون للابتكار، بالإضافة إلى عدد الأفكار المتولدة داخلياً كل شهر أو التي تستمد من العملاء والموردين وغيرهم من الأطراف الخارجية.
  • الوسائط: عدد وجودة الأفكار التي تدخل في خط الإمداد بعد الفرز المبدئي، والوقت الذي تستغرقه للانتقال من مفهوم إلى نموذج تجريبي ثم إلى واقع، والقيمة النظرية لخط إمداد الابتكار.
  • النتائج: عدد الابتكارات التي تصل إلى السوق في فترة معينة، ونسبة العوائد المستخرجة من المنتجات والخدمات الجديدة، وهوامش العوائد التي يمكن نسبها للابتكار.
  • القيادة: النسبة المئوية من وقت المدراء التنفيذيين المخصص للإشراف على مشاريع الابتكار، ونتائج الاستبيان الشامل من نوع 360 درجة الذي يُظهر مدى اعتماد المدراء التنفيذيين لسلوكيات داعمة للابتكار.
  • التنافسية: نسبة الموظفين الذين جرى تدريبهم كمبتكرين، ونسبة الموظفين المؤهلين باعتبارهم حاملي “الحزام الأسود” في الابتكار والتغييرات في جودة الأفكار التي تتولد عبر الشركة.
  • المناخ: مدى تسهيل الإجراءات الإدارية للشركة أو إحباطها للابتكار، والتطور الذي يتم إحرازه بإزالة معوقات الابتكار.
  • الكفاءة: التغييرات التي حدثت بمرور الزمن في نسبة نتائج مدخلات الابتكار.
  • التوازن: المزيج بين الأنواع المختلفة من الابتكار (المنتج، الخدمة، التسعير، التوزيع، وغيره.) والفئات المختلفة للمخاطر (التحسينات التصاعدية في مقابل المغامرات التخمينية)؛ والأفق الزمنية المختلفة.

حالما تضع المقاييس والخط الأساسي، تُصبح في موقف يسمح لك بوضع أهداف محددة للابتكار وخاصة بكل وحدة وتحسين محرك الابتكار. مؤخراً مثلاً، وضع رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة ويرلبول، جف فيتيج، هدفاً لشركته يتمثل بمضاعفة قيمة خط إمداد الابتكار خلال السنتين القادمتين. حيث أدرك التنفيذيون أنهم كي يفعلوا ذلك سيحتاجون لإعادة توزيع بعض موارد الشركة بنقلها من تحسينات المنتج في مرحلة متأخرة إلى اختراقات المنتج في مرحلة مبكرة. ولولا وجود مجموعة من المقاييس الشاملة لما تمكنت ويرلبول من وضع مثل هذه الأهداف المحددة للابتكار أو أن تكون مبادرة في إعادة موازنة إنفاقها على الابتكار أو قياس نتائج هذه الأفعال.

4قادة الابتكار والمسؤولون القادرون

ما نسبة قادة الشركة، من مدراء المشاريع إلى نواب الرئيس التنفيذي المسؤولون رسمياً عن الابتكار؟، وما نسبة الأهداف المرتبطة بالابتكار التي لها تأثير على مكافآتهم؟. فإذا كانت أي نسبة أقل من 100%، فإنّ الابتكار سيكون مهمشاً. كثيراً ما يجعلنا ننظر إلى الابتكار على أنه مقاطعة خاصة بالوحدات المتخصصة مثل البحوث والتطوير أو تطوير أعمال الشركة، وليس باعتباره مسؤولية كل قائد في كل مستوى.

ومن الواضح أن من غير المنطقي تحميل القادة مسؤولية الابتكار إذا لم يكونوا مدربين لتشجيع الابتكار ضمن فرقهم. هذا يعني بالنسبة للقائد:

  • أن تكون ماهراً في استخدام أدوات الابتكار.
  • خلق فرص متكررة لطريقة تفكير “السماء زرقاء” أي التفكير غير المقيد.
  • تجنب الأحكام غير الناضجة عند تقييم الخيارات الجديدة.
  • إظهار شهية للأفكار غير التقليدية.
  • الاعتراف بالمبتكرين والاحتفال “بالفشل الذكي”
  • المراقبة الشخصية لفرق الابتكار.
  • تخصيص الوقت والمال من أجل الابتكار.
  • التوظيف والترويج للإبداع.
  • العمل على إزالة العوائق البيروقراطية للابتكار.
  • فهم وتطبيق مبادئ النماذج الأولية السريعة والتجريب المنخفض التكلفة.

وجدنا من خلال تجربتنا أنّ معظم برامج تطوير القيادة لا تولي انتباهاً كافياً لهذه المواقف والسلوكيات المُمكنة للابتكار. ويجب أن تجتهد الشركات بالاختيار والتدريب والرأي لخلق كادر من القادة الماهرين في تقوية الابتكار كما هم ماهرون في إدارة الأعمال.

5إجراءات الإدارة الصديقة للابتكار

ليست السيارة محركاً فقط. ضع محركاً من 500 حصان مع مجموعة إطارات شبه البالية وسترى كيف تتبدد كل قوة المحرك تلك. مرة أُخرى، الأمر نفسه ينطبق على الابتكار. مهما كانت ممارسات الابتكار في الشركة جديرة بالثناء، فإنّ المحرك لن يبلغ أقصى قوته ما لم يكن نموذجها الإداري بأكمله مضبوطاً من أجل الابتكار.

مثلاً، إذا كانت عملية وضع ميزانية الشركة متحفظة بطبيعتها بحيث تجعل من الصعب على موظفي الصف الأول الحصول على تمويل للتجارب الصغيرة، فإنّ أي استثمار في مهارات الابتكار سوف يذهب هباء. حيث أنّ في عملية تطوير المنتج تشديد كبير على إزالة المخاطر من المنتجات الجديدة التي يتم إطلاقها فلن يكون هناك إلا قلة من المنتجات الجديدة تدخل السوق. وإذا لم يكن نظام المكافآت والتقييمات يكافئ الأداء المبتكر فسوف ينتهي الأمر بالشركة مع مدراء هم أقرب إلى المحاسبين أكثر منهم للرواد. وإذا كانت الشركة تفتقر لنظام للتقارير المالية يتعقّب الاستثمارات في الابتكار والموظفين فلن يدق إنذار الخطر عندما يُضحّى بمشروع ابتكاري على مذبح المكاسب الفصلية.

الفكرة هنا هي أنّ هناك حاجة لإعادة هندسة أي إجراء يؤثر بشكل كبير على الاستثمار أو الدوافع أو العقليات من أجل الابتكار. وكان ذلك بالضبط ما فعلته ويرلبول خلال العالم الماضي. إذ بنى قادة الموارد البشرية تدريباً للتقييم يركز على الابتكار ضمن آلية توظيف الحاصلين على ماجستير إدارة الأعمال، يشارك بمقتضاه المرشحون الذين يدعون إلى المقر الرئيسي للشركة في مشروع يمتد على أكثر من يوم، مصمم لاختبار مقدرتهم على التفكير الإبداعي. وهناك أيضاً مقابلات تتم في مكان العمل تتضمن تركيزاً على الابتكار. كذلك جرى تعديل عمليات ويرلبول من أجل الابتكار، ففي كل عام تخصص الشركة حصة مدعومة من قبل مجلس الإدارة من ميزانية رأس المال تقدر بحوالي 20% عادة لمشاريع تُعتبر مبتكرة بحق.

وخلال العقود القليلة الماضية، أصلحت كل الشركات تقريباً نموذجها التشغيلي من أجل تحقيق الكفاءة والسرعة. حيث جرى تحسين سلاسل التوريد العالمية، وأسندت عمليات الأعمال إلى أطراف خارجية، ووُضعت استثمارات ضخمة في أدوات تقنية المعلومات الجديدة. ومع ذلك فإنّ قلة من الشركة كرست جهدها بما يقترب من هذا المستوى لإعادة ضبط ممارستها الإدارية للابتكار.

النظرة المنهجية

إعادة تجهيز الشركة للابتكار مهمة شاقة. فعندما ألزم رئيس مجلس إدارة ويرلبول جيف وايتمان نفسه ببناء ثقافة من الابتكار عام 1999، أخبر زملاءه أنّ الرحلة ربما تستغرق على الأقل خمس سنوات، وأنه خلال ذلك الوقت سوف يُبقى الابتكار أهم أولوياته. كما أوضح أنّ ذلك لن يكون برنامجاً يومياً آخر. كما أنه كان يعي بوضوح حجم التحدي، فقد حذَّر وايتمان زملاءه من أنّ “كل عمل وكل وظيفة سوف تتغير نتيجة لذلك”. ونحن نعرف من خلال خبرتنا أنّ قلة فقط من المدراء التنفيذيين يفكرون بذلك الشكل المنهجي حيال جعل الابتكار مقدرة منتشرة في كل مكان.

عندما نُدعى عادة إلى شركة لمراجعة جهودها الابتكارية، نجد غابة من الأدوات والطرق التي ليست غير مكتملة فقط، بل وغير متزنة أيضاً. حيث أنه بالنظر إلى كل قطعة لوحدها يمكن اعتبارها منطقية لكنها مجتمعة غير متكاملة. (وكأننا في مسابقة لإسناد الأفكار إلى أطراف خارجية، مع تمويل داخلي للمشاريع، وتحليل لمشاعر العميل، وعملية تطوير للمنتج، لكن في النهاية المجموع أقل من الأجزاء المكونة له). الأمر أشبه بمجموعة من المدراء التنفيذيين يتجولون في متجر لقطع السيارات المستعملة ويعود كل منهم بشيء اعتقدوا أنه سيكون مفيداَ لبناء السيارة. ومع أنك لن تتمكن من بناء محرك دون جميع القطع والأجزاء، إلا أنّ التكامل بين تلك المكونات هو ما يحوّل صندوقاً من القطع إلى آلة تعمل بسلاسة. لهذا السبب يجب أن تتماشى مهارات الابتكار التي تغرسها الشركة في موظفيها مع تعريفها المحدد للابتكار، وهو بدوره يجب أن يتطابق مع معايير الابتكار التي تحددها الشركة ويجب أن يُصهر ضمن نظام إدارة الأداء. وبالمثل، يجب أن تختلط جميع عمليات ابتكار الملحقات مع هذه المجموعة من المكونات الأساسية.

مهما كان الرئيس التنفيذي ملتزماً، لا يمكنه وحده إعادة تشكيل الشركة من أجل الابتكار. وعلى كامل فريق الإدارة العليا أن ينضم للركب. كذلك تحتاج جهود إعادة الهندسة لقائد قوي في الفريق التنفيذي للشركة يكون مسؤولاً عن تصميم وبناء محرك الابتكار في الشركة. ونحن ندعو هذا الشخص بـ”مهندس الابتكار” وهو أشبه ما يكون بالمهندس الأول في برنامج  بناء سيارة، وهو المسؤول عن التأكد من أن جميع الأجزاء تعمل معاً في نظام واحد مترابط. وفي حالة الابتكار، يتضمن دوره الحرص على أنّ الابتكار يتم قياسه بالطريقة الصحيحة، وأنّ الموظفين في جميع المستويات مدربون كمبتكرين للأعمال ولديهم وصول إلى الرؤى والأدوات الصحيحة، وأنّ الزبائن والموردين لديهم وصول إلى منصة الابتكار في الشركة، وأنّ مشاريع الابتكار تحصل على ما يكفي من التمويل وتجري مراقبتها، وأنّ معايير التوظيف والترقية تساعد على تقوية جينات الابتكار في الشركة، وأنّ قيم الابتكار يجري تعزيزها باستمرار، وأنّ خط إمداد الشركة بالابتكار قوي بما يكفي لتحقيق أهداف الشركة بالنمو.

في السنوات الأخيرة، عيّن عدد من الشركات “رئيساً لشؤون الابتكار” من أجل مراقبة مبادرات النمو الرئيسية الجديدة. ونرى من مفهومنا أنّ مسؤوليات مهندس الابتكار أوسع، ولا تتضمن فقط تطوير الأعمال، بل أيضاً تطوير التنافسية. والهدف النهائي هو شركة يكون الابتكار فيها مدمجاً بالشركة، وليس “ملحقاً بها”، ويكون غريزياً لدى موظف، ولدى الشركة أيضاً.

إذا كانت شركتك جادة حقاً في بناء محرك للابتكار، فهي بحاجة لترقية مهارات الابتكار لدى الجميع، والاتفاق على ما يعد ابتكاراً، وبناء مقاييس شاملة، وجعل القادة مسؤولين عن الأمر، وإعادة تهيئة إجراءات الإدارة بحيث تقوي الابتكار في كل مكان وكل زمان. هذه كلها مبادرات لا يمكن أن تحدث بشكل منعزل، يجب أن تتم في تناغم.

افعل كل هذا وسوف يكون لديك شركة تستطيع الفوز مرة أُخرى في اقتصاد القرن الحادي والعشرين الإبداعي.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن استراتيجية

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz