تابعنا على لينكد إن

تابعنا على لينكد إن

معظم ما كُتب عن الاعتذار يتّسم بالتحايل في جوهره، وذلك لأنّ التركيز في معظم الأحيان يكون على الأسلوب: كيف توظّف الجانب النفسي لتحصيل الصفح من الآخرين، كأن تقول: “ما الذي يتوجّب عليّ قوله لأستعيد ثقة مديري/ابني/جاري بي؟”. إنّ هذه النظرة للاعتذار تعدّ من أشدّ ما يفتك بقيمة الثقة في عصرنا هذا.

إنّ الاعتذار في أفضل حالاته هو ثمرة تغيّر يحصل على المستوى الشخصيّ، وليس أداةً لتحصيل القبول بين الآخرين.

وإليك هذا المثال من تجربتي الشخصية: لقد أخفقت إخفاقاً كبيراً في أحد العروض التقديميّة التي ألقيتها مرّة قبل عقد من الزمن. وقد بدا لي أنّني أعرف نفسي وأتقن الموضوع الذي أتكلّم به وأنّ أمراً كهذا لن يقع مرّة أخرى. ولكنّي قدّمت عرضاً تقديميّاً، وكان في الواقع، فاشلاً.

لقد ألقيت هذا العرض أمام مجموعة أهتمّ بأمرها كثيراً، ولكنّ بعض الأشياء التي قلتها أو فعلتها وقعت من المستمعين موقعاً سيئاً. فالبعض وجد مثالاً أو أكثر من الأمثلة التي قدّمتها ينطوي على إساءة، والبعض امتعض لأنّني تناولت في العرض بعض المواد التي يعرفونها من قبل. لقد كانت رحلة العودة إلى بيتي بعد العرض التقديميّ عذاباً مضنياً بالنسبة لي.

وحين جلستُ على الطائرة أفكّر بما جرى في تلك الجلسة بدأت بكتابة رسالة أعبّر فيها للفريق الذي وظّفني عمّا يعتريني من مشاعر، وكانت تجربة ملأتني تواضعاً.

وفيما يلي بعض الأفكار التي استخلصتها من تلك الرسالة التي كتبتها:

حدّد الدافع وراء الاعتذار

قد يكون الاعتذار متعلّقاً بأحد أمرين اثنين: ترميم الثقة أو استعادة نزاهتك الشخصيّة. أعتقد أنّه لو كان هدفك يقتصر على ترميم الثقة، فإنّ دافعك ينطوي على المناورة. حين لا نخيّب توقّعات الآخرين بنا فإنّ ذلك يخرم الثقة. قد يفقد الآخرون الثقة في دوافعنا أو قدراتنا أو في كلا الأمرين معاً. فإمّا أن يشعروا بأنّنا لا نكترث بمصالحهم أو أنّنا لا نمتلك ما يكفي من الكفاءة لتحقيق مصالحهم.
فعلى سبيل المثال، كان يمكن لعميلي عقب عرضي التقديميّ ذاك أن يقول: “جوزيف لا يُحسن التواصل مع مدرائنا.” (نحن لم نعد نثق بكفاءته). أو قد يراوده الشك ويقول: “لقد كان جوزيف يرتجل ارتجالاً. إنّه لا يهتمّ بمصلحتنا بالقدر الذي يدفعه للتحضير بشكل جيّد.” (نحن لم نعد نثق بدوافعه).

هذا هو الإشكال الذي يخلقه الفشل على مستوى العلاقة. ولكن ثمّة مشكلة أكثر عمقاً، ألا وهي مسألة النزاهة. إنّ مشكلة النزاهة تنشأ حين تكون هنالك فجوة بين مستوى أدائي وما أطمح إلى أن أكون. فهدفي مثلاً هو تحسين حياة الآخرين وتطوير المؤسسات. ولكنّني عجزت عن تحقيق ما أسعى إليه في ذلك اليوم، فهذه تدعى مسألة نزاهة.

في معظم الأحيان يقدّم الخبراء نصائحهم فيما يتعلق بآليّات الاعتذار وكأنّ المسألة الأساسيّة التي يلزمنا حلّها هي الشرخ الحاصل على مستوى العلاقة، ولا يدرون أنّهم بذلك يغفلون مسألة النزاهة تماماً. فهم يتعاملون مع الاعتذار بمثابة السحب على المكشوف من الحساب البنكي-فإن كان مستوى الثقة متدنّياً فإنّ علينا “إيداع” المزيد من الثقة في هذا الحساب. ولكن هذا الشكل من الاعتذار مجرّد عن المبادئ وينطوي على التلاعب، فهو محاولة لتحصيل الثقة دون جدارة.

لقد أردت أن أوجّه تفكيري في طريق عودتي من تلك الرحلة المضنية إلى مسألة النزاهة. قرّرت أن أصرف معظم وقتي في التفكير في تقصيري عن تحقيق ما أريد، وليس عن تحقيق ما يريد العميل وحسب. وعند ذلك فقط تمكّنت من كتابة اعتذار جديرٍ بالاعتبار. إنّ الاعتذار “المجدي” هو ذلك الاعتذار الذي يستحقّ أنّ يكون ذا جدوى لأنّه صادر عن إحساس صادق بالندم والعزم على التغيير. فلا توجّه هدفك نحو استعادة الثقة وإنّما نحو أن تثبت أنّك جديرٌ بها. فما يلزمنا هو أن ننفق وقتاً أقلّ في التفكير بتقديم الاعتذار، وأن نصرف هذا الوقت للتفكير أكثر بكيفية استحقاق الصفح من الطرف الآخر.

ومع إقلاع طائرتي بدأت أرى كيف أنّي كنت مهملاً ولم أراع بعض الحساسيّات الخاصّة أمام أولئك الذين أدرّسهم. لقد سمحت لسنواتٍ سمعت خلالها الكثير من الإطراءات المتحمسّة أن تلهيني عن الاهتمام باحتياجات هذه المجموعة الصغيرة التي لم أولِها الاهتمام الذي تستحقّه منذ فترة.

استوعب تجربة التعلّم

أنا لن أستحق ثقة الآخرين حتّى أستعيد ثقتي بنفسي. بمجرّد أن أحدّد الشيء الذي يلزمني التركيز عليه، فإنّني حوّلت تفكيري للتركيز على الالتزامات الجديدة التي سأقطعها على نفسي لأصحّح الخطأ الماضي وأتفادى وقوعه في المستقبل. وعليّ أن أتحمّل مسؤوليّة أيّ أضرار ترتّبت على ما فعلت. كما يجدر بي أن أصغي جيداً إلى الآخرين كي أعرف الجوانب التي قصّرت بها عمّا كان مأمولاً منيّ. ويحسن بي أيضاً أن أكون صريحاً معهم بخصوص ما لديّ من آراء، لكن مع التركيز بشكلٍ أساسيّ على الولوج إلى عالمهم ورؤية سلوكي من وجهة نظرهم. ومن ثمّ عليّ أن أعزم على تعزيز دوافعي وقدراتي، كي أكون في المستقبل الشخصَ الذي أريد أن أكون. ومع مضيّ الرحلة، انتقلت للتفكير بما أخبرني به العميل. نحّيت رغبتي في الدفاع عن نفسي جانباً ونظرت إلى ما حصل من وجهة نظرهم هم. ونتيجة لذلك، عزمت على عدّة أشياء، من بينها تجنّب استخدام الفكاهة التي قد تكون مؤذية لأيّ شخص. وألزمت نفسي بأن أكون أكثر وضوحاً في تحديد التوقّعات المأمولة من قبل أولئك الذين أخدمهم.

قدّم الاعتذار للسبب الصحيح

إن الاعتذار الجيد يعطي لمحة عن مقدار المسؤولية التي تتحلّى بها، فهو نافذة الآخرين ليتعرفوا عن كثب وصدق على حوارك الأخلاقي الداخلي- أي كيف تتجاوب أنت مع مشاعرهم وكيف تحكم على تصرفاتك. فالهدف من اعتذارك ليس “تحصيل” شيءٍ من الشخص الآخر، فهذا القرار يعود إليه. بعض الناس يبطئون في الاعتذار وبعضهم يسارع في ذلك بلا تردّد. وليس في وسعك التحكّم في ذلك. كل ما يسعك التحكّم به هو سرعة استعادتك لنزاهتك أنت.

لقد بدأت رسالتي لعميلي بهذه العبارة: “لقد كان هدفي في الأمس مساعدتكم في العمل الذي تقومون به والذي يهدف لتحسين مستوى الحياة. غير أني لم أخفق وحسب في تقديم المساعدة، بل ويبدو كذلك أنني قد أضررت بهذه الجهود مع بعض المدراء لديكم. أقدم اعتذاري…”

تذكّر أنّ الهدف من الاعتذار ليس استعادة الثّقة وإنّما التأكيد للآخرين بأننا جديرون بها.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz