ثمة احتمالٌ كبيرٌ بأن تجيب بأن شركتك جيدة جداً في هذا الأمر، ولاسيما إن كان مديرها على غرار أولئك في الشركات الأخرى التي درستُها. ولكن ما كان يقوم به أولئك الأشخاص هو أنهم كانوا يواجهون صعوبة كما تبيّن لي، ليس في حل المشكلات، وإنما في معرفة ماهية تلك المشكلات التي تعترضهم. ففي استبيان شارك به 106 من المديرين التنفيذيين رفيعي المستوى من 91 شركة خاصة وعامة في 17 دولة، وجدت أن 85% منهم يوافقون بشدة أو يوافقون أن مؤسساتهم ضعيفة في تشخيص المشكلات، و87% منهم يوافقون بشدة أو يوافقون أن تكاليف كبيرة قد ترتّبت على ذلك الضعف. وأقل من واحد من كل عشرة منهم قالوا إن ذلك لم يؤثّر عليهم. والنمط واضحٌ هنا: يميل المديرون في لحظة انفعالهم مع حدث ما إلى التحوّل بسرعة إلى ذهنية تقديم الحلول، دون التأكد قبل ذلك إن كانوا حقاً يفهمون المشكلة التي أمامهم. لقد مضى 40 عاماً على إثبات كلٍ من ميهاي تشيكسينتميهاي وجاكوب غيتسلز بطريقة تطبيقية على الدور المركزي لتأطير المشكلات في قضية الإبداع. فعظماء المفكرين، من ألبرت أينشتاين إلى بيتر دراكر أكدوا على الأهمية القصوى للتشخيص السليم للمشاكل. فلماذا ما تزال مؤسسات اليوم تجد صعوبة في تحقيق ذلك؟ جزءٌ من السبب يعود إلى ميلنا إلى المبالغة في هندسة عملية التشخيص، مع أن هنالك العديد من الأطر الموجودة، مثل TRIZ، أو سيجما 6، أو Scrum، وغيرها من المنهجيات التي تمتاز بشموليتها. فهذه الأطر فعّالة بشكل كبير في حال استُخدمت بالشكل السليم. إلا أن التفصيل الدقيق لهذه الأطر يجعلها تبدو معقّدة وتستهلك قدراً كبيراً من الوقت بما لا يتناسب مع متطلبات العمل اليومي. فالسياق الذي يحتاج فيه الناس إلى أن يكونوا أفضلَ في تشخيص المشاكل لا ينحصر في جلسة وضع الاستراتيجية السنوية للمؤسسة، وإنما يتعلق كذلك بالشؤون اليومية. ولذا فنحن بحاجة إلى أدوات لا تتطلب من المؤسسة بأكملها أن تخضع لبرامج تدريبية تستغرق أسابيع كي تتمكن من الاستفادة منها. لكن حتى حين يطبّق الناس أطراً أبسط لتشخيص المشكلات، كطريقة تحليل السبب الجذري والملاذات الخمسة، فإنهم يجدون أنفسهم يغوصون عميقاً في مشكلة قد انتهوا من تعريفها بدلاً من توفير تشخيص جديد لها. وفي حين أن هذا الأمر مفيد بلا شك، إلا أن الحلول المبتكرة دائماً ما تأتي من تعريف بديل للمشكلة. لقد أمضيتُ خلال البحث الذي أجريته على الابتكار في الشركات، والذي أجريت معظم أجزائه مع زميلي بادي ميلر، قرابة 10 سنوات في العمل على قضية إعادة التأطير ودراستها، وكانت البداية في سياق ضيّق على مستوى التغيير المؤسسي ثم على نطاق أوسع. وفي الصفحات الآتية من هذه المقالة سأقدّم مقاربة جديدة لتشخيص المشاكل والتي يمكن تطبيقها بسرعة، وقد وجدت كذلك أنها كثيراً ما تساعد على الوصول إلى حلول مبتكرة عبر اكتشاف أطرٍ مختلفة بشكل جذري لمشاكَل مألوفة ومتكررة وعصيّة على الحل. ولكي أضع إعادة التأطير في سياقها المناسب، فسأوضح بدقة ما الذي تسعى هذه المنهجية لتحقيقه.

مشكلة المصعد البطيء

تخيّل هذا الموقف: أنت صاحب مبنىً للمكاتب، والمستأجرون لديك يشتكون من المصعد لأنه قديم وبطيء، وأنه يؤخرهم كثيراً، حتى أن عدداً من المستأجرين بدؤوا يهددون في إنهاء العقود معك إن لم تصلح هذه المشكلة. عندما طُرحت هذه القضية على بعض الأشخاص وجدنا أن معظمهم راحوا بسرعة يقدّمون بعض الحلول: ركّبْ مصعداً جديداً، استخدمْ محركاً أقوى، عدّل البرمجية التي يعمل عليها المصعد، وغير ذلك من الاقتراحات التي تقع كلها فيما أدعوه "مساحة الحل"؛ أي مجموعة من الحلول التي يجمع بينها بعض الافتراضات المشتركة حول طبيعة المشكلة، وهي هنا أن المصعد بطيء. وفيما يلي توضيح هذا التأطير للمشكلة: ولكن حين تعرض المشكلة على مديري المبنى، فإنهم يذهبون لطرح حل أكثر ظرافة: ضع عدداً من المرايا بجانب المصعد. لقد أثبتَ هذا الحل كفاءة كبيرة في الحدّ من الشكاوى، وذلك لأن الناس عادة ما يُهملون النظر إلى الوقت عندما يرون شيئاً مذهلاً ينظرون إليه-وهذا الشيء هو صورهم في المرايا حول المصعد. الحل المتمثّل بتركيب المرايا هو حل مثير للاهتمام فعلاً، ذلك لأنه في واقع الأمر ليس حلاً للمشكلة التي بين أيدينا: فهذا الحل لا يجعل المصعد أسرع. ولكن ما يفعله هذا الحل هو أنه يقترح التعاطي مع المشكلة من زاوية مختلفة. لاحظ أن التأطير الأولي للمشكلة ليس بالضرورة خاطئاً. إن وضع مصعد جديد كفيلٌ بحل المشكلة بطبيعة الحال. كما أن الهدف من إعادة تأطير المشكلة ليس العثور على المشكلة "الحقيقية"، وإنما أن نستكشف إن كان ثمة مشكلة أخرى تستدعي الحل. بل لا بد أن نشير إلى أن الفكرة القائلة بوجود مشكلة جذرية واحدة هي في واقع الأمر فكرة مضلّلة. فالمشاكل عادة ما تكون متعددة الأسباب كما يمكن في كثير من الأحيان التعامل معها بسبلٍ مختلفة. خذ مثلاً مسألة المصعد البطيء هذه، والتي يمكن إعادة تأطيرها بحيثُ تُفهم على أنها مشكلة تزايد الطلب على المصعد مثلاً، أي وجود عدد كبير من الناس يحتاجون استخدامه في الوقت ذاته، مما يقود إلى حل يركّز على تقليل هذا الطلب الكبير في وقت واحد، عبر اعتماد جدول جديد لاستراحة الغداء مثلاً. إن الوقوف على جانب مختلف من المشكلة من شأنه أن يؤدي إلى تحسينات جذرية، بل وقد تنجم عنه حلولٌ لمشاكل بدت عصيّة على الحل لفترة طويلة من الوقت. وقد شاهدت ذلك بالفعل مؤخراً أثناء دراسة مشكلةٍ يتم التغاضي عنها عادة في تجارة الحيوانات الأليفة: وهي عدد الكلاب في المأوى الخاص بها.

مشكلة تبنّي الكلاب في أمريكا

الناس في أمريكا يحبون الكلاب كثيراً، وتشير إحصاءات هذا القطاع إلى أن أكثر من 40% من البيوت في أمريكا تقتني كلباً واحداً على الأقل. ولكن هذا الحب للكلاب يرتبط بجانب سلبي: فوفق بيانات الجمعية الأمريكية للرفق بالحيوان (ASPCA)، وهي من أكبر جمعيات الرفق بالحيوان في الولايات المتحدة، فإن أكثر من ثلاثة ملايين كلب تدخل إلى المأوى العام كل سنة وتوضع على قائمة التبني. إن مؤسسات إيواء الحيوانات وغيرها من جمعيات حقوق الحيوان تعمل جاهدة لزيادة الوعي بخطورة هذه القضية. وقد ترى في أحد الإعلانات أو الملصقات المتداولة صورة كلب مهجور يبدو عليه الحزن، ويتم اختيار الصورة بشكل دقيق للحصول على التعاطف المطلوب، مع عبارة من قبيل: "أنقذوا الحياة - تبنّوا الكلاب" أو دعوة لتقديم الدعم والتبرع لصالح هذه القضية. وفي مثل هذه المبادرات نجد أن هذا النظام الذي يعاني بفظاعة من شحّ التمويل ينجح في تبنّي قرابة 1.4 مليون كلبٍ كل عام. ولكن حتى مع ذلك يبقى عدد الكلاب التي تبقى في المأوى بدون صاحب أكثر من مليون كلب، وغيرها الكثير والحيوانات الأليفة الأخرى في الوضع ذاته. ويبدو واضحاً أن حجم التعاطف لا يغطي العدد الكامل. فبالرغم من الجهود الكبيرة التي تبذلها دور إيواء الحيوانات ومجموعات حماية الحيوانات، إلا أن مشكلة نقص الأشخاص المهتمين بتبنّي الحيوانات تبقى مشكلةً حاضرة منذ عقود. ثم أتت لوري وايس، مؤسِسة جمعية داون تاون لإنقاذ الحيوان في لوس أنجلوس كي تُظهر لنا أن قضية تبنيّ الحيوانات ليست هي الطريقة الوحيدة للنظر إلى المشكلة. تُعدّ وايس أحد رواد منهجية جديدة تنتشر بشكل واسع في هذا القطاع، تتمثّل في برنامج تدخّل لا يركّز كثيراً على تشجيع الناس على تبنّي الحيوانات، وإنما يعمل على الإبقاء على الحيوانات في منازل أصحابها، وذلك كي لا تدخل إلى المأوى من الأصل. إذ أن حوالي 30% من الكلاب التي في المأوى يكون قد تخلى عنها صاحبها بمحض إرادته. وفي مجتمعٍ يحب العمل التطوعي ويجمعه حبٌ عميق للحيوانات، فإن أولئك الأشخاص الذين يهجرون كلابهم يتلقّون عادة انتقاداتٍ كبيرة لأنهم يتركون حيواناتهم الأليفة بلا رحمة كأي بضائع استهلاكية أخرى. وللحيلولة دون أن تقع الكلاب في أيدي الأشخاص "الخطأ" فإن العديد من جمعيات إيواء الحيوانات، على الرغم من العدد الفائض لديها من الكلاب، تُصرّ على أن يخضع الشخص الذي يودّ تبنّي الكلب لعمليات تدقيق صارمة للتأكد من أهليته لتبنّي الحيوان. غير أن وايس ترى في المقابل أن قضية الأشخاص الذين يتخلّون عن حيواناتهم ليست مشكلة تتعلق بالناس، ولكنها مشكلة تتعلق بشكل كبير بقضية الفقر. تقول وايس: "هذه الأسرة التي تقتني الكلب تحب هذا الحيوان قدر ما نحبه نحن، ولكنها في الوقت ذاته تعاني من حالة من الفقر. إننا نتحدث هنا عن عائلات قد تجد صعوبة في بعض الأحيان في تأمين الطعام لأطفالها في نهاية الشهر. وبالتالي، حين يطلب صاحب البيت الذي يستأجرونه وديعةً إضافية لكي يبقوا على الكلب في المنزل، فإن أسرةً في مثل هذه الظروف قد لا تجد المال الكافي لذلك. وفي حالات أخرى قد يكون الكلب بحاجة لمصل داء الكلَب بعشرة دولارات، ولكن هذه العائلة لا تمتلك القدرة على زيارة طبيب بيطري، وقد تكون خائفة حتى من التعامل مع أي سلطة رسمية. وقد يكون التخلّي عن الكلب في نهاية المطاف هو الخيار الوحيد الذي تبقّى لهم". بدأت وايس برنامجها في أبريل/نيسان 2013، بالتعاون مع جمعية إيواء للحيوانات في جنوب لوس أنجلوس. والفكرة لدى وايس في غاية البساطة: حين تأتي أي عائلة لتسليم الحيوان الأليف الذي لديها، فإن فريق المركز يسأل الأسرة إن كانت في واقع الأمر تفضّل أن تحتفظ بذلك الحيوان. فإن كانت الإجابة نعم، فإن فريق العمل يحاول مساعدة هذه الأسرة في حل المشكلة التي لديها، وذلك بالاعتماد على ما لدى الفريق من شبكة من المعارف واطلاعٍ على النظام. وقد بدا من الواضح خلال العام الأول أن البرنامج قد حقّق نجاحاً لافتاً. ففي سنوات سابقة أنفقت مؤسسة وايس حوالي 85 دولاراً لكل حيوان أليف ساعدته. ولكن البرنامج الجديد قد خفض هذه التكلفة إلى حوالي 60 دولاراً، مع زيادة المساحة المتوفرة لإيواء حيوانات أخرى. وقد أخبرتني وايس أن ذلك قد كان الأثر المباشر وحسب، وتقول وايس: "لقد كان الأثر الأكبر على المجتمع، وهذا هو النجاح الحقيقي. فالبرنامج يساعد الناس على تعلم سبل لحل المشاكل، ويعرّفهم على حقوقهم وواجباتهم، ويذكّرهم بأن المساعدة متوفرة. كما تمكّن البرنامج من تغيير النظرة السائدة عن مالكي الحيوانات الأليفة في هذا القطاع: فحين عرضنا المساعدة عليهم أخبرَنا 75% منهم أنهم غيّروا رأيهم، ويرغبون في الاحتفاظ بالحيوانات الأليفة لديهم". لقد تمكّن برنامج وايس حتى وقت كتابة هذه المقالة من مساعدة حوالي 5,000 حيوان أليف وعائلته، وقد تمكّن البرنامج من الحصول على دعم رسمي من الجمعية الأميركية للرفق بالحيوان. وقد ألّفت وايس كتاباً بعنوان (First Home, Forever Home) توضّح فيه للعاملين في مجموعات أخرى لرعاية الحيوان كيفية وضع برنامج تدخّل كالذي طوّرته هي، وبفضل جهودها في إعادة تأطير المشكلة قد يأتي يوم في المستقبل تكون فيه مشكلة دور إيواء الحيوانات المهجورة أمراً من الماضي. فكيف يمكنك أن تعثر على طريقة مشابهة لإعادة تأطير مشكلةٍ ما لديك؟

الممارسات السبع لإعادة التأطير الفعالة

أعتقد في تجربتي الشخصية أن أفضل مقاربة لإعادة التأطير، هي عبر النظر إليها باعتبارها عملية سريعة مكررة. وبوسعك التفكير بها كعملية مشابهة لنماذج سابقة حدثت من قبل. ويمكن استخدام الممارسات التي سأوضّحها هنا بإحدى طريقتين، وذلك يعتمد على مقدار السيطرة التي تمتلكها حيال موقف ما. الطريقة الأولى هي التطبيق المنهجي للممارسات السبعة على المشكلة، ويمكن فعل ذلك في حوالي 30 دقيقة تقريباً، وهي كفيلة بتعريف أي شخص على هذه الطريقة. أما الطريقة الأخرى فتكون مناسبة حين لا تمتلك سيطرة على الموقف، ولذا يكون عليك تعديل الطريقة بما يتناسب مع الوقت المتوفّر لديك. ربما يظهر لك أحد أعضاء الفريق فجأة عند مدخل الشركة، ولا يتوفّر معك سوى خمس دقائق لمساعدته أو مساعدتها في إعادة التفكير في مشكلة ما. فإن كان الأمر كذلك فيمكنك الاكتفاء باختيار واحد أو اثنين من الممارسات الأنسب للموقف. قد تبدو فترة خمس دقائق قصيرة جداً لوصف مشكلة، فما بالك بإعادة تأطيرها، ولكن المفاجئ في الأمر هو أن بعض التدخلات القصيرة، تكون كافية في معظم الأحيان لتحفيز التفكير في المشكلة بطريقة جديدة، كما يمكن أحياناً أن تحقق نقلة مفاجئة في وجهة النظر حيال مشكلة ما. ومن الممكن أحياناً بسبب التشابه الحاصل مع المشاكل لديك أن تغرق في التفاصيل وأن تجد نفسك عالقاً في التفكير بالسبب الذي يمنع زميلك أو زوجك أو ابنك من الاستماع إليك. وفي بعض الأحيان يكون كل ما تحتاج إليه هو أن يقترح عليك أحدهم قائلاً: "حسناً، هل من الممكن أن تكون المشكلة أنك لا تستمع إليهم جيداً أيضاً؟". صحيحٌ طبعاً أن بقية المشاكل ليست بهذا القدر من البساطة. ففي بعض الأحيان تكون هنالك حاجة إلى جولات متعددة من إعادة التأطير، يتخللّها الكثير من الملاحظات والنقاشات ووضع النماذج. بل ثمة حالات لا تجدي معها عمليات إعادة التأطير نفعاً بالمرّة. ولكن ليس بوسعك أن تعرف على وجه التأكيد أي المشاكل التي تجدي معها عملية إعادة التأطير إلى أن تجرّب ذلك. وبمجرد أن تتقن تجربة الخمس دقائق، فسيكون بوسعك تطبيق عملية إعادة التأطير على أي مشكلة تواجهها تقريباً. وفيما يلي بيان هذه الممارسات السبعة:
  1. أثبت وجاهة رأيك.
من الصعب أحياناً اللجوء إلى إعادة التأطير إن كنت الشخص الوحيد الذي يعرف هذه الطريقة في القاعة. فقد يشعر بعض الأشخاص الذين يهتمون كثيراً للوقوف على الحلول، أن إصرارك على مناقشة المشكلة هو تصرّف غير منتج. وإن كنت أمام عملائك أو زملاء أعلى مرتبة منك في الشركة، فإن هذا قد يكون كفيلاً بإسكاتك حتى قبل أن تبدأ. بل وحتى المدير التنفيذي القوي قد يجد صعوبة في استخدام هذه الطريقة حين يدرك أن الناس معتادون على تلقّي الإجابات من القائد لا الأسئلة. ولذا فإن مهمتك الأولى تتمثل في إثبات وجاهة هذه الطريقة أمام المجموعة، وأن تخلق مساحة النقاش الضرورية لتطبيق إعادة التأطير. وأقترح طريقتين للقيام بذلك. الأولى أن تشارك هذه المقالة مع الأشخاص الذين تجتمع بهم، وحتى إن لم يقرؤوها فقد تكون مجرد رؤيتهم لعنوانها كفيلةً بإقناعهم للاستماع إليك. أما الطريقة الثانية فهي الاعتماد على مثال المصعد البطيء، فهو المثال الذي عادة ما أستخدمه حين يكون أمامي أقل من 30 ثانية لشرح مفهوم إعادة التأطير للآخرين. وقد رأيت أن هذه الطريقة فعالة في توضيح فكرة إعادة التأطير، وكيف أنها ليست مجرد تشخيص للمشكلة، وكيف يمكن الاعتماد عليها للوصول إلى نتائج أفضل بكثير.
  1. أشرك في الجلسة أشخاصاً من خارج المجموعة.
لعل هذا هو الممارسة الأكثر نفعاً في عملية إعادة التأطير. وقد ثبتت لي جدوى ذلك عملياً قبل ثمانية أعوام حين كان فريق الإدارة في شركة أوروبية صغيرة يجد صعوبة بالغة في التعامل مع نقص القدرة على الابتكار لدى فريق العمل. وقد كانت إدارة تلك الشركة قد تعرفت في وقت سابق إلى تقنية محددة للتدريب على الابتكار وقد لاقت استحسان المديرين جميعاً، ثم بدؤوا بالنقاش بخصوص الطريقة الأمثل لتطبيق هذه التقنية في الشركة. وحين شعر المدير العام بأن المجموعة تفتقر إلى صوتٍ من خارجها ذهب إلى مساعِدتِه الشخصية واسمها تشارلوت وطلب منها أن تشارك في النقاش. قالت تشارلوت للفريق الإداري: "أنا أعمل هنا منذ 12 سنة، ومرّ عليّ خلال هذه السنوات ثلاثة طواقم إدارية تحاول أن تضع إطاراً جديداً للابتكار في الشركة، ولم يفلح أي منها. لا أعتقد أنه سيروق للموظفين أن يتعاملوا مع مجموعة جديدة من المصطلحات التقنيّة الرنّانة". لقد دفعت ملاحظات تشارلوت الفريق الإداري ليدركوا أنهم كانوا مغرمين بحلّ معيّن -والمتمثّل في وضع إطار جديد لعملية الابتكار في الشركة- قبل أن يفهموا المشكلة التي أمامهم بشكل دقيق. وسرعان ما تبيّن لهم بعد ذلك أن تشخيصهم الأولي للمشكلة قد كان خاطئاً: فالعديد من الموظفين كانوا قادرين فعلاً على الابتكار، ولكنهم لم يكونوا يمتلكون قدراً كبيراً من الانتماء للشركة بما يكفي لتحفيزهم على أخذ زمام المبادرة والقيام بشيء يتجاوز الوصف الوظيفي المفروض على كلٍ منهم. وهكذا ظهر أن ما ظنّه المديرون في البداية مشكلة تتعلق بالمهارات هي في واقع الأمر مشكلة تتعلّق بغياب الحافز. وهكذا ترك الفريق الإداري كل ذلك الحديث عن ورش عمل الابتكار وركّزوا اهتمامهم بدل ذلك على تعزيز الحافز على الابتكار لدى الموظفين، وذلك عبر عدّة إجراءات من بينها منح الموظفين قدراً أكبر من الاستقلالية، والاعتماد على ساعات عمل أكثر مرونة، والانتقال إلى شكل أكثر تشاركية في عملية اتخاذ القرار. وقد كان هذا العلاج ناجعاً بالفعل. فخلال 18 شهراً ارتفعت نسبة الرضا في مكان العمل بين الموظفين بمقدار الضعف، وانخفض معدّل دوران الموظفين بشكل كبير جداً. ولمّا بدأ الموظفون بتوظيف مهاراتهم الابتكارية في العمل تحسّنت النتائج المالية للشركة بشكل ملحوظ كذلك. وبعد أربع سنوات حازت الشركة على جائزة أفضل بيئة للعمل. تُظهر لنا هذه القصة أن الاستعانة بوجهة نظرِ شخصٍ من خارج المجموعة، قد يكون أمراً بالغ الأهمية لإعادة التفكير بمشكلة ما بشكل سريع ومناسب. وللقيام بذلك بأقصى قدر من الفعالية احرص على ما يلي: ابحث عن الأشخاص متخطي الأقسام. فقد أشارت الأبحاث التي قام بها مايكل توشمان وكثيرون غيره، أن المدخلات الأكثر نفعاً يكون مصدرها عادة الأشخاص الذين لديهم القدرة على فهم مجال عملك، ولكنهم ليسوا جزءاً منه تماماً. لقد كانت تشارلوت على سبيل المثال قريبة بما يكفي من الخطوط الأمامية لعمل الشركة وهي تعرف كيف كان يشعر الموظفون، كما كانت في الوقت ذاته قريبة بما يكفي من الإدارة لفهم أولوياتها وامتلاك اللغة المشتركة معها، وقد جعلها ذلك الشخص المؤهل للانخراط في النقاش حول المشكلة. أما لو تم استدعاء أحد الخبراء في مجال الابتكار فإنه سيصرّ على الأغلب على السير على خطة الإدارة المتعلقة بالابتكار بدل مساعدتهم على إعادة التفكير بالمشكلة من جذورها. احرص على اختيار شخصٍ لديه الجرأة على الحديث بحرية. بفضل عمل تشارلوت لفترة طويلة في الشركة وقربها من المدير العام، فإنها لم تكن تخشى أن تقدّم وجهة نظر مخالفة لفريق الإدارة مع الالتزام في الوقت ذاته بالأهداف التي يسعى إليها. هذا الجانب من الأمن النفسي على حدّ تعبير إيمي إدموندسن، يساعد المجموعات على تقديم أداء أفضل. فبإمكانك مثلاً الاستعانة بشخص لا يعتمد تقدّمه الوظيفي على رأي الأشخاص المشاركين في النقاش، أو ربما تختار شخصاً يُعرف عنه بأنه لا يخشى التعبير عن رأيه أمام الإدارة. وجّه اهتمامك للحصول على المدخلات، وليس الحلول. من الأهمية بمكان أن تشارلوت لم تحاول تقديم حل للفريق الإداري، وإنما كانت الملاحظات التي قدّمتها كفيلة بدفع المديرين لإعادة النظر في المشكلة التي بين أيديهم. وهذا هو النمط المثالي. هؤلاء الأشخاص الذين نستعين بهم من خارج الدائرة التي لدينا هم ليسوا خبراء مختصين بالقضية موضوع النقاش، ولذا فإنهم نادراً ما سيكونون قادرين على تقديم حل لها. ولكن هذا ليس دورهم أصلاً، وإنما دورهم هو تحفيز المعنيين على التفكير بالمشكلة من زاوية مختلفة. ولذلك لا بد أن تؤكد لهم حين تدعوهم للمشاركة في النقاش أن المطلوب منهم هو تحدي أفكار المجموعة، وتجهيز المعنيين بالمشكلة للاستماع والبحث عن المدخلات وليس الإجابات.
  1. اطلب كتابة تعريف كل شخص للمشكلة.
ليس مستبعداً أن يغادر الأشخاص غرفة الاجتماعات وهم يظنون أنهم يمتلكون فهماً موحّداً لطبيعة مشكلة ما بعد نقاش شفهي عابرٍ بشأنها، ثم يكتشفون بعد بضعة أسابيع أو أشهر أن لديهم آراءً مختلفة بشأن القضية. أضف إلى ذلك أن إعادة التأطير الناجحة للقضية قد تكون كامنة في أحد هذه الآراء. فعلى سبيل المثال، قد يتفق الفريق الإداري على أن المشكلة التي تواجهها الشركة تتمثّل في ضعف الحافز لدى الموظفين. ولكن لو طلبت من كل واحد من أعضاء هذا الفريق أن يصف المشكلة في جملة أو اثنتين فإنك سرعان ما ستلحظ الفرق في الإطار المستخدم لدى كل منهم للنظر إلى المشكلة. فقد يقول أحدهم: "موظفونا لا يمتلكون الحافز للابتكار" أو "إنهم لا يدركون خطورة الوضع"، وقد يقول آخر: "الموظفون لا يمتلكون المهارات اللازمة للابتكار"، أو "عملاؤنا ليسوا على استعداد لتحمّل تكلفة الابتكار" أو "نحن لا نكافئ الموظفين على ابتكارهم". عليك أن تبدي عناية كبيرة بالصياغة، فحتى الكلمات التي تبدو لك غير مؤثّرة قد تكون بوابة لظهور وجهة نظر جديدة بخصوص المشكلة. وقد مررت بمثال واقعي بخصوص هذا الأمر حين كنت أعمل مع مجموعة من المديرين في قطاع الإنشاءات لمحاولة استكشاف ما الذي بوسعهم القيام به كقادة أفراد لتحقيق نتائج أفضل. وفي أثناء محاولاتنا لتحديد العوائق والتحدّيات التي يواجهها كل واحد منهم طلب منهم تدوين مشاكلهم على لوح الورق القلّاب (Flip chart)، وبعدها بدأنا بتحليلٍ جماعي للعبارات المكتوبة. وقد كان للتعليق الأول الذي قدّمه أحد المشاركين التأثير الأكبر حين قال: "لا يشتمل أي واحدٍ من هذه العبارات على ضمير المتكلم (أنا)". لقد كان التعبير عن المشاكل في هذه العبارات (باستثناء واحدة فقط) يُصاغ بطريقة تستبعد المسؤولية الشخصية عن الأمر، من قبيل: "فريقي لا يقوم بكذا..." أو "السوق لا يساعد ..."، وفي أمثلة قليلة كان يستخدم ضمير الجمع "نحن" في التعبير عن المشكلة. وقد كانت هذه الملاحظة كفيلة بتغيير تعاطي المجموعة مع الأمر، إذ بدؤوا بإدراك المسؤولية الشخصية عن التحديات التي يواجهونها. ومن الضروري جمع هذه التعريفات الفرديّة للمشكلة قبل النقاش. اطلب من الأشخاص المعنيين إن أمكن أن يرسلوا إليك تعريفاً بسيطاً للمشكلة في رسالة إلكترونيّة خاصّة، واطلب منهم صياغة التعريف على شكل جملة، لأنّ النقاط تكون مكثّفة بشكل كبير عادةً. ثم اكتب هذه الجمل التي حصلت عليها على لوح الورق القلّاب، وذلك كي يتمكّن الجميع من قراءتها والتفاعل معها في الاجتماع. ولا تنسب الجمل إلى كاتبها، وذلك لأنّك معنيّ بألا يتـأثّر حكم الأشخاص على هذه التعريفات بهويّة أو مكانة الشخص الذي كتبها. إن الحصول على هذه التعريفات المتعدّدة سيزيد من قدرتك على تفهّم وجهات نظر الأطراف المعنيّة. جميعنا من الناحية النظريّة نقدّر اختلاف التجربة الشخصيّة حيال مشكلة ما (أو عدم اعتبارها مشكلة أصلاً). ولكن أظهرت دراسة حديثة أجراها جوهانز هاتولا من الكلية الملكيّة في لندن، أنّ المديرين إن حاولوا تصوّر وجهة نظر العميل بأنفسهم، فإنهم سيخفقون عادة في ذلك. فلا بدّ من أجل معرفة طريقة تفكير الطرف الآخر أن نسمع منه مباشرة.
  1. اسأل عن الجوانب المهملة.
يميل الناس عند مواجهة وصف لمشكلة ما إلى الغوص عميقاً في تفاصيل دقيقة لما تمّ وصفه، مهملين في الوقت ذاته ما قد يكون غائباً في ذلك الوصف. ولا بدّ من أجل تصحيح ذلك أن نحرص على أن نسأل بشكل واضح عن الأمور التي قد يكون وصف المشكلة قد أغفل ذكرها أو أسقطها. عملت من فترة قصيرة مع فريق من كبار المديرين التنفيذيين في البرازيل كان الرئيس التنفيذي قد طلب منهم تزويده ببعض الأفكار من أجل تحسين سمعة وقيمة الشركة في السوق. وقد قام الفريق بكل خبرة ودراية بتحليل جميع العوامل التي تؤثّر على قيمة أسهم الشركة وتوقّعات مكرر الربحية (نسبة سعر السهم إلى ربحه)، ونسبة المديونيّة، والأرباح على الأسهم وغير ذلك من التفاصيل. ولم يكن بطبيعة الحال أيّ من هذه الأمور جديداً على الرئيس التنفيذي، ولم يكن من السهل أن تبهره بشيء، وقد أدّى ذلك إلى حالة من اليأس بين أعضاء الفريق. ولكن حين دعوت المديرين التنفيذيين للتعاطي مع الأمر بمنظور أوسع والتفكير بما هو غائب في تعريف المشكلة ظهر لهم جانب جديد. فقد تبيّن أنّه حين طلب المحللون الماليون الخارجيون الحديث مع المديرين التنفيذيين في الشركة، فإن هذه المهمّة قد أوكلت لمديرين أقلّ خبرة، ولم يكن لدى أيّ منهم تجربة عمليّة في كيفيّة الحديث مع المحلّلين. وحين اتّضح لهم ذلك توصّل فريق المديرين التنفيذيين إلى توصية قد تثير اهتمام الرئيس التنفيذي. كما أن هذه الملاحظة لم ترد من الخبير الماليّ في الفريق وإنما قدّمها مدير متخطي للأقسام في قسم الموارد البشريّة.
  1. فكّر بتصنيفات متعدّدة.
تظهر لنا قصّة لوري وايس أنّ التغيير الفعّال قد يتحقّق عند تغيير تفكير الناس بمسألة ما. وأحد السبل التي تدفع نحو تغيير النموذج التحليليّ، يكون في دعوة الآخرين لتحديد الفئة التي تقع ضمنها المشكلة التي يعتقدون أنّ المجموعة تواجهها. هل المشكلة في الحافز؟ أم هي مشكلة ترتبط بسقف التوقّعات المفروض؟ أم هي مسألة تتعلق بطريقة التفكير ووجهة النظر؟ احرص كذلك على اقتراح المزيد من التصنيفات. كنت أعرف مديراً اسمه جيرمايا زين، وقد فعل هذا الأمر حين كان مسؤولاً عن فريق تطوير أحد المنتجات في قناة برامج الأطفال الشهيرة (Nickelodeon). كان الفريق قد أطلق تطبيقاً جديداً واعداً، والعديد من الأطفال قاموا بتنزيل هذا التطبيق على أجهزتهم. ولكنّ تفعيل هذا التطبيق فيه شيءٌ من التعقيد، لأنّه يتطلّب تسجيل الدخول إلى خدمة كابل التلفاز في المنزل. وفي تلك المرحلة من التسجيل في التطبيق كان جميع الأطفال تقريباً يفقدون الرغبة في المتابعة. لقد رأى الفريق أنّ المشكلة تتعلق بسهولة الاستخدام، ولذا وجّه خبراته للعمل على هذه القضيّة وتمّ إجراء مئات الاختبارات على العديد من عمليّات تسجيل الدخول كي تصبح العمليّة أقلّ تعقيداً، ولكن كلّ ذلك لم يجدِ نفعاً. لكنّ التحوّل قد حدث حين أدرك زين أنّ الفريق يتناول المشكلة من منظور ضيّق، فقد كان التركيز على ما يقوم به الطفل، مع تتبّع كل نقرة أو نقلة، ولكنّهم لم يفكّروا بما يشعر به الطفل خلال عملية تسجيل الدخول. وهذا هو الجانب الذي تبيّن أنّه بالغ الأهمّية. وقد وجد الفريق حين بدأ بتحديد ردود الفعل العاطفيّة لدى الأطفال أنّ طلب كلمة المرور الخاصّة بكابل التلفاز، كانت تربك الأطفال لأنّهم يخشون الوقوع بأي مشكلة: فكلمة المرور بالنسبة لطفل في سنّ العاشرة توحي بأنّه سيدخل إلى مجال محظور. ولتجاوز هذا الأمر قام الفريق بإضافة مقطع فيديو قصير يشير للطفل بأنّه لا بأس أن يطلب كلمة المرور من والديه، وعندها فقط تضاعف أعداد الأطفال المشتركين بالتطبيق عشر مرّات. وعن طريق الإشارة بشكل واضح إلى الطريقة التي تنتهجها المجموعة في التفكير بمشكلة ما، وهذا ما ندعوه أحياناً معرفة المعرفة أو التفكير بالتفكير، فإنك تساعدهم على إعادة تأطيرها، حتّى لو لم يتوفّر لديك أطر بديلة يمكنك اقتراحها عليهم. وهذه الطريقة مفيدة لتصنيف التعريفات المكتوبة إن كان بالإمكان جمعها من الأشخاص المعنيين قبل الاجتماع بهم. إن قصّة جيرمايا زين تكشف عن ثغرة تقليديّة في عملية حلّ المشكلات، كان أوّل من عبّر عنها أبراهام ماسلو في قانون الأداة المشهور بقانون المطرقة: "ضع مطرقة في يد صبيّ صغير، وسيجد أنّ كلّ شيء يحتاج إلى طرق". ففي هذا التطبيق كان جميع أعضاء الفريق خبراء في قضيّة سهولة الاستخدام، ولذا فإن تفكيرهم في المشكلة كانت بشكل طبيعيّ سيتعلقّ بقضيّة الاستخدام.
  1. حلّل الاستثناءات الإيجابيّة.
عليك من أجل استكشاف أطرٍ جديدة للمشكلة أن تبحث عن حالاتٍ لم تقع فيها هذه المشكلة، واسأل نفسك هذا السؤال: "ما الذي اختلف في هذه الحالة؟". إن البحث عن الاستثناءات الإيجابيّة، والتي تدعى أحياناً "بقع الضوء"، يمكن أن يكشف عن عوامل خفيّة لم يتسنّ للمجموعة النظر فيها. تحدّثتُ مرّة مع محامٍ وأخبرني أنّ المديرين الشركاء في مؤسّسته يلتقون بين الفينة والأخرى لمناقشة مبادرات تساعد على تنمية أعمال الشركة على المدى الطويل. ولكنّه كان يشعر بالإحباط لحظة انتهاء كلّ واحد من هذه اللقاءات، حين يعود هو وبقيّة المديرين إلى التركيز في حديثهم على المشاريع المقبلة على المدى القصير. ولكن حين بدأ هذا المحامي بالتفكير بالاستثناءات الإيجابيّة فإنه تمكّن من تذكّر واحدة من المبادرات طويلة المدى التي كان لها بالفعل نصيب من النجاح. ثم سألت نفسي: بمَ تختلف تلك المبادرة عن سواها؟ وقد تبيّن لي أنّ الاجتماع الذي جرى فيه نقاش هذه المبادرة قد ضمّ المديرين الشركاء، ومديرة أخرى كانت تُعدّ نجمة صاعدة في الشركة، وكانت هي التي تابعت الفكرة وطوّرتها. وقد كان ما جرى إشارة إلى ضرورة إشراك بعض المديرين الصاعدين في الاجتماعات المقبلة، وقد زاد ذلك من تقدير هؤلاء المديرين الشباب لأنفسهم وحماستهم للعمل حين تلقّوا الدعوة للمشاركة في مثل هذه النقاشات الاستراتيجية. وقد كان لهؤلاء المديرين حوافز قصيرة المدى تدفعهم للاهتمام بالمشاريع طويلة المدى، لأنّهم كانوا مهتمّين بإثارة إعجاب كبار الشركاء ونيل المرتبة الأولى في المنافسة مع بقيّة الزملاء. إن البحث عن الاستثناءات الإيجابيّة يساعد كذلك في خفض حدّة التوتّر في النقاش. ففي المجموعات الكبيرة أو النقاشات العامّة، يكون تناول مجموعة من حالات الإخفاق مدعاة للمجابهة ويجعل المشاركين يتخذون وضعيّة دفاعيّة. أمّا لو طُلب من أعضاء المجموعة تحليل أحد المخرجات الإيجابيّة فسيسهّل عليهم ذلك تحليل سلوكهم.
  1. اسأل عن الهدف.
يسرد روجر فيشر، وويليام أوري، وبروس باتون في كتابهم الكلاسيكي عن فنّ التفاوض (Getting to Yes) القصّة المعروفة التي تحكيها ماري باركر فوليت بخصوص شخصين يتشاجران بخصوص إغلاق النافذة أو إبقائها مفتوحة. وقد كان هدف كلا الرجلين مختلفاً، فأحدهم بحاجة لهواء نقيّ، والآخر يخشى من الهواء البارد. وحين اتّضح هذان الهدفان الخفيّان للرجلين عبر أسئلة رجل ثالث كان من السهل حلّ الخلاف بينهما، وكان ذلك ببساطة عن طريق فتح نافذة في الغرفة المجاورة. تسلّط هذه القصّة الضوء على طريقة أخرى لإعادة تأطير المشكلة، وذلك عبر التنبّه بشكل دقيق لأهداف الأطراف المعنيّة بالقضيّة، وذلك أوّلاً عبر توضيحها ثمّ نقدها. لقد كان برنامج إيواء الحيوانات الذي طوّرته وايس على سبيل المثال يعتمد على إحداث تحوّل على الهدف؛ أي من زيادة أعداد الأشخاص الذين يتبنّون الحيوانات الأليفة إلى الحدّ من عدد حالات هجرها من قبل أصحابها. أمّا قصّة تشارلوت فقد اشتملت كذلك على تحوّل في الأهداف المعلنة لفريق الإدارة؛ فقد تحوّل التركيز من تدريب الموظفين على مهارات الابتكار إلى زيادة الحافز لديهم. وهنالك مثال حديث ومعروف أورده فريد كابلان في كتابه (The Insurgents) عن التغيّر الذي حصل في العقيدة العسكريّة للجيش الأمريكيّ على يد الجنرال ديفيد بتريوس وآخرين. ففي الحرب التقليديّة يكون الهدف في المعركة إلحاق الهزيمة بقوّات الأعداء. ولكن بتريوس وحلفاؤه جادلوا بأنّه في حال التعامل مع حالات التمرّد، فإن على الجيش أن يمتلك هدفاً مختلفاً وأوسع، إلا وهو منع التمرّد من زيادة شعبيّته، عبر كسب تأييد الناس، وذلك عبر إعاقة مصادر التجنيد، وغير ذلك من أشكال الدعم المحليّ الذي تحتاجه القوى المتمرّدة للتحرّك في المنطقة. وقد تمّ اعتماد هذه المنهجيّة في الجيش بعد أن قامت مجموعة من المفكّرين الروّاد بتحمّل المسؤوليّة بإعادة النظر بالأهداف المعلنة والراسخة للمؤسّسة التي ينتمون إليها. مع الإقرار بفعالية عمليّة إعادة التأطير وأهمّيتها، إلا أنّه من اللازم التذكير بأنّ إتقانها يتطلّب الكثير من الوقت والممارسة. التقيّت مرّة بمديرٍ تنفيذيّ رفيع المستوى من قطاع الصناعات الدفاعيّة وقال لي: "لقد صُدمت حين اكتشفت صعوبة إتقان عملية إعادة تأطير المشاكل، ولكنّي تفاجأت كذلك من مقدار فعاليتها". وحين تبدأ بالاعتماد بشكل أكبر على هذه الطريقة لا تنسَ أن تشجّع فريقك على امتلاك الثقة بها، وأن يكونوا مستعدّين للشعور ببعض الارتباك والفوضى في بعض الأحيان. وقد تشعر عند الخوض في عدد أكبر من نقاشات إعادة التأطير بإغراء قد يدفعك لإنشاء قائمة تحقّقٍ لأغراض التشخيص. ولكنّي لا أنصح بذلك أبداً، أو لا أفضّل على الأقل أن يراها أعضاء الفريق المعنيين بالأمر. فقائمة التحقّق الخاصّة بتشخيص المشاكل عادة ما تثبّط ممارسة التفكير الحقيقي، وهذا بطبيعة الحال يخالف الهدف الأساسيّ لعملية إعادة التأطير. ويذكّرنا نيل غايمان في كتابه (The Sandman) بأنّ بعض الأدوات قد تكون مجرّد كمائن خفيّة تقودنا إلى الخطأ. وأخيراً، احرص على الدمج بين إعادة التأطير مع إجراء الاختبارات الفعليّة. فلهذه الطريقة في واقع الأمر قيودٌ تتعلق بمقدار المعرفة المتوفّرة لدى الأشخاص ووجهات نظر الأطراف المعنيين بالنقاش، وكما أظهر لنا ستيف بلانك من جامعة ستانفورد وغيره من الباحثين، فإنه من الخطير جدّاً أن تظنّ أنّك قادرٌ على حلّ جميع مشاكلك ضمن الحدود المريحة لمكتبك. وحين تواجه أيّ مشكلة في المرّة المقبلة فابدأ التعامل معها بإعادة تأطيرها، ولكن احذر أن يمرّ وقت طويل دون أن تخرج من مكتبك وتبدأ بمراقبة عملائك ووضع نماذج للأفكار التي لديك. فالقضيّة ليست مرتبطة بالتفكير وحده ولا بالاختبار وحده، وإنما الاعتماد على كلا الأمرين في آنٍ معاً، وهذا هو المفتاح الذي يضمن تحقيق أفضل النتائج وأكثرها تأثيراً.
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!