تابعنا على لينكد إن

قبل ثلاث سنوات، شهدت شركات النفط الوطنية وحكوماتها عصراً ذهبياً، إذ وصلت قيمة برميل النفط الواحد آنذاك إلى 100 دولار. لكن الانخفاض الحاد الذي حلّ بأسعار النفط اليوم، قلب الموازين رأساً على عقب. حيث وصل سعر البرميل إلى ما دون 30 دولار، ما أدى بالتالي إلى انخفاض عائداتها بنحو 170 مليار دولار مقارنة بالعقد السابق، لاسيما بعد تركيز الحكومات على دعم قطاع الدفاع والبرامج الاجتماعية ومشاريع البنية التحتية.

لذا، باتت هذه الحكومات تواجه عجزاً هائلاً في ميزانيتها للمرة الأولى. ففي عام 2016، سجّلت حكومة قطر أول عجزٍ في ميزانيتها خلال 15 عاماً، في حين سجلت المملكة العربية السعودية أكبر عجز على الإطلاق خلال العام الذي سبقه. كما شهد الصافي التراكمي للإقراض والاقتراض الحكومي للدول الأعضاء في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) تحولاً كبيراً من قيمة موجبة بواقع 188.12 مليار دولار خلال عام 2012 إلى قيمة سالبة بواقع 312.79 مليار دولار مع نهاية عام 2016، وذلك وفقاً لبيانات عام 2016 الواردة في تقرير “مستجدات آفاق الاقتصاد العالمي” الصادر عن صندوق النقد الدولي. هذا الهبوط الحاد الذي شهده النفط في العام 2014، ضاعف من قيمة قروض دول (أوبك) ثمانية مرات بين العامين 2014 و 2016.

البحث عن فرص جديدة
لاريب في أن الضغط يتزايد بشكل مستمر، ليس فقط على الحكومات بل على شركات النفط الوطنية أيضاً، لاسيما تلك التي تقع في الدول ذات الاقتصاد المبني على النفط، الأمر الذي دفعها إلى تفادي الظروف الاقتصادية المتقلبة لسوق النفط من خلال المشاركة في أسواق أخرى، حيث قامت بالاستثمار بصورة نشطة في دول خارج الدول الأم على مدى ما يزيد عن عقد من الزمن.

ومن أحدث الأمثلة على انتهاج هذه الاستراتيجية، تلك الصفقة التي أبرمتها شركة “أرامكو السعودية” بقيمة 7 مليار دولار، للاستحواذ على 50% من حصة مشروع تكرير النفط الضخم الذي تقوم بتطويره شركة النفط الوطنية الماليزية “بتروناس” في ولاية جوهور الجنوبية بالقرب من سنغافورة. ومن المتوقع أن يساعد هذا الاستثمار-حسب تصريحات المسؤولين- في أن يجعل من شركة “أرامكو” أكبر مستثمر أجنبي في ماليزيا، وأن يصبح من شأنه تعزيز توجهات شركة النفط الوطنية السعودية نحو توسيع قاعدة أعمالها في سوق جنوب شرق آسيا المزدهر.

وبدورها، تقوم شركة “قطر للبترول” بدراسة إمكانية إقامة مشاريع مشتركة لتطوير إنتاجها للغاز الطبيعي المسال، وهو أمر أصبح بمثابة الضرورة التجارية بعد أن قامت قطر بوضع سقف لإنتاجها المحلي. وفي إطار اعتبار الإمكانيات المستقبلية للاستثمار في الغاز الطبيعي المسال والتي تنضوي على مخاوف من تغير المناخ، وتَفرض على أصحاب المشاريع خفض نسبة انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، التزم الرئيس التنفيذي لشركة “قطر للبترول” سعد شريده الكعبي بإجراء المزيد من الاستثمارات على الصعيد الدولي إلى جانب البحث عن فرص للتعاون مع شركاء يبحثون عن فرص الاستثمار الخارجي.

وبالإضافة إلى ذلك، تقوم الشركة بالتنقيب عن النفط في قبرص والمغرب، وتشارك في مشروع لاستيراد الغاز الطبيعي المسال إلى باكستان وينطوي ذلك على إنشاء خط أنابيب وأرصفة ووحدات تخزين عائمة ووحدة إعادة التحويل إلى الغاز. كما تقوم شركة النفط الوطنية ببناء مصنع للغاز الطبيعي المسال بقيمة 10 مليارات دولار في ولاية تكساس الأمريكية وفق شراكة مع “إكسون موبيل”، كما أبرمت الشركة اتفاقيةً لتزويد شركة توليد الطاقة البرازيلية بالغاز المسال والتي تدخل حيز التنفيذ عام 2020.

وتبعاً لمجهودات تنويع الاقتصاد، تستهدف “شركة أبوظبي الوطنية للنفط” (أدنوك) الطلب المحلي والدولي المتنامي على المنتجات المكررة والبتروكيماوية وخاصةً في آسيا، حيث تشير التوقعات إلى تضاعف حجم السوق بحلول عام 2030. وتخطط “أدنوك” للاستثمار في مشاريع جديدة على مدى السنوات الخمس القادمة والتي من شأنها أن تعزز إنتاجها من البنزين والمنتجات العطرية وتمنحها قدرةً إضافية على صعيد إنتاج مادة “البولي أوليفين”.

وبالإضافة إلى ذلك، نجحت شركة النفط الإماراتية في جذب أموال الاستثمار القادمة من آسيا والتي تؤمن لها رأس المال المطلوب للتوسع، وفي شهر فبراير، أعلنت “أدنوك” عن إبرام شراكات بقيمة 2.7 مليار دولار تقريباً مع اثنتين من شركات الطاقة الصينية الكبيرة. وفي حين تكسب الصين موطئ قدم استراتيجي، تحقق أبوظبي حالةً من التعادل المالي ضمن سوق استيراد كبيرة ومتنامية.

تحديد حجم المخاطر
بالإضافة إلى التكاليف الكبيرة الناتجة عن هذه الشراكات، لم تحقق شركات النفط الوطنية النتائج المرغوبة. وقد ساهم الانخفاض الأخير لأسعار النفط، عندما بلغ سعر البرميل 50 دولار، في انخفاض هوامش أرباح هذه الشركات بنحو 8%، إلا أن الانخفاض الفعلي قد بدأ في عام 2006 بعد قيام الشركات بتوسيع نطاق عملياتهم على المستوى الدولي. فعلى الرغم من الفوائد العديدة التي يحققها التوسع الدولي، إلا أنه ساهم أيضاً في زيادة تعرض الشركات لمختلف المخاطر والتي تشمل تأخر التسليم، وتجاوز التكاليف المحددة، والخلافات بين الشركاء بشأن المشاريع الدولية، والمتطلبات التنظيمية التي تختلف من دولة لأخرى، فعندما تقوم الشركات بنقل بعضاً من عملياتها لدول أخرى، فهي بذلك تزيد من إمكانية تأثر الجداول الزمنية وميزانيات المشاريع المحلية بالمشاريع الدولية.

ضِف إلى ذلك تعرض الشركات لقدر أكبر من المخاطر غير المتوقعة، كالهجمات الإلكترونية المتطورة التي قد تؤدي إلى انهيار عمليات التشغيل العالمية، وهو أمر لم يواجه إلا القلة من شركات النفط الوطنية -إن وجدت- ناهيك عن الاستعداد له.

وإذا ما أرادت شركات النفط الوطنية أن تتنافس على المستوى العالمي مع شركات النفط العالمية الكبرى وأن تقدم أداءً مماثلاً لها، فستحتاج لتعزيز قدرتها على استيعاب الصدمات المالية وتحسين كيفية جميع البيانات (من حيث الكمية والجودة والتوقيت). وتتمثل الخطوة الأولى بتطوير بنية تحتية يتم من خلالها إدارة المخاطر المؤسسية والتي لا تقتصر على تحديد المخاطر وتقييمها فحسب، بل تقوم بتحديد تكلفة التهديدات المحتملة الناتجة عن تلك المخاطر.

دور إدارة المخاطر المؤسسية وجمع البيانات في دفع عجلة الأعمال
لسنوات عديدة، كانت شركات النفط الوطنية هي المصدر الرئيسي لأرباح الحكومات، ما دفع الشركات إلى عدم الاهتمام بتنويع نشاطاتها أو بناء مهام متطورة لجمع البيانات. إلا أنّ دورها الجديد كشركات دولية يشترط وجود قدر أكبر من الشفافية فيما يتعلق بأنظمتها وبياناتها. لذا، لابد من تفعيل إدارة المخاطر المؤسسية في شركات النفط الوطنية، ليس لغرض تخفيف المخاطر فحسب، بل أيضاً كوسيلة لدفع عجلة الأعمال للأمام. إذ يتعيّن على شركات النفط الوطنية تطوير نظماً لإدارة المخاطر المستخدمة على نطاق المؤسسة، حيث تقوم هذه النظم بتضمين وظائف تقييم المخاطر وتخفيفها ضمن جميع عمليات صنع القرار الرئيسية، كالتخطيط الاستراتيجي والاستثمارات وتخطيط الأعمال ووضع الميزانية. هذا الأمر يضمن لمديري شركات النفط الوطنية وصولاً في الوقت المناسب للمعلومات ذات الصلة بالمخاطر، وللأفكار التي يمكن استخدامها بعد ذلك لتجنب حالات عدم اليقين واتخاذ قرارات غير واعية بشأن التوسعات المقترحة والمشاريع الجديدة والعمليات الجارية.
ولعّل أبرز ما تفتقر إليه شركات النفط الوطنية، هو القدرة على توليد بيانات عالية الجودة وبصورة مستمرة من كافة أقسام المؤسسة، وإنشاء قاعدة بيانات موحدة يمكن لجميع الإدارات والأقسام الاستفادة منها. ويعتبر ذلك أمراً ضرورياً لتمكين إدارة المخاطر المؤسسية من القيام بدورٍ فعّال. ونظراً للتطور التكنلوجي، يمكن تحقيق ذلك من خلال البرامج والأنظمة بطريقة سلسلة وأسهل بكثير مما كانت عليه في السابق، حيث تطّلب ذلك شراء وتركيب أجهزة معقدة يتم تطبيقها خلال عدة سنوات.

وقد ساهمت برامج التواصل المتوفرة على شبكة الانترنت بفتح أبواب جديدة لشركات النفط الوطنية تتجاوز المتطلبات التقليدية لإدارة المخاطر المؤسسية، حيث تتضمن إنشاء أنظمة إعداد تقارير بصورة تلقائية لكبار المسؤولين وتوفر معلومات آنية عن تطور المخاطر في كافة أقسام المؤسسة. كما يركز هذا التطور في أنظمة إدارة المخاطر على تخفيف الأعباء الناتجة عن إعداد التقارير الإدارية في المؤسسات من خلال السماح بتحديد المخاطر وتقييمها من منظور مفصل إلى منظور أكثر شمولاً.

ضرورة تبنّي ثقافة المخاطر
ينبغي على كبار المسؤولين معرفة وإدراك سبل الاستفادة من البيانات بعد جمعها. ويقتضي هذا الأمر من شركات النفط الوطنية القيام بإضفاء الطابع المهني والرسمي على كيفية إدارة المخاطر المؤسسية، وذلك من خلال اعتماد تعريفات موحدة ومتسقة لمفاهيم وعمليات إدارة المخاطر، فضلاً عن تحديد أدوار ومسؤوليات الأشخاص العاملين فيها. ويمكن تلخيص كل هذا الأمر بعبارة واحدة ألا وهي، تبنّي ثقافة المخاطر.

وبالإضافة إلى ذلك، ستحتاج شركات النفط الوطنية إلى الاستثمار في هذا النوع من الحلول الآلية والبرامج المتخصصة المتطورة – المستخدمة عادةً في شركات النفط الكبرى – والتي تعمل على تبسيط عملية تدفق البيانات الداخلية وتطويرها. ومن شأن إطار عمل كهذا أن يُمّكن كافة الموظفين من حماية المؤسسة من السيناريوهات السلبية، وتعزيز استعدادها لمواجهة التغيرات، وضمان توافق المهام المدرجة ضمن إدارة المخاطر المؤسسية.

لاتتمتع غالبية شركات النفط الوطنية بخبرة كبيرة في ممارسة الأعمال على الصعيد الدولي، الأمر الذي يعرضها لمخاطر السمعة والمخاطر التنظيمية في بيئة جديدة، إذ تتعرض للفحص والتمحيص من قبل الهيئات الأجنبية بالإضافة إلى افتقار هذه الشركات للنفوذ والسلطة مقارنة بما تتمتع به في بلدانها الأصلية، ما يرفع من درجة تعرضها للمخاطر.

ويكمن أهم عنصر من عناصر إدارة المخاطر المؤسسية في التعرف على البيئات التنظيمية للدول التي تمارس فيها شركات النفط الوطنية نشاطاتها، وتطوير إجراءات إدارة مخاطر تتوافق مع المعايير والسياسات في الدولة المعنية. ولعل أبرز المصادر التي تساهم في متابعة التوجهات الاقتصادية والتنظيمية المعاكسة هو ما تنشره الشبكات الاجتماعية والإخبارية من معلومات تنتج عن محركات تحليل البيانات وغيرها من البرامج التي تعتمد على الذكاء الصناعي.

وعلى الرغم من كل هذه المخاطر والتحديات، إلا أن شركات النفط الوطنية في منطقة الخليج قد شرعت في موجهتها، وقد وضعت أهداف طموحة على المدى القصير كخفض التكاليف لمعالجة المسائل المرتبطة بالأداء المالي، فضلاً عن برامج الاستثمار الاستراتيجي طويلة الأمد لبناء مستقبل أكثر تنوعاً. إن ما ينقص هذه الشركات هو وضع نظم وقواعد بيانات مركزية لإدارة المخاطر المؤسسية لنشر ثقافة التعاون والشفافية في جميع أقسام المؤسسة، من أجل ضمان نجاح هذه المبادرات، وكي تصبح شركات النفط الوطنية شركات منافسة وذات مكانة عالية على الصعيد العالمي.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2017.

هذه المقالة عن إدارة الأزمات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz