بالنسبة للأفراد في الشركات، سواء كانوا مدراء أم موظفين، فإن عملية اندماج أو استحواذ الشركات ليست مجرّد أمر يتعلق باستراتيجية الشركة فحسب، وإنما سبب حقيقي للارتباك والاضطراب على الصعيد الشخصي أيضاً، بل إنه غالباً ما يشكّل صدمة عميقة ومؤلمة. ولعل ما يسمّيه المدراء التنفيذيون والمستشارون في طوابق القيادة العليا - بتعبير مخفَّف وملطَّف- "مرحلة ما بعد الاندماج"، إنّما هي في الواقع فترة مليئة بالتوتّر والشك وبالفوضى أيضاً، إذ يتضاعف حجم العمل كما تتزايد الضغوط والإجهادات. وسيتوجب عليك التكيّف بسرعة مع سياسات لم تألفها، وممارسات وسلوكيات وأدبيات لم تعتد عليها من قبل؛ كأن تضطر للعمل مع أناس غرباء من شركة أخرى أو ينحدرون من ثقافات مختلفة، أو لتقديم تقاريرك إلى مدراء ورؤساء جدُد ممن ليس لديهم أدنى فكرة عن تاريخك المهني ولا عن طموحاتك. وفي الوقت ذاته، ليس هنالك ما يضمن نيلك أية وظيفة في الشركة أو المؤسسة الجديدة، ناهيك عن ضمانك لتطوّر مهني طويل الأمد. فوسطياً، يُصنَّف ما يُقارب 30% من الموظفين في عِداد الفائض عن الحاجة إثر كل عملية اندماج أو استحواذ تجري ضمن قطّاع العمل ذاته.

في مثل هذه الحالات، ينحو معظم الناس إلى الانشغال والاهتمام بأمور لا يمكنهم السيطرة عليها أو التحكم بها، ألا وهي القرارات التي تتخذها شركاتهم حول من سيُسرَّح، ومن سيُرقّى، ومن سيُعاد تعيينه ومن سيُكلّف أو من سيُنقل. بيد أن دراساتنا وخبراتنا الاستشارية تُظهر أن الأفراد الذين يواجهون تحوُّلاً أو اضطراباً ضمن مؤسساتهم بوسعهم التأثير والتحكّم بما يحدث لهم أكثر مما يعتقدون.

عندما تنخرط الشركة التي تعمل لديها في واحدة من عشرات آلاف عمليات الاندماج والاستحواذ التي تجريها الشركات سنوياً حول العالم، سيكون بوسعك تبنّي أحد خيارين: إما أن ترضخ للأمر الواقع وتتابع تركيزك على المهام الموكلة إليك آملاً أن يجري كل شيء على خير ما يرام، وإما أن "تُلمّع" سيرتك الذاتية وتُحاول التواصل مع شبكة معارفك خارج نطاق شركتك وتبدأ البحث عن وظيفة بديلة. غير أننا ننصح باتباع خيار ثالث وربما أكثر فعالية، ألا وهو أن تنخرط في آلية الاندماج بفاعلية وتغتنمها كفرصة مناسبة لتقييم وضعك على حقيقته وإحراز تطوّرك المهني.

لقد التقينا وعملنا مع مئات الاحترافيين ممن اتبعوا الخيار الثالث أعلاه وأفادوا بأنّ ما نتج عن عمليات الاندماج والاستحواذ التي مرّت بها شركاتهم كان جيداً بالنسبة لهم، وربما "أفضل ما جرى لهم على الإطلاق". لم يتمكّن الجميع من الحصول على قرارت لصالحهم أو نيل الوظائف التي يرغبون بها؛ بل كان على البعض إعادة تجهيز أنفسهم وبناء مهارات جديدة لإحراز النجاح في شركاتهم الجديدة، واضطُرَّ عدد قليل منهم لترك عملهم والبحث عن شركات أخرى. إلا أن الجميع تقريباً شعروا أنهم خرجوا من تلك العملية "رابحين"، مُجهَّزين بقدر أكبر من معرفة الذات وقدرة أعلى على إظهارها ومهارات جديدة ومتطورة.

ولكي تُحقق أنت أيضاً النتيجة ذاتها، ينبغي عليك أولاً أن تقيّم نقاط القوة ومكامن الضعف لديك، إضافة إلى تقييم الفرص والمخاطر التي تُشكّلها عملية الاندماج أو الاستحواذ على وضعك الوظيفي. وتتمثل الخطوة التالية في تعزيز قيمتك كموظف وأهميتك بالنسبة لشركتك، وذلك من خلال تولي مسؤوليات ذات صلة بالعملية، الأمر الذي سيساعدك في شحذ مقدراتك وإبرازها في مجالات ثلاث: تنفيذ المشاريع، الأفكار الجديدة الإبداعية، والتعاون مع الآخرين. وفي هذه المقالة، نستعرض الخطوط العريضة لجزأي العملية، ونعرض تجربة أربعة مدراء مرّوا بها ونبيّن كيف استطاعوا تجاوزها والاستفادة منها.

تقييم الوضع


قد ينتابك شعور بالقلق عندما تعلم أن شركتك تخطط للاندماج مع شركة أخرى. إن أول ما يتوجب عليك فعله للتغلب على هذا الشعور هو الوقوف على الحالة وتقييم الوضع، فبعض عمليات الاندماج لا تؤثر مطلقاً على الموظفين، كأن تقوم إحدى الشركات بشراء شركة أخرى بهدف الاستثمار المالي في المقام الأول، ولذلك تُبقي على استقلالية الشركة المستهدَفة في عملياتها الاقتصادية إلى حدّ بعيد. غير أنه في أغلب الأحيان، يكون التغيير أمراً محتوماً لا مفرّ منه، ولسوف تحتاج أن تستكشف وضعك وتعمل على تقييمه قبل التخطيط للانتقال إلى الخطوات اللاحقة. إننا ننصح بإطار عمل مجرَّب ومنهجي، ألا وهو إجراء تحليل نقاط القوة ومكامن الضعف لديك والفرص والمخاطر التي تُشكّلها عملية الاندماج.



نقاط القوة. ابحث عن نقاط القوة التي توفرها تركيبتك الشخصية ومسيرتك المهنية بالنسبة لوضعك الجديد: فهل تكمن في خبرتك الفنية، أم في مهاراتك في التعامل مع زملائك، أم ربما في معرفتك الاختصاصية الفريدة في أحد خطوط العمل؟ ما هي قيمة شبكة معارفك ضمن شركتك وفي قطاع عملك، ومع المورّدين أو الزبائن، ومع أولئك الأشخاص الذين ينتمون للطرف الآخر من عملية الاندماج أو الاستحواذ؟ ما الذي يجعلك "شخصاً مهماً يجب الاحتفاظ به"؟

مكامن الضعف. ما هي جوانب وضعك الشخصي التي يمكن أن تُشكّل عائقاً في طريقك للمضي قدماً في الشركة الجديدة المُدمجة؟ هل يُقلقك التعامل مع الأوضاع المُبهمة وغير المستقرة؟ هل تجد صعوبة في الانسجام مع زملاء جُدد أو تعلّم أساليب جديدة في العمل؟ وهل رئيسك في العمل منشغل كلّياً بتحديد مصيره الوظيفي لدرجة أنه غير قادر على تقديم الدعم لك ولزملائك في فريق العمل؟

الفرص. أين تكمن احتمالات تموضعك ضمن التركيبة الجديدة للشركة في قطاع الإنتاج، أم في مجال التسويق والمبيعات، أم في قسم تنمية الأعمال التجارية، أم في قسم العمليات؟ وما هو حجم اهتمامك بتلك المجالات؟ وهل ترى آفاقاً لإحراز التقدم؟ كيف ستؤثر عملية الاندماج على مركز شركتك في القطاع، وعلى سمعتها ومكانتها المالية؟ هل ستخلق عملية الاندماج تلك شركة أقوى وأمتن ومدعّمة بمسارات وطرق جديدة للنمو؟

المخاطر. أي الأقسام مُهددة بأن يحدث فيها تخفيض في عدد العاملين؟ هل تشغل في شركتك وظيفة لها ما يماثلها ويقابلها في الشركة الأخرى (كقسم الشؤون القانونية، أو الاتصالات، أو الموارد البشرية)؟ وهل تشرف على خط عمل تتفوّق فيه الشركة الأخرى على شركتك؟ وأخيراً هل ستبقى المؤسسة أو الشركة الجديدة المُدمجة تُشكّل مكاناً ترغب حقاًّ بالعمل فيه؟

لقد أجرى "توم هول" كبير المدراء الماليين في شركة "شيرينغ- بلف"Schering-Plough للأدوية هذا النوع من التحليل والتقييم عندما علِم أن شركته سيجري استحواذها من قبل شركة "ميرك" Merck المنافسة لها. لقد كانت إحدى نقاط قوة "هول" تكمن في خبرته السابقة، وتمكّنه من تجاوز عملية اندماج مماثلة: فلقد كان يعمل في قسم الضرائب لدى شركة "وورنر لامبرت" Warner-Lambert عندما تمّ شراؤها من قبل شركة "فايزر"Pfizer. إضافة إلى أنه كان يُظهر أداءً جيداً وثابتاً ونجمه يتألّق في سماء شركة "شيرينغ". كما وفّرت له خبرته الطويلة الممتدة لتسع سنوات في تلك الشركة معرفة تفصيلية بكل شاردة وواردة في أمورها المالية. غير أنه من المؤكّد أن وظيفته في المواقع الخلفية ستُدمَج مع وظيفة أخرى مشابهة في شركة "ميرك"، ولذلك انتابه شعور بالخوف من أن الاستغناء عنه كان خطراً حقيقياً. وبما أن رؤساءه ومعظم كبار المدراء التنفيذيين في شركة "شيرينغ" كانوا آنذاك ينتقلون من مناصبهم ووظائفهم، لم يبقَ إلى جانب "هول" سوى عدد قليل من الداعمين في المؤسسة المُدمجة الجديدة. ولم تكن أمامه فرص جديدة واضحة في الأفق.

"ماري هولت"، مديرة اللوجستيات في شركة مورّدة لأعمال الوسم والتغليف، أجرت أيضاً ذات التحليل والتقييم عندما جرى استحواذ شركتها من قبل شركة منافسة أكبر منها (نستخدم هنا اسماً مستعاراً حفاظاً على السرية). لم ترَ "هولت" في بادئ الأمر سوى مكامن الضعف والمخاطر في تقييمها لوضعها. فقد افترضت أن المناصب الرفيعة بعد عملية الاندماج ستوزّع بشكل سرّي وستكون من نصيب مدراء الشركة الشارية كونهم يمتلكون خبرات وتجارب عالمية على مقاس شركتهم الكبرى. غير أنها سرعان ما أدركت أنها كانت أوسع معرفة واطلاعاً من أندادها فيما يتعلق بمفاصل العمل اللوجستي، ولذلك كانت أقدر على تحسين وتطوير ممارسات وأعمال الشركة المُدمَجة. إذاً لديها الآن نقطة قوة بإمكانها التعويل عليها وأمامها فرصة يجب أن تعمل على اغتنامها وتوظيفها في مجال عملها.

ويمثل "دجيسن ريتشاردز"، المدير التنفيذي الصاعد في شركة كبرى لتقديم الخدمات الاحترافية، مثالاً آخر. فلقد كان "ريتشاردز" (وهو اسم مستعار أيضاً) يسعى إلى تولي منصب رئيس قسم الشركة في منطقة أمريكا الجنوبية، إلى أن أعلن مدراء القيادة العليا في الشركة استحواذها على إحدى أهم الشركات المنافسة لها في قطاع الأعمال الذي تنتمي إليه. وفجأة أصبح المنصب الذي كان يسعى إليه "ريتشاردز" مستهدفاً من قبل العديد من كبار المدراء التنفيذيين المنافسين له، ولم يُعرض عليه كجائزة ترضية سوى منصب مدير الإدماج في المرحلة الانتقالية، وهو منصب لم يكن يعرف عنه الكثير في الواقع. وكان عليه أن يقيّم وضعه بسرعة ليرى ما إذا كان ذلك المنصب يُشكّل فرصة لتوظيف نقاط قوّته واستثمارها أفضل استثمار، أم خطراً يهدد آفاق تطوّره المهني.

وأخيراً، لننظر إلى "روب ميتشالاك" الذي كان يرأس قسم العلاقات العامة في شركة المثلجات "بِن آند جيري" قبل أن يتم استحواذها من شركة "يونيليفر". فبعد عرض أسهم شركته للبيع قام "ميتشالاك" بإجراء تحليل نقاط قوته ومكامن ضعفه وفرصه والمخاطر التي تحيط بوضعه المهني في الشركة، وخلص (مُحقّاً) إلى أن المالكين الجُدد سيرغبون في قيادة قسم العلاقات العامة في الشركة الجديدة بأنفسهم والاستغناء عن خدماته في ذلك الموقع، فبادر من تلقاء نفسه إلى مغادرة "بِن آند جيري" والعمل على تثقيف نفسه أكثر حول كيفية ربط الشركات المختلفة لمسؤولياتها الاجتماعية بأهدافها الاقتصادية.

اغتنام فرص التطوّر


أما المفتاح الثاني للاستفادة القصوى من صفقات الاندماج والاستحواذ فهو الانخراط في مرحلة الإدماج بطريقة تسلّط الضوء على نقاط قوّتك أو تسمح لك بتطوير نقاط قوة أخرى. فمعظم الشركات المندمجة تضع خطّة لهيكل انتقالي، هو عبارة عن بنية تنظيمية، مؤقتة لكنها رسمية، مؤلّفة من عشرات اللجان والتشكيلات وفرق المهمات المكلّفة بتحقيق أوجه التآزر المبتغاة من عملية الاندماج. من شأن مشاركتك في هذا الهيكل أن تمنحك فرصة إظهار وتعزيز مهاراتك التنفيذية والإبداعية والتعاونية.

المهارات التنفيذية. على أولئك المنخرطين في مرحلة الاندماج أن يكونوا قادرين على وضع خطّة فعّالة والبدء بتنفيذها، وعلى التمييز بين النشاطات الحيوية وتلك التي يُستحسن القيام بها، وكذلك على تخطّي المعيقات غير المتوقّعة وتقييم النتائج، فضلاً عن إظهار بعض المقدرات التنفيذية الأخرى. إذا كنت تمتلك مهارات في تلك المجالات أو كنت على استعداد لتعلّمها، عليك أن تسارع إلى الانضمام طواعية إلى فريق الإدماج.

هذا ما فعله "توم هول" عندما قبل أن يكون اليد اليمنى لقائد فريق شركة "شيرينغ" المكلّف بالإشراف على عملية الإدماج. فبفضل معرفته الوثيقة بهيكلية تكاليف الشركة وبرامج توظيفها وأنظمة توقّعاتها وبيانات ميزانيتها، إضافة إلى علاقاته الجيدة مع الجميع في الشركة، بات "هول" الشخص الذي يلجأ إليه فريق كبار التنفيذيين التابع لشركة "ميرك" أنّما احتاج لأية مساعدة في مسعاه لإتمام عملية الاندماج. لقد افترض "هول" أنه سيخسر عمله بعد إتمام مرحلة الإدماج. غير أن أحد زملائه الجُدد ساعده في التقدم لشغل منصب قيادي في مكتب تنفيذ الاستراتيجيات وفي ضمان اختياره لذلك المنصب. ومع أن "هول" لم يعد يمتلك مسيرة مهنية واضحة، غير أنه تمكّن من التعرف على شركة "ميرك" وعلى كبار المسؤولين التنفيذيين فيها. وبعد مرور سنة، جرى اختياره أحد مدراء مكاتب المدير التنفيذي الجديد مع احتفاظه بمنصبه في مكتب تنفيذ الاستراتيجيات. وفي نهاية المطاف جرى اختياره مساعداً لنائب الرئيس للشؤون الاستراتيجية، ومن ثم مساعداً لنائب الرئيس لشؤون التخطيط والتحليل الماليَّين.

المهارات الإبداعية. يفتح التغيير القادم مع عمليات الاندماج والاستحواذ الباب أمام كل أشكال الابتكار والتحديث. وهكذا نجد فرق العمل والأفراد الذين لا يحظون عادة بفرصة عرض أفكارهم على القادة الكبار، يقفون فجأة أمام آذان صاغية متلهفة لسماع آرائهم التي لم تكن في السابق تلق أي انتباه.

تذكر "ماري هولت" كيف جرى استنهاض همم الجميع في جانبَي عملية الاندماج للارتقاء إلى المستوى المطلوب وتقديم مقترحات معمّقة لبناء قدرات لوجستية في الشركة الناتجة عن الاندماج على سوية عالمية من الجودة والكفاءة. وتذكر أنها تركت انطباعاً جيداً لدى المدراء التنفيذيين في سويات القيادة العليا عندما جاهرت برأيها في الإجراءات المتّبعة في الشركتين المندمجتين وقالت إنها إجراءات غير مكتملة، وأصرت بعناد على اغتنام فرصة الاندماج كمحفز لتطوير تلك الإجراءات. وبعد الانتهاء من مرحلة الإدماج، جرى تقسيم الوحدة اللوجستية في الشركة الجديدة جغرافياً إلى شعبتين وحازت "هولت" على جائزة تسميتها رئيس شعبة العمليات الأطلسية، الوظيفة التي تتضمن العمل مع مورّدين وموزّعين في أوروبا وحضور الاجتماعات التي تناقش استراتيجية الشركة على أعلى المستويات.

وكذلك نجح "روب ميتشالاك"، مدير العلاقات العامة السابق في شركة "بِن آند دجيري" قبل بيعها، في ظهوره بوصفه صاحب أفكار إبداعية ومبتكرة. فعندما انتقل من شركة صناعة المثلجات على إثر عملية الاستحواذ، استفاد من وقته في تطوير خبراته في مجال التسويق المرتبط بقضايا معينة، وتقديم الاستشارات للمؤسسات والشركات في تحمّل قدر أكبر من المسؤولية الاجتماعية. وبعد الانتهاء من عقد الاستحواذ مع شركة "يونيليفر" ببضع سنوات، طلب المدير التنفيذي الجديد لشركة "بِن آند دجيري" من "ميتشالاك" أن "يعود إلى بيته" ويلتحق بالشركة من جديد في منصب مدير البعثة الاجتماعية. وقد تضمنت مهامه الجديدة إعادة النظر في بعض قرارات الإدماج التي اتخذتها "يونيليفر" والتي كانت، كما وصفها "ميتشالاك"، "تعتصر شركتنا ذات العلامة التجارية الفارقة وتُفقدها الحياة". وهكذا نجح "ميتشالاك" متسلحاً بأفكاره الجديدة المبتكرة في الانتقال بشركة "بِن آند دجيرير" (إضافة إلى غيرها من الشركات التابعة الأخرى) إلى جدول أعمال أكثر نشاطاً وفاعلية في المجال الاجتماعي.



مهارات التعاون مع الآخرين. قد تتطلب منك مرحلة الإدماج العمل بشكل فاعل مع أناس يمتلكون وجهات نظر وطرائق عمل مختلفة، أناس من شركات مختلفة وثقافات متنوعة ويتكلمون لغات أجنبية، حتى إنهم قد لا يرغبون حقاً في العمل معك. ولذلك تشكّل تلك المرحلة فرصة اختبار عظيمة لإظهار مقدراتك التعاونية وشحذها وتطويرها.

خذ مثلاً "جيسن ريتشاردز"، ذلك النجم الصاعد الذي كان يحتل منصباً قيادياً محلّياً. فبعد أن استحوذت شركته على شركة منافسة أخرى، وطُلب منه أن يتولى أحد منصبين قياديَّين يعملان بوقت كامل لإدارة مرحلة الإدماج، أحبطه ذلك في البداية، إذ إن من شأن هذه الإزاحة عن مسار تطوره المهني السابق أن تُخرجه من قائمة المرشحين لتولي المنصب الذي كان يسعى إليه، وتعرقل اندفاع تطوره المهني، وتذهب أدراج الرياح بعلاوة مرتّبه السنوية، وتسمح لأنداده بأن يتجاوزوه وظيفياً، وتجبره على الابتعاد عن أسرته في أثناء انتقاله إلى المقر العام الجديد طيلة مرحلة الإدماج التي قد تمتد لعدة أشهر. لقد قبل "ريتشاردز" هذه المهمة على مضض، غير أنه مثل "هول" و "هولت" ما لبث أن اكتشف أن تلك المهمة، وفّرت له فرصة مراكمة معرفته وتوسيع شبكة علاقاته وإثبات مقدراته وملكاته التنفيذية والإبداعية.

وقد يكون الأهم من ذلك كله أنه قد اكتسب بنتيجة هذه العملية مهارات جديدة في التعامل مع الآخرين من خلال عمله عن كثب مع مديرة مثله من جانب الشركة الأخرى، كانت بمثابة نقيضه الشخصي من نواحٍ عدّة. فلقد كانت سيدة من أصول أمريكية جنوبية ومديرة لقسم الموارد البشرية في الشركة المقابلة. وكانت العلاقة الشخصية بينهما باردة جداً في البدء. فشركة "ريتشاردز" تسودها ثقافة رجولية تراتبية واضحة، وهكذا انتابه شعور مريب حيال العمل مع سيدة أصغر منه سناً بشكل واضح، وبحكم منصبها السابق لا تُركّز اهتمامها على الإيرادات والأرباح. ولكن مع مرور الوقت، عرف الاثنان بعضهما بشكل أفضل وحقّقا معاً نجاحات متتالية في مساعدة بعض فرق العمل التي عانت من عملية الاندماج، الأمر الذي دفعهما للنظر إلى اختلافهما بوصفه ميزة تكاملية. وهكذا طوّرا معاً طريقة جديدة في التعامل مع الموظفين قائمة على ثنائية "الشرطي الجيد والشرطي السيئ"، كما تعلّما أن يُكيّفا أسلوبيهما المختلفَين إذا ما دعت الحاجة، مُشكلين بذلك شراكة عمل فعالة. وهكذا تعلّم "ريتشاردز" لعب دور القائد الحقيقي بدلاً من دور المتحكّم والمسيطر، واضطر للتعامل مع جميع أقسام الشركة الجديدة ومختلف أنماط الناس فيها. وهكذا فإن تقييمه بوصفه قائداً، منح المدير التنفيذي ثقة أكبر لتعيينه لاحقاً في منصب رئيس فرع الشركة الجديدة المُدمجة في منطقة أمريكا الشمالية، وهو منصب أعلى من المنصب الذي كان "ريتشاردز" يسعى إليه سابقاً.

إيجاد فرصة المشاركة


كيف لك أن توصل رغبتك بالمشاركة في مرحلة الإدماج إذا لم يتم استدعاؤك لتكون واحداً من فريق قيادة المرحلة الانتقالية؟ قد لا يسمح لك وضعك في الشركة مناقشة ذلك الأمر مع رئيسك المباشر. فعندما تكون الشركات وسط معمعة مرحلة الإدماج، من الطبيعي أن يكون بعض الرؤساء والمدراء منشغلين تماماً بمسألة احتفاظهم بوظائفهم ولا طاقة لهم بمساعدة مرؤوسيهم. وفضلاً عن ذلك، فإنهم قد لا يتقبلّون فكرة خسارتهم لأحد عناصر فريق عملهم، وبخاصة إذا ما كانت نتائج عمل ذلك الفريق ستُوضع على طاولة التقييم ويتحدّد على أساسها مصيرهم المهني.

إن كانت علاقتك جيدة مع رئيسك المباشر، وكنت تشعر أنه من المرجّح أن يساعدك ولا يعرقل مشاركتك في إدارة مرحلة الإدماج، فلا تتردّد وسارع إلى مصارحته برغبتك؛ وإلا، فحاول اللجوء إلى زميل موثوق لك في قسم الموارد البشرية أو أي موظف رفيع قريب من مقر إدارة الشركة، أو بادر إلى التحدث مع أعضاء فريق إدارة المرحلة الانتقالية، أو استشر مدير مرحلة الإدماج.

وإذا ما كان المدير التنفيذي أو أي مدير آخر من المدراء الكبار في الشركة يقوم بجولة ترويج لعملية الاندماج وتوقّف في الموقع الذي تعمل فيه لإلقاء كلمة أو عقد لقاء، بادر بعد انتهائه من إلقاء كلمته إلى رفع يدك واسأل كيف بإمكانك المشاركة. والأفضل من ذلك أن تقترب من الشخص المعني بمجرد انتهاء اللقاء وتسأله شخصياً أو أياً من أعضاء فريقه كيف يمكنك المشاركة. ولا تُعرّف عن نفسك وعن مقدراتك بخجل أو تواضع، فلا شك في أن جميع المشاركين في فريق الإدماج سيكونون وسط هرج ومرج كبيرين، وسيكون عليك أن تتكلم بصوت مرتفع وتعبر عن نفسك بطريقة صارخة وواضحة حتى تلفت الانتباه في هذه المعمعة.

وحتى لو لم ترَ لنفسك فرصة للحصول على منصب مناسب في الشركة الجديدة الناتجة عن الاندماج، فمن الأفضل أن تتبنّى المبدأ القائل بأن مشاركتك في المرحلة الانتقالية ستكون أكثر فائدة لك وللشركة من مجرد جلوسك وتقطيعك للوقت كالبطة العرجاء.

لا شك في أن عمليات الاندماج والاستحواذ تترك في طريقها ضحايا كثر، لكنك لست مُجبراً على أن تكون واحداً منهم. فمن خلال العمل بجدّ واجتهاد على تقييم وضعك واغتنام فرص القيادة التي توفرها تلك العمليات، بوسعك الإسهام في رسم مسارك الوظيفي الخاص. بالنسبة لبعض المدراء مثل "ماري هولت" و "جيسن ريتشاردز"، شكّلت عمليات الاندماج والاستحواذ فرصة مناسبة لمتابعة الصعود على السلم الوظيفي داخل الشركة الجديدة، في حين عنت بالنسبة لآخرين مثل "توم هول" وجوب البقاء داخل الشركة على مرأى من أصحاب القرار، متسلّحاً بمهارات وقدرات متطورة بانتظار أقرب فرصة للترقية. وحتى أولئك الذين وجدوا أنفسهم بنتيجة عمليات الاندماج والاستحواذ خارج أماكن عملهم، قد أدركوا أن تقبّل ذلك والبقاء على تواصل مع قادة تلك العمليات والاطّلاع على تطوّراتها جعلهم أفضل تسلّحاً لضمان نجاحهم في أي شركة أو منظمة أخرى –وربما لعودتهم إلى شركتهم القديمة في وقت لاحق لتولي مناصب أعلى، كما حدث لـ "روب ميتشالاك".
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!