تابعنا على لينكد إن

عندما بلغت قيمة سهم شركة الخدمات المالية “سكوير” (Square) في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي تسعة دولارات، بفارق لافت للنظر مقارنة بأكثر من 15 دولار دفعها المستثمرون قبل عام، كان لهذا الفارق وقع الصاعقة على الشركة ذات السنوات الست. فقد ارتفعت قيمة السهم خلال الطرح العام الأولي للأسهم، لكن تقييم الشركة لم يلبث أن واصل الانخفاض حتى وصل في نهاية المطاف إلى 4 مليارات دولار، وهو ما يعادل فقط ثلثي تقديرها عند الطرح الأولي. في ذلك الحين، كانت “سكوير” واحدة من أكثر من 130 شركة “يونيكورن” وهي شركات التكنولوجيا التي تقدر قيمتها بمليار دولار أو أكثر.

وبالرغم من نمو عدد شركات “اليونيكورن” نمواً سريعاً في السنوات الأخيرة، إلا أن المؤشرات التي حفل بها آخر السنة الماضية – مثل ما حصل مع أسهم “سكوير” – كانت كفيلة بإقناع كل ذي لب أن شمس هذه الشركات ماضية إلى أفول. فالحاصل أن أداء كثيرٍ منها كان أدنى من المتوقع، وقد أرجع بعض المحللين سبب ذلك إلى المبالغة غير المنطقية في تقييمها في حين مال فريق آخر إلى إلقاء اللوم على إفراط هذه الشركات في الإنفاق. وكلا التفسيرين أصاب كبد الحقيقة ونال من الكتابة والتعليل ما يستحق، إلا أن هناك سبباً آخر في رأيي لا يقل أهمية عنهما ألا وهو: فشل شركات “اليونيكورن” في الابتكار وتوليد مزيد من الأفكار عند اشتعال حدة المنافسة من شركات أخرى.

فهذه الشركات الوليدة تعمل في محيط مليء بالمؤسسات العملاقة والمخضرمة في مجالها، وما يمكنها من النمو السريع هو تركيزها على مفهوم إبداعي جديد وعالي القيمة. فشركة “سكوير” مثلاً شقت طريقها لتنافس شركات بطاقات الائتمان التي تتقاضى أجوراً عالية من صغار التجار، أما شركة “دروب بوكس” الرائدة في التخزين الإلكتروني ومشاركة الملفات عبر الويب فقد وفرت طريقة رخيصة وبالغة السهولة للتعامل مع الملفات إلكترونياً لأولئك الذين للا خبرة لديهم بالتكنولوجيا، ولا يختلف عنهما عدد كبير من الشركات التي باتت تقدم الخدمات أو المنتجات عبر تطبيقات الهواتف الذكية فاتحة بذلك الباب واسعاً أمام جمهور عريض من المستهلكين الذين لم يكونوا جزءاً من المنظومة الاستهلاكية المعتادة. والأمر الذي بدا واضحاً للعيان الآن أن عدداً لا يستهان به من هذه الشركات صارت لا تصارع من أجل البقاء فحسب، بل للإتيان بمزيد من الإبداع والابتكارات تبني به على ما بدأت به أعمالها وتتجاوزه.

هذا وتعد شركة “دروب بوكس” التي تأسست عام 2007 واحدة من ألمع شركات “اليونيكورن”، حيث تخصصت في مجال التخزين السحابي والمبادلة الإلكترونية للملفات، وبرعت في تبسيط إجراءات التخزين على الويب عبر تصميم واجهة استخدام لا تكلف فيها ولا تعقيد، تشبه وضع مجلد على واجهة “سطح مكتب” وهي ليست في الواقع إلا امتداداً لنظام التشغيل في الحاسوب. وبهذه الفكرة العبقرية التي تجمع بين البساطة وتقدم التكنولوجيا استطاعت “دروب بوكس” أن تحفر اسمها كواحدة من أوائل شركات “اليونيكورن” في العالم.

لقد كانت “دروب بوكس” بمثابة “الوجه الإعلاني” لمرحلة الصعود الصاروخي لشركات “اليونيكورن” خلال السنوات الماضية، وقد استطاعت باقتدار نيل ثقة 400 مليون مستخدم حول العالم وصارت قيمتها تقدر اليوم بحوالي 10 مليارات دولار. لكن دوام الحال من المحال، فهذه الشركة الصاعدة صارت اليوم في حلبة المصارعة ذاتها التي يتواجد فيها عمالقة كبار أمثال آبل ومايكروسوفت وجوجل وأمازون، وهم جميعاً يتنافسون في قطاع التخزين السحابي والمشاركة الإلكترونية منافسة طاحنة يحاول كل طرف فيها تقديم المزيد من المميزات مقابل رسوم أقل من طرف المستخدم. ليس هذا فحسب، بل إن جموع المستخدمين اليوم صارت تميل نحو الأجهزة الجوالة والحواسيب اللوحية حيث لا مكان لمفهوم “المجلد الذكي” الخاص بـ “دروب بوكس”، وحيث الكلمة الفصل في نظام التشغيل والتحكم به تعود إلى آبل وجوجل وأمثالهما. فعلى سبيل المثال، إذا كان هاتفك الذكي مزوداً بخاصية التخزين السحابي عبر نظامه الخاص، فلن تجد نفسك مضطراً لإنفاق الوقت أو المال على تطبيق خارجي يوفر لك ما هو بين يديك. وبالتالي يتوجب على “دروب بوكس” العمل على إنتاج ابتكارات جديدة تقيها السقوط في الهاوية أو الخروج من اللعبة تماماً. وهناك مثال من منافس أصغر اسمه “بوكس” (Box) الذي فهم هذا الأمر وراح يأتي بخصائص جديدة منها تطبيق لإدارة المشاريع.

مثالنا الآخر يأتي من شركة “إيفر نوت” (Evernote) التي ملأت الدنيا وشغلت الناس كأداة رقمية فعالة لأخذ الملاحظات تساعدك في تنظيم كل ما تجمعه بغض النظر عن نوع الجهاز الذي تستخدمه، حتى أنها جعلت رسالتها التي تعمل من أجلها هو أن تصبح “عقلك الثاني”. ولم يمض وقت كثير حتى أطلقت جوجل تطبيق “جوجل دوكس” (مستندات جوجل) كما قامت آبل بعمل مماثل وأطلقت تطبيق “آبل نوتس” (ملاحظات آبل). فما كان من “إيفر نوت” إلا أن اتجهت نحو تنويع خدماتها فافتتحت عام 2013 “إيفر نوت ماركت” لبيع البضائع غير الإلكترونية (طابعات، حقائب، ودفاتر ملاحظات)، غير أن ضرر هذا العمل كان أكثر من نفعه بسبب التشتت الذي يلم بالشركة حين تتبنى أنشطة تجارية غير متناسقة وقد يعرضها ذلك لبعض المخاطر التجارية.

فالقرارات التجارية بحاجة لأن تتخذ بناء على بصيرة نافذة مع إعطاء الفرصة للتجريب للتأكد من النتائج. وفي حين تلبي الابتكارات عادة حاجات الناس المعروفة، تبقى الحاجة قائمة لاختبار هذه الابتكارات لاكتساب المصداقية. ويتم ذلك عبر البدء بنطاق محدود ثم توسيعه لاحقاً وليس عبر إغراق السوق بالمنتجات والخدمات ثم الترقب لمعرفة ما يُرجى نجاحه وما أخفق منها. وقد وقعت “إيفر نوت” في الخطأ التقليدي حين ظنت أن عرضها للمزيد فيه تحسين لموقفها، لكن يُحسب لها تراجعها في فبراير (شباط) 2016، حين وضعت إعلاناً على موقعها الإلكتروني توضح فيه عزمها إغلاق متجرها الإلكتروني، مبررة ذلك بأنها “في الأصل شركة برمجيات وتطبيقات”.

وخاتمة القول، لشركات “اليونيكورن” التي لم تطرح أسهمها للاكتتاب العام (مثل “دروب بوكس” و “إيفر نوت”) ميزة عن غيرها ممن قاموا بذلك (مثل “سكوير”). فهم ما زالوا يمتلكون الفرصة لتحسين وتطوير أفكارهم قبل الخوض في مجال الاستثمار العام. كما أن بوسعهم المضي في بناء ثقافة إبداعية ترى الابتكار عملاً يتجاوز توليد الأفكار الجديدة وطرحها في الأسواق: ثقافة تتوقع التغيير، بل وتبصر الفرصة في قلب هذا التغيير، ولا تعدم وسيلة لاختبار المبادرات بأوفر الطرق قبل اعتمادها على أوسع نطاق. وهم يقومون بذلك على الدوام، حيث يسبقون غيرهم فيما ينشغل منافسوهم في آخر ما ابتكروه ولا يكادون يتجاوزونه. وحين يطرق التنافس الشرس الأبواب، فلن ينجو من تلك الشركات إلا من كانت دائمة النظر إلى الأفق البعيد، ودائمة الاجتهاد للإتيان بكل جديد، وهو ما سيجعلها عصية على الوقوع في براثن الإعجاب بنجاحها السابق والركون إليه.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz