تابعنا على لينكد إن

بقلم أندرو تشامبرلين
ظل الاقتصاديون يقولون لفترة طويلة بأنَّ المال لا يشتري السعادة. ومع ذلك فإنَّ إجمالي الأجر لم يزل عاملاً رئيساً بالنسبة لنا حين نفكر أين نبحث عن عمل. فما هو مدى معرفتنا بكيفية تأثير زيادة الأجور على دوافع الموظفين؟

قد تمثل هذه المعلومة البسيطة الحد الفاصل بين وجود أيدٍ عاملةٍ راضيةٍ ومنتجةٍ وأخرى غير راضيةٍ ولا منتجةٍ، وتهدر أموال الشركة على المدى الطويل.

بوصفي كبير الاقتصاديين في موقع جلاس دور Glassdoor، فإنَّ دوري هو أن أساعد في الكشف عن بعض القوى الدافعة الكامنة وراء قرارات الباحثين عن وظائف: لماذا يختارون الوظائف التي يضطلعون بها، وما الذي يعنيهم في العمل، وما سبب حبهم – أو كراهيتهم – لشركتهم أو مديرهم؟

المال لا يمكن أن يشتري السعادة

لدينا في جلاسدور نافذةٌ فريدةٌ من نوعها، نطلُّ منها على سوق العمل؛ حيث نستغل آراء المستخدمين والاستقصاءات الخاصة بالمرتبات لنجمع رؤىً حول الشركات ومشاعر الموظفين. وينتج عن ذلك ثروةٌ من البيانات المستقاة من العالم الحقيقي، مما يتيح لنا تحديد العوامل الأبعد من الأجور، التي تسوق السعادةَ في بيئة العمل.

من أكثر النتائج التي توصلنا إليها إثارةً للدهشة أنَّ أفضل مؤشرٍ لتوقُّع الرضا ببيئة العمل، في جميع مستويات الدخل، ليس الأجر بل ثقافة المؤسسة وقيمها، ويليها مباشرةً نوعيةُ القيادة العليا وفرص المسار المهني في الشركة. ومن بين عوامل بيئة العمل الستة التي درسناها، كان تصنيف إجمالي الأجر والحوافز يأتي دائماً ضمن العوامل الأقل أهميةً في السعادة ببيئة العمل.

تبين حقيقة أنَّ الأجور ليست المحرك الرئيس لرضا العمال مفاجأةً ضئيلةً للاقتصاديين. فلقد حذَّر آدم سميث بوضوحٍ شديدٍ، في كتاب “نظرية المشاعر الأخلاقية” The Theory of Moral Sentiments، الذي ألفه منذ أكثر من 250 عاماً، من أنَّ المكاسب المادية غالباً ما تقلل إحساسنا بالسعادة ولا تزيده. وأظهرت دراسةٌ مقدمةٌ من الباحثين في جامعة برينستون عام 2010 أنَّ الحصول على دخلٍ أعلى يزيد المرء سعادةً ولكن للدرجة التي يصل فيها الدخل إلى حوالي 75.000 دولارٍ سنوياً لا أكثر. وفيما عدا ذلك لا تؤثر الزيادة في الأجر كثيراً على مستوى السعادة، وتكون الغلبة للعوامل الأخرى.

إنَّ التحليل الذي أجريناه في جلاس دور هو انعكاسٌ لتلك النتائج في بيئة العمل حيث أخذتُ أنا وعالِم البيانات باتريك وونج عينةً مما يربو على 615000 من مستخدمي موقع جلاسدور، الذين وافونا عبر الموقع بمقادير أجورهم، وكتبوا آراءهم في أرباب أعمالهم منذ عام 2014. وقمنا بتصنيفهم إلى أربع مجموعاتٍ من المرتَّبات، من الأدنى (وهم الذين يكسبون أقل من 40000 دولارٍ في السنة) إلى الأعلى (وهم الذين يزيد كسبهم عن 120000 دولارٍ سنوياً)، وعاينَّا القوة التفسيرية النسبية لكلا الشريحتين من حيث رضا الموظفين. لو نظرنا إلى نموذجنا وكأنه كعكةً من القوة التفسيرية، فإنَّ كل سمةٍ من سمات بيئة العمل ستمثل شريحةً من الكعكة. والعوامل التي تضم أكبر الشرائح ستكون هي أكبر المحفزات على السعادة في بيئة العمل. إنَّ هذه البيانات متعالقةٌ ببعضها البعض، ولكن بالنظر إلى النتائج المماثلة المستقاة من أبحاثٍ أخرى، فإننا نعتقد أنها رغم تعالقها تقدم للمدراء بعض التوصيات.

الموظفون الذين يكسبون أكثر لهم أولوياتٌ مختلفةٌ

على الرغم من أنَّ المال ليس المحرك الرئيس لرضا الموظفين، فإنَّ أولويات المرء في مقر عمله تتغير بالفعل حين يرتفع دخله. فعلى سبيل المثال، تمثل ثقافة وقيم المؤسسة حوالي 21.6٪ من أسباب رضا العاملين في المجموعة ذات الدخل الأدنى، بينما ترتفع تلك النسبة إلى 23.4٪ في مستويات الدخل الأعلى. ويوحي هذا بأنَّ أصحاب الأجور الأعلى يريدون من أرباب أعمالهم أن يشاركوهم قيمهم ويرسموا صورةً إيجابيةً للشركة.

تضمُّ العوامل الأخرى التي تزداد أهميتها، كما هو الحال بالنسبة إجمالي الأجر، نوعيةَ القيادة العليا (التي ترتفع نسبتها في كعكة مؤشر التوقع من 20.4٪ إلى 22.8٪ مع ارتفاع الدخل) وأهمية الفرص الوظيفية (حيث ترتفع من 17.5٪ إلى 22.8٪). فعند مستويات الأجور الأعلى، يزداد تركيز العاملين بوضوحٍ على ثقافة العمل وعلى الشواغل البعيدة المدى، كفرص النمو والوصول إلى المناصب القيادية، بدلاً من التركيز على الاهتمامات الروتينية، كالأجور والتوازن بين العمل والحياة الشخصية.

وفي المقابل، نجد أنَّ ثلاثةً من العوامل التي درسناها جاءت أقل أهميةً بالنسبة للموظفين ذوي الكسب الأعلى. فالتوازن بين العمل والحياة الشخصية تتدنَّى أهميته عند مستويات الدخل الأعلى، إذ تهبط نسبته من 13.2٪ إلى 9.5٪ من كعكة مؤشر التوقع مع ارتفاع الأجر. إنَّ أصحاب الدخول المرتفعة هم أكثر استعداداً للتخلي عن وقت الفراغ من أجل الدخل المتحصَّل من العمل. ومما أثار دهشتنا اكتشاف أنَّ التطلعات المستقبلية للأعمال تتضاءل أهميتها أيضاً عند صاحب العمل كلما زاد الدخل، رغم أنَّ التحول إليها يكون بسيطاً.

وأخيراً، فقد اكتشفنا أنَّ إجمالي الأجر والحوافز، علاوة على كونهما ضمن أقل العوامل أهميةً، تتدنى أهميتهما بشدةٍ مع ارتفاع مستوى الدخل. فبالنسبة لمن يكسبون أقل من 40.000 دولارٍ سنوياً، يمثل الأجر 12.8٪ فقط من أسباب الرضا ببيئة العمل. ومع ارتفاع مستوى الدخل، يكون هبوط مؤشر القوة التنبؤية للمرتب والحوافز حاداً، حيث يتقلص إلى 9.8٪ من الكعكة بالنسبة لمن يزيد كسبهم عن 120000 دولارٍ سنوياً.

ركِّز على الثقافة بدون تلاعبٍ بالأجور

على الرغم من أنَّ الأجر ليس أهمَّ محركٍ لرضا الموظفين، فإنَّ هذه النتائج لا توحي بأنَّ أرباب العمل يمكن أن يتجاهلوه. قد يكون لإجمالي الأجر والحوافز قوةٌ تنبؤيةٌ لرضا الموظفين أدنى من العوامل الأخرى، ولكن وفقاً لمسحٍ أجرته جلاسدور مؤخراً فإنهما ما زالا يمثلان العامل الذي يحتل الصدارة في نظر الباحثين عن وظائف عند تقييمهم لأرباب العمل المحتملين – خصوصاً بالنسبة لطلاب الوظائف الذين يوازنون بين العروض التنافسية. إنَّ مسألة عرض أجورٍ وحوافز تنافسيةٍ بُغية جذب المواهب لم تزل نقطةً حاسمةً عند أرباب العمل.

ولكن، لو فرضنا أنَّ أرباب العمل أقدموا بالفعل على عرض أجورٍ تنافسية على مستوى الشركات، فما هي الخطوة التالية لرفع معنويات الموظفين وزيادة مشاركتهم وإنتاجيتهم؟ يشير بحثنا إلى أنَّ التلاعب الزائد بمجموعة عناصر الأجر من غير المحتمل أن يحسِّن كثيراً من رضا الموظفين، خصوصاً بين الموظفين ذوي الكسب الأعلى.

بالرغم من أنَّ الأجور قد تساعد على استقطاب المواهب الجديدة في الشركة، فإنَّ بحثنا يظهر أنَّ الشركة من غير المرجح أن تضمن بقاءهم هناك بدون استثماراتٍ حقيقيّةٍ في ثقافة بيئة العمل: مثل الالتزام بالثقافة والقيم الإيجابية، وتحسين نوعية الإدارة العليا، وخلق مساراتٍ مهنية ترتقي بالعمال عبر المنحنى الوظيفي في المؤسسة.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz