جلست هذا الصباح، مثلما أفعل كل صباح، متربعاً فوق وسادة على الأرض، ومريحاً يديّ فوق ركبتيّ ومغمضاً عينيّ، ولا أفعل شيئاً سوى التنفس لمدة 20 دقيقة.

يقول البعض أنّ أصعب شيء في التأمل هو إيجاد الوقت له. يبدو ذلك منطقياً، فمن يجد وقتاً للقيام بأي شيء هذه الأيام؟ إنه أمر يصعب تبريره.

ولممارسة التأمل منافع عديدة، إذ يعيد إلينا نشاطنا، ويساعدنا على الشعور بالاستقرار، ويجعلنا أكثر حكمة وأكثر لطفاً، ويساعدنا على التأقلم في هذا العالم الذي يثقلنا بالكثير من المعلومات، وغيرها من الفوائد الأُخرى. أمّا إذا كنت تبحث عن منفعة مادية تبرر قضاء بعض من وقتك في التأمل، فإليك ما يلي: يجعلك التأمل أكثر قدرة على الإنتاج.

فكيف ذلك؟ يحدث ذلك من خلال زيادة قدرتك على مقاومة الرغبات المشتّتة التي تصرفك عن هدفك.

ووفقاً لأحد الأبحاث، إذا كانت لديك القدرة على مقاومة رغباتك، فسوف تتحسن علاقاتك بالآخرين ويزيد الاعتماد عليك ويرتفع مستوى أداؤك. فإذا استطعت التغلب على رغباتك الملحّة، فيمكنك اتخاذ قرارات أكثر تعقّلاً وحكمة، ويمكنك أن تصبح أكثر حزماً فيما تقول وفي الطريقة التي تتحدث بها، ويمكنك التفكير في تبعات أفعالك قبل الخوض فيها.

وتحدد قدرتنا على مقاومة نزواتنا مدى نجاحنا في تعلم سلوك جديد أو تغيير عادة قديمة. ولعلّ هذه المهارة هي أهم مهارة لازمة لتقدمنا وتطورنا.

وكما تبين، فإنّها واحدة من بين الكثير من الصفات التي نتعلمها من خلال التأمل، وأيضاً هي واحدة من أصعب المهارات التي يمكن اكتسابها.

عندما جلست للتأمل ذلك الصباح، ومع زيادة شعوري بالاسترخاء مع كل زفير أُخرجه، نجحت في إبعاد جميع الأمور التي تقلقني عن تفكيري، وأصبح ذهني فارغاً تماماً من أي أمر كان يشغلني قبل جلوسي للتأمل. تحررت من كل شيء ماعدا إحساسي بتدفق أنفاسي، غمرت جسدي الراحة والسعادة وأصبحت في حالة سلام داخلي.

لمدة أربع ثوان تقريباً.

وبعد نفس أو نفسين، وبينما أحاول تصفية ذهني، بدأت الأفكار تنصب على عقلي، كما يُقال، الطبيعة ترفض وجود الفراغ. شعرت بوخزة في وجهي أريد حكها، وخطرت لي فكرة رائعة لعنوان كتابي القادم وأريد تسجيلها قبل نسيانها، فكّرت في أربع مكالمات على الأقل عليّ القيام بها ومناقشة صعبة عليّ خوضها في وقت لاحق من اليوم. بدأت أشعر بالتوتر، حيث لم يتبق لدي سوى بضع ساعات فقط للكتابة. وبدأت أحدث نفسي: ما الذي أفعله وأنا جالس هنا بهذا الشكل؟ أردت أن أفتح عينيّ وأنظر كم تبقّ لدي من الوقت في المؤقت، وسمعت صوت الأطفال يتشاجرون في الغرفة الأُخرى وأردت الذهاب لإيقافهم.

وهنا يكمن السر، أردت أن أفعل كل تلك الأشياء، ولكني لم أفعلها. وعندما راودني فعل أي منها، عدت بتركيزي إلى التنفس مرة أُخرى.

أحياناً، تكون المشكلة في عدم تنفيذ ما نويت فعله، مثل عدم كتابة العرض الذي تماطل فيه منذ مدة أو عدم إجراء ذلك النقاش الصعب الذي تحاول تجنبه.

ولكن في أوقات أُخرى، تكون المشكلة في فعل ما لا تريد فعله، مثل التحدث بدلاً من الاستماع أو ممارسة السياسة بدلاً من الترفع عنها وتجاوزها.

ويعلمنا التأمل مقاومة الرغبة في القيام بالأشياء غير المجدية التي تأتي بنتائج عكسية.

وبينما غالباً ما أرى أنّ تهيئة الظروف لمساعدتك على تحقيق أهدافك يُعتبر أسهل وأضمن من الاعتماد فقط على قوة الإرادة، فأحياناً نحتاج حقاً للاعتماد على ضبط النفس البسيط التقليدي.

ومثال على ذلك، عندما يرتكب أحد الموظفين خطأً ما وتريد أن تصرخ في وجهه على الرغم من أنك تعلم أنه من الأفضل، من أجله ومن أجل معنويات الفريق، أن تطرح عليه بعض الأسئلة وتناقش معه الأمر بلطف وتعقل. أو عندما تريد أن تلقي قولاً دون تفكير أثناء الاجتماع ولكنك تعلم أنه سيكون من الأفضل أن تكتفي بالاستماع. أو عندما ترغب في شراء سهم أو بيعه انسياقاً وراء إحساسك بينما ترجح المؤشرات الأساسية والأبحاث التي قمت بها عكس ذلك. أو عندما ترغب في تفقد بريدك الإلكتروني كل ثلاث دقائق بدلاً من التركيز على العمل الذي تقوم به.

سيساعدك التأمل بشكل يومي على تعزيز قوة إرادتك. بالتأكيد لن تختفي رغباتك الملحّة، ولكن ستصبح أكثر قدرة على إدارتها، وستكتسب الخبرة التي تثبت لك أنّ الرغبة هي مجرد اقتراح. وأنت من يتحكم به.

فهل يعني ذلك ألا نتبع أي رغبة ملحّة؟ لا بالطبع، فالرغبات تحمل في ثناياها معلومات مفيدة وهامة. فإذا شعرت بالجوع مثلاً، يكون ذلك مؤشراً هاماً إلى احتياجك للطعام. ولكنه أيضاً يكون مؤشراً على إحساسك بالملل أو معاناتك من صعوبة في إنجاز مهمة ما. يمنحك التأمل فرصة لممارسة التحكم في رغباتك واتخاذ قرارات مقصودة واختيار الرغبات التي عليك اتباعها والأُخرى التي عليك تجاهلها.

إذاً، فكيف تقوم بذلك؟ إذا كنت لاتزال مبتدئاً، فإنّ الأمر بسيط جداً.

اجلس مستقيم الظهر، على كرسي أو وسادة فوق الأرض، بالقدر الذي يسمح لك بالتنفس بسهولة وراحة، وقم بضبط المؤقت على المدة التي تريد أن تمارس خلالها التأمل. عندما يبدأ المؤقت، حاول إغماض عينيك واسترخ ولا تتحرك، فقط تنفس، حتى ينتهي الوقت. ركّز على الشهيق والزفير، وفي كل مرة تراودك فكرة أو رغبة، لاحظها وحاول إعادة نفسك إلى التركيز على التنفس فقط.

هذا كل ما عليك فعله، الأمر بسيط ولكن به بعض التحدي. جربه اليوم لمدة خمس دقائق، ثم كرر ذلك غداً.

في هذا الصباح، بعد أن انتهيت من ممارسة التأمل، ذهبت إلى غرفة المكتب بالمنزل لأبدأ الكتابة. وبعد بضع دقائق، دخلت ابنتي صوفيا، التي تبلغ من العمر سبع سنوات، وأخبرتني أنّ المياه تغمر المطبخ. على ما يبدو أنّ دانيال، الذي يبلغ من العمر خمس سنوات، ملأ كأساً بالماء ولم يغلق الصنبور. يا للهول!

في تلك اللحظة، أردت الصراخ على دانيال وصوفيا كليهما، لكن ممارستي للتأمل جعلتني أقاوم تلك الرغبة. وأخذت نفساً عميقاً.

ثم بدأنا العمل معاً، جمعنا كل المناشف الموجودة في المنزل، وبطانيتين، وجففنا الماء كله، وكنا نضحك طوال الوقت. وبعدما انتهينا من تجفيف الماء، تحدثنا عمّا حدث، ثم نزلنا إلى الجيران في الطابق السفلي واعترفنا بمسؤوليتنا عن ذلك واعتذرنا، وعرضنا المساعدة في تنظيف أي فوضى تسببنا بها.

بعد ذلك، كنت قد أضعت ساعة من وقت الكتابة. ولكي أنجز عملي في الوقت المطلوب، عليّ العمل بجد خارق. لذا، تناولت وجبة خفيفة وتجاهلت أي رغبة تشتت تركيزي لمدة ساعتين، لا بريد إلكتروني ولا مكالمات هاتفية ولا مقاطع فيديو لطيفة، حتى انتهيت من عملي الذي أنجزته قبل موعدته بنصف ساعة.

فمن قال أنّ التأمل مضيعة للوقت؟

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!