قبل خمسين عاماً، كان الأميركيون يعلمون تمام المعرفة ما تعنيه الوظيفة الجيدة بالنسبة إلى فئة العاملين العاديين: وظيفة لدى شركة مصنّعة كبيرة مثل جنرال موتورز أو جود يير أو يو إس ستيل (U.S Steel)، وبما أن العمال في تلك الشركات الكبرى عادة ما ينتمون إلى نقابات عمالية، فإنهم يحصلون غالباً على راتب جيد وتعويضات مجزية. وعلاوة على ذلك، فإن تلك الوظائف غالباً ما تكون مضمونة. فحتى إذا ما تقلّصت في فترات التراجع الاقتصادي، من المرجح أن تعاد إلى وظيفتك حالما تتعافى شركتك. وهذا كان صحيحاً ليس فقط في الولايات المتحدة الأميركية، إنما في جميع الدول ذات الاقتصادات المتقدمة الأخرى في ذلك الوقت.

ولعلنا اليوم نعيش على إرث تلك الحقبة: فالكثيرون لا يزالون يعتقدون أن أكثر ما يحتاجه العاملون في الوظائف العادية إنما يتمثل بالمزيد من فرص العمل في المصانع. لكن إمكانية العودة إلى تلك الحقبة بعيدة جداً عن الواقع. فأولاً، تراجعت فرص العمل في قطاع التصنيع، ففي حين كانت تشكل 25% من سوق العمل الأميركية العام 1970، لم تعد تشكل سوى 10% من تلك السوق اليوم. وإضافة إلى ذلك، فإن أكثرية المصانع الجديدة تعتمد في أكثر الأحيان على الروبوتات أكثر من اعتمادها على اليد العاملة البشرية. أما العمال القليلون الذين ينجحون في الحصول على وظائف في المصانع، فغالباً ما يتلقون رواتب أدنى من نظرائهم في السابق. يمكننا القول إذاً إن مستقبل أغلبية الوظائف العمّالية العادية سيكون في قطاع الخدمات.

هذا يعني أن الوظائف العمّالية الجيدة في المستقبل ستكون مختلفة جداً عن الوظائف العمّالية الجيدة في السابق. وما نعنيه هنا بكلمة جيدة مفهوم تماماً: وهو أن الوظائف الجيدة توفر لصاحبها حياةً كريمة. لكننا بتنا اليوم ندرك أن الحياة الكريمة في الاقتصاد الجديد تنطوي على أكثر من مجرد الراتب المرتفع والتعويضات المجزية؛ فهي تعني أيضاً تزايد مساهمة العمال في نجاح شركتهم واشتراكهم في قطف ثمار هذا النجاح. وهي لا تقتصر على الجانب المادي، بل تتعداه إلى تعلّم مهارات جديدة والشعور بأن عملهم يسهم إسهاماً حقيقياً في تحقيق النجاح لشركتهم. لقد باتت هذه النظرة منتشرة في بيئات العمل الراقية والقائمة على المعرفة، غير أن مجتمع الاقتصاد الحر الجيد يجب أن يوفر فرص عمل واعدة لكل أبنائه، وليس لمن يتمتع بالتعليم والمهارات العالية فقط، وهذا يعني أن عليه معرفة كيف يجعل الوظائف العمّالية العادية أكثر اندماجاً في نجاح الشركات إلى جانب تحسين رواتب تلك الوظائف؛ وإلا ستنتشر تلك الخلطة السامة من الغضب والإحباط والتهكم، التي بتنا نراها سائدة لدى الكثير من الموظفين.

فما هو شكل الوظائف العمّالية الجيدة في القرن الواحد والعشرين؟ لنبدأ بتسليط الضوء على تعويضات تلك الوظائف. كما ذكرنا سابقاً، من الواضح أن علينا تعديل طريقة تقديمنا للتعويضات، على الرغم من أن عدداً قليلاً نسبياً من الشركات تقوم بذلك حتى الآن. ولكن، وكما سنرى، لا يمكن إحراز تقدّم حقيقي في موضوع التعويضات أو الاستمرار فيه، ما لم يتم جعل الوظائف العمّالية العادية أكثر اندماجاً واشتراكاً في نجاح شركاتهم. وهنالك الكثير مما يتعين إنجازه في هذا الخصوص.

الانتقال من منطق العمل لقاء أجر محدد إلى منطق ملكية الشركة.

كان ظهور وظائف التصنيع الجيدة في منتصف القرن العشرين نتيجةَ لظروف اقتصادية خاصة. فلقد سيطر عدد قليل من شركات التصنيع الكبرى الرابحة على عموم القطاع، وكانت تتنافس في ما بينها في أسواق احتكارية وتتصارع مع بعضها البعض على نقطة أو نقطتين من حصص السوق، وغالباً ما كانت تضيف تكاليفها الإضافية على أسعار سلعها ليتحمّلها الزبائن في نهاية المطاف. وكان باستطاعة تلك الشركات أن تدفع رواتب جيدة لعمالها، وساعدت الاتحادات النقابية على ضمان التزام تلك الشركات بذلك.

لقد تغيرت تلك الظروف الآن. فلم تعد الكثير من الشركات قادرة على تحمل أعباء دفع رواتب عالية لعمالها فوق معدلات السوق، وهنالك عدد قليل من تلك الشركات لا تزال تلزم نفسها بأي ضغط من الاتحادات النقابية. وهي لم تعد تستطيع تحميل تكاليفها الإضافية على الأسعار ببساطة. وفي مثل هذه الظروف، وجب على الشركات البحث عن طرق أخرى لكي تمنح العاملين فيها حياة كريمة.

وقد تمثل الحل، في حالات كثيرة، في منح الموظفين حصة مباشرة من نتائج أداء الشركة عبر منحهم أسهماً في ملكيتها أو حصصاً في إيراداتها أو الاثنين معاً. فمن شأن هذا الإجراء أن يضع حجماً كبيراً من المال في جيوب العمال أو في حسابات تقاعدهم من دون أية زيادة في التكاليف الثابتة للشركات ومن دون وضع تلك الشركات في وضع تنافسي غير ملائم. بل إن هذا الإجراء قد يؤدي بالفعل إلى مساعدة الشركات على اجتذاب قوة العمل الماهرة والاحتفاظ بها، ما يشكل بحد ذاته ميزة تنافسية حقيقية.

بالكاد يمكن النظر إلى فكرة مشاركة العاملين بملكية أسهم الشركة وإيراداتها بوصفها فكرة ثورية جديدة كلياً. فلطالما امتلكت شركة بروكتر آند جامبل (Procter & Gamble) برنامجاً لتشارك الأرباح مع العاملين وامتلاكهم لأسهم شركتهم؛ حيث أن 10% إلى 20% من أسهمها يملكها عمالها. كما أن حوالي 13% من أسهم شركة ساوث وست إيرلاينز (Southwest Airlines) ممتلكة أيضاً من قبل موظفيها، وقد دفعت الشركة في العام 2016 مكافآت تشارك الأرباح بقيمة 586 مليون دولار، ما شكّل زيادة على التعويضات السنوية لكل موظف بنسبة 13.2%. ولقد بات عدد متزايد من الشركات يرى في توزيع ملكية الأسهم أو الأرباح أو الاثنين معاً أمراً مفيداً، علماً أن أغلبية تلك الشركات ليست معروفة برواتبها المرتفعة وبأنها تقوم على الأعمال المعرفية المتخصصة. فسلسلة المتاجر الكبرى إتش-إي-بي (H-E-B) التي تتخذ من ولاية تكساس الأميركية مقراً لها، قامت في العام 2015 بتوزيع 15% من أسهمها على موظفيها البالغ عددهم 55,000 موظف. كما منحت شركة تصنيع الألبان تشوباني (Chobani)، التي تنمو بسرعة كبيرة، عمالها أسهماً بقيمة 10% من قيمتها السوقية في العام 2016. ومن ناحية أخرى هنالك آلاف الشركات الخاصة المملوكة كلياً أو جزئياً من قبل عمالها، وذلك عن طريق ما يعرف بـ"خطط ملكية أسهم الشركات من قبل موظفيها". ولقد بات لدى الشركات التي تمتلك مثل تلك الخطط (ومن بينها بعض الشركات المتاحة للتداول العام) حوالي 11 مليون عامل أميركي، أو ما يعادل 9% من العاملين في القطاع الخاص في أميركا.

وقد تطور الأمر للمرحلة التي وجدنا فيها شركة الأسهم الخاصة "كي كي آر" (KKR) التي كانت معروفة بمعاركها الشرسة للاستحواذ على الشركات، قد بدأت أيضاً بتشارك ملكية محفظة بعض الشركات في القطاع الصناعي مع العاملين فيها. فبفضل شركة "كي كي آر" حصل موظفو شركة غاردنر دنفر (Gardner Denver) المصنّعة، ومقرها مدينة ميلووكي الأميركية، على أسهم بقيمة حوالي 100 مليون دولار قبيل طرحها للاكتتاب العام في شهر مايو/أيار من العام 2017. فحصل كل موظف مؤهل على أسهم بقيمة 40% من راتبه الأساسي. أما موظفو شركة سي إيتش آي أوفرهيد دورز (C.H.L Overhead Doors) الذين حصلوا على خيارات أسهم عندما اشترت شركة "كي كي آر" شركتهم العام 2015، فقد جنوا أرباحاً موزعة هذه السنة بمعدل حوالي 4,000 دولار لكل شاغل وظيفة عمالية اعتيادية. يقول بيتر ستافروس (Peter Stavros) رئيس الممارسات الصناعية في شركة "كي كي آر"، لأحد المراسلين الإذاعيين: "يبدو هذا الأمر منطقياً بالنسبة إلي، فجوهر الملكية الخاصة هو تحقيق المواءمة بين العاملين والشركة. إنك تطبق الحافز الصحيح وتقوم بإجراءات الإدماج الأوسع لتقول للناس بأنك تهتم بهم، وها هي النتائج الإيجابية قد بدأت بالظهور".

جرت دراسة معمقة ومفصلة أكثر للشركات التي تعتمد خططاً لملكية أسهمها من قبل موظفيها، وأشارت النتائج إلى أن تلك الشركات تبلي بلاءً أفضل من نظيراتها. فمثلاً، أظهرت دراسة أجراها المركز الوطني لملكية الموظفين (National Center for Employee Ownership NCEO) أن الشركات التي تمتلك خططاً لملكية أسهمها من قبل موظفيها تسجل نمواً في وظائفها على مدار 10 سنوات أعلى بنسبة 25% من نظيراتها ذات الملكية الاعتيادية. كما أن تلك الشركات تبدي أيضاً متوسط نمو سنوي في العائد على الأصول يبلغ 2.7 نقطة مئوية. فضلاً عن ذلك، تزداد إنتاجية تلك الشركات بنسبة 4% إلى 5% في السنة الأولى بعيد اعتمادها لخطط ملكية أسهمها من قبل موظفيها.

وتدعم العديد من الدراسات الأكاديمية النتائج التي خلص إليها المركز الوطني لملكية الموظفين. فعلى سبيل المثال، درس جوزف بلازي ودوغلاس كروز ودان وولتمان من جامعة روتغرز (Rutgers) أكثر من 300 شركة خاصة اعتمدت خططاً لملكيتها من قبل موظفيها بين العامين 1988 و1994 وقارنوا كلاً منها مع شركة مشابهة وبنفس قطاع الأعمال، لكن بملكية اعتيادية. ولقد وجدوا أن الشركات التي تعتمد خططاً لملكيتها من قبل موظفيها قد سجلت نمواً في المبيعات ونسبة إيرادات لكل موظف أكبر من نظيراتها بشكل واضح. ومؤخراً وجد دوغلاس كروز بالاشتراك مع فيدان أنا كورتولوس من جامعة ماساتشوستس (Massachusetts) أن الشركات التي تتمتع بمستويات أعلى لملكيتها من قبل موظفيها مقارنة بنظيراتها، أقل ميلاً بكثير إلى إقالة موظفيها وأكثر قدرة على تخطي فترات التراجع الاقتصادي من نظيراتها.





بالتالي، تضع الشركات التي يمتلك موظفوها حصصاً عالية، قدراً أكبر من المال في جيوب الموظفين العاديين. فالموظفون الذين يراكمون أسهمهم وحصصهم -كما يتعين على المشاركين في خطط ملكية الموظفين لشركاتهم حتى يتقاعدوا أو يتركوا شركاتهم- يستطيعون من خلال ذلك تكوين ثروة لمرحلة ما بعد التقاعد قد تصل إلى مئات الآلاف من الدولارات. وبحسب المعطيات التي جمعها المركز الوطني لملكية الموظفين، فإن الموظفين المشاركين في تلك الخطط يمتلكون حجماً أكبر بـ 2.2 مرة من الأموال في خطط تقاعدهم ومجموع أصول أكبر بنسبة 20% من نظرائهم.





فضلاً عن ذلك، وبفضل إنتاجيتها الأعلى، يمكن للشركات الممتلكة من قبل موظفيها أن توفر رواتب وتعويضات أعلى لهم مما توفره الشركات المماثلة ذات الملكية التقليدية، كما أنها ليست مضطرة للتخوف من ضغوط المستثمرين الخارجيين لتخفيض التكاليف. لقد أظهرت النتائج أن الفروقات في الرواتب بين المجموعتين تتراوح بين 5% و12%. غير أن دراسة أخرى على العاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 28 و34 عاماً أجرتها نانسي ويفيك (Nancy Wiefek) من المركز الوطني لملكية الموظفين، خلصت إلى فروقات أكبر بكثير. ولقد أفاد المستجيبون لمسح أجراه مكتب إحصائيات العمل، الذين قالوا إن شركاتهم تعتمد خططاً لملكيتها من قبل الموظفين، بأن رواتبهم تفوق مرتبات نظرائهم في الشركات المماثلة من دون تلك الخطط بنسبة 33% وأن متوسط قيمة ثروتهم المنزلية أعلى بنسبة 92% من نظرائهم. وليس من المستغرب أن يفيد موظفو الشركات التي تعتمد خططاً لملكيتها من قبل موظفيها بأن متوسط مدة بقائهم في شركاتهم أطول من متوسط تلك المدة لدى نظرائها بنسبة 53%.

غير أن منح الموظفين حصة في ملكية شركتهم لا يكفي. فلكي تكون الوظائف العمّالية العادية جيدة في القرن الواحد والعشرين، يتعين عليها تعزيز إدماج الموظفين في شركاتهم وأن توفر لهم فرصاً لتعلّم مهارات قابلة للنقل والاستفادة منها في أماكن أخرى.

كيفية جعل الملكية أمراً مؤثراً وذا قيمة


لا شك في أن بيانات الأداء المجتمعة للشركات التي تعتمد بقوة على ملكية الموظفين لأسهم شركاتهم، معبّرة وتترك انطباعاً جيداً جداً. غير أن التمعن أكثر بتلك البيانات يظهر أن تلك الشركات يمكن تقسيمها بشكل واضح إلى مجموعتين اثنتين. فمجموعة الشركات التي تمتلك نوعاً من ثقافة الملكية مثل شركة "ساوثوست" من خلال إدخال بعض البنى التشاركية في الإدارة ومساعدة الموظفين على تعلّم التفكير والتصرف كأصحاب ملك، تحقق عملياً جميع الفوائد الممكنة من نهج ملكية الموظفين. أما الشركات التي تكتفي بتوفير الملكية فقط من دون بناء ثقافة ملكية حقيقية، فنجدها غير راضية لأنها لا تجني الثمار المتوقعة من تلك الملكية.

وتعود هذه النتائج إلى مقالة مشهورة كتبها كوري روزن ومايكل كواري بعنوان: "ما مدى نجاح نهج ملكية الموظفين؟" (How Well Employee Ownership Working Is?)، نشرها في هارفارد بزنس ريفيو، 1987. وقد جرى تأكيد هذه النتائج من قبل جميع الدراسات اللاحقة عملياً. حيث كتب بلازي وكروز وريتشارد فريمان في هارفارد يزنس ريفيو أيضاً ورقة بحث مؤخراً: "يبدو أن الآثار الإيجابية تعتمد على السياسات والقواعد والمعايير المتّبعة في مكان العمل التي تعزز التعاون وبذل المزيد من الجهود، مثل إشراك الموظفين في عملية اتخاذ القرارات وفي برامج التدريب في الشركة وضمان احتفاظ العاملين بوظائفهم".

في الاقتصاد الحديث، تكون قدرة الشركات على ضمان احتفاظ العاملين بوظائفهم محدودة مقارنة بما كان سائداً قبل خمسة عقود. وللتعويض عن ذلك، يتعيّن على الوظيفة العمّالية الجيدة اليوم أن توفر لشاغليها أيضاً فرص تعلم أساسية بحيث يمكنهم الانتقال بسهولة إلى وظيفة أخرى أو شركة أخرى أو حتى قطاع آخر، إذا ما دعت الحاجة لذلك. فمع التعلم، تتوفر المرونة، ومع المرونة يتوفر الأمان والضمان.

ولقد كانت الوظائف العمّالية الجيدة تفتقر في الماضي إلى فرص التعلم، الأمر الذي اتضح بجلاء في حقيقة أن الكثيرين من عمال التصنيع المسرحين من وظائفهم كانوا يواجهون صعوبة كبيرة بلغت حد الاستحالة في إيجاد وظائف جديدة.

إننا ننظر إلى ثقافة ملكية الموظفين لأسهم شركاتهم وتوفير فرص التعلم لهم بوصفهما أمرين توأمين. وبالنظر إلى الشركات التي نجحت في توفير وظائف عمالية جيدة في العصر الحديث، نجد أنها تطبق في غالبيتها ثلاثة مبادئ أساسية:

اجعل بيانات الأداء الاقتصادي لشركتك واضحة بالنسبة للموظفين

لكل شركة بياناتها الاقتصادية التي تعكس ما يراه زبائنها ذا قيمة عالية. وعلى العموم يعي مالكو الشركة وكبار مدرائها التنفيذيين تلك البيانات ويفهمونها جيداً؛ إنهم يتتبعون تطور الأرقام الاقتصادية المهمة للشركة ويتخذون قراراتهم بناءً عليها.

ولقد أدركت الشركات والمؤسسات التي تفكر في مستقبلها أن عمالها في الصفوف الأمامية، على الرغم من أنهم قد لا يملكون النظرة الشاملة والخبرة التي يمتلكها القادة الكبار، يقفون في المكان الصحيح لتتبع واحد أو اثنين من الأرقام التي تعكس الأداء الاقتصادي للشركة. وقد يكون ذلك الرقم حجم المبيعات بالنسبة للتاجر بالتجزئة، أو متوسط إيرادات الطاولة الواحدة بالنسبة للمطعم، أو معدلات الشحن وإعادة التصنيع بالنسبة للمصنع، أو معدل الإشغال في الفندق. وتعمد الشركات الذكية إلى اختيار رقم واحد أو رقمين اثنين فقط من تلك الأرقام لكل قسم من أقسام الشركة وجعلها متاحة للجميع.

ولعل هذه الطريقة مختلفة تماماً عن الطريقة التي عادة ما تتعامل بها غالبية الشركات مع مؤشرات أدائها الأساسية. فكثيراً ما تلجأ الشركات التي تتبع مؤشرات الأداء الأساسية إلى التلاعب بها وتعديلها نحو الأفضل، وتحديد مؤشرات مختلفة لكل وحدة أعمال على حدة وإضفاء الغموض وعدم الوضوح على العملية برّمتها.

لقد درسنا قبل أعوام عدة شعبة الحديد الخام في أحد المناجم الكبرى في أستراليا. ولقد كانت تلك الشعبة تضم 7,000 عامل في ذلك الوقت وتتقفى أثر 203 مؤشر أداء أساسياً، يرتبط كل منها بخطة حوافز خاصة به. وقد أدى ذلك إلى تناحر الموظفين والإدارات وتقاتلهم مع بعضهم البعض. فمؤشر الأداء الأساسي لإدارة قطع الغيار على سبيل المثال، كان يدفع باتجاه تخفيض حجم الأصول في مستودع قطع الغيار، في حين كان مؤشر الأداء الأساسي لإدارة الإنتاج يتمثل في حجم الطاقة الإنتاجية. وعندما كانت إحدى الآلات تتعطل، كان يحدث كثيراً أن تكون بعض قطع الغيار الضرورية للإصلاح غير متوفرة في المستودع، الأمر الذي يؤدي إلى توقف عجلة الإنتاج وتوتر العلاقة بين الإدارتين.

وبانتهاج نهج أعم وأشمل، قام مدراء الشعبة بتطبيق نظام جديد تتقفى فيه جميع الإدارات نفس مؤشر الأداء الأساسي، وليكن كمية الحديد الخام المشحون في الشهر الواحد. فهذا المقياس كان مفهوماً من قبل جميع العاملين، الأمر الذي أثر بشكل مباشر على بيان دخل الشعبة ككل.

وتلجأ بعض الشركات إلى تغيير مؤشرات الأداء المفتاحية حالما تتغير البيانات الاقتصادية للشركة. فمن خلال ذلك يمكن لها تركيز جميع جهودها على تجاوز نقاط ضعف محددة. ففي الوقت الراهن تركز شركة "غاردنر دنفر" على سبيل المثال جهودها على خفض صافي رأسمالها العامل الذي تفوق قيمته قيم الكثير من نظيراتها. وتعمل الشركة على تدريب 150 قائداً من قادتها على المبادئ الأساسية للقيام بذلك. وسيعمل أولئك الـ 150 قائداً بدورهم على تدريب أكثر من 6,000 موظف ومساعدتهم على اكتشاف ما يمكن لكل منهم في مكان عمله الخاص فعله لتخفيض مستوى رأس المال العامل، من خلال ابتكار أفكار جديدة حول كيفية خفض حجم قطع الغيار والأعمال الجارية في المستودعات على سبيل المثال.

ومن جهة أخرى، سيتم تقفّي أثر التقدم في هذا الجانب من خلال عرض تلك الأرقام في لوحة النتائج، وستعلن الشركة عن الابتكارات قصيرة الأمد (الأرباح السريعة) التي من شأنها أن تغيّر تلك الأرقام. وبمجرد أن يصل صافي رأس المال العامل إلى المستويات المطلوبة، تستطيع الشركة الانتقال إلى مواجهة التحدي التالي، وهكذا.

ولهذا النهج المتمثل في التركيز على رقم أداء واحد في كل مرة، فائدة أخرى ألا وهي توسيع أفق فهم الموظفين واستيعابهم للأداء الاقتصادي لشركتهم. ففي شركة غورمنت إفنتس هاواي (Gourmet Events Hawaii) للخدمات، طُلب من الموظفين في البداية التركيز على زيادة إجمالي الربح (الإيرادات ناقص التكاليف المباشرة). وفي السنة التالية، بدأوا بتقفي أثر صافي الأرباح (إجمالي الربح ناقص التكاليف التشغيلية).

إن عملية التعلم هي عملية دينامية متغيرة، ولا شك في أن معارف الموظفين بالمبادئ الأساسية لعالم الأعمال من المرجح أن تتعزز وتتعمق من خلال هذا النهج. فضلاً عن ذلك، وطالما أن موظفي الشركة محفَّزين لتحسين أدائها الاقتصادي، فإنهم لا يحتاجون إلى الكثير من الإشراف والمراقبة، الأمر الذي يؤدي إلى خفض التكاليف المترافقة مع ذلك. ومن ناحية أخرى يمكن للموظفين أخذ ما يتعلمونه من معارف اقتصادية إلى أي وظيفة مستقبلية أخرى ينتقلون إليها.

شجع الموظفين على الالتزام بالمعايير وتحسينها

متى فهم الموظفون المبادئ الاقتصادية لشركاتهم، يستطيعون اتخاذ القرارات الأمثل واتباع الإجراءات الأفضل لتحسين الأرقام التي يتبعونها. فأحياناً لا يتطلب الأمر سوى التشارك في البيانات والمعطيات. لقد بدأ صاحب رخصة مطعم للوجبات السريعة بعرض بيانات دخل أسبوعية مبسطة للمطعم -حجم المبيعات، وتكلفة البضاعة المباعة، وإجمالي الربح- على حائط يراه الموظفون والعمال، الذين سارعوا بفضل تدني أعمارهم إلى التعامل مع هذه البيانات كما يتعاملون مع لعبة إلكترونية وحاولوا إيجاد طريقة لرفع رقم الإيرادات والحفاظ على التكاليف متدنية. ومن خلال ذلك، تعلموا درساً عملياً حول المبادئ الأساسية لإدارة الأعمال.

أما بعض الشركات الأخرى، فتلجأ إلى إجراءات ذات طابع رسمي أكثر. وهكذا يقدم العاملون في شركة ترينيتي برودكتس (Trinity Products) متوسطة الحجم للصناعات الحديدية، التي تتخذ من ميسوري مقراً لها، مبادراتهم التحسينية إلى الإدارة ومن ثم يتم تشكيل فرق عمل للتعامل مع المواضيع ذات الأفضلية القصوى. فبحسب روبرت غريغز مؤسس الشركة ورئيسها "لقد اختصرنا زمن توصيل الوشائع من 25 دقيقة إلى 15 دقيقة. كما اختصرنا زمن تبديل قياس الوشيعة من ثماني ساعات إلى خمس ومن ثم إلى حوالي ثلاث ساعات ونصف الساعة". وقد كان لكل من هذه التحسينات أثرها الإيجابي على بيان دخل الشركة الذي تبلغه لجميع العاملين.

ومن أهم أوجه الاستفادة من المعايير والمقاييس المتّبعة، تنبؤ تغير قيم تلك الأرقام بين مرحلة وأخرى. فذلك يدخل ضمن مسؤوليات إدارة وحدة الأعمال. إنها تعزز التفكير والسلوك الاستباقيين، الأمر الذي يمكن الشركة من توقع الفرص والاحتياط للصعوبات المحتملة واتخاذ الإجراءات المناسبة. غير أن التوقع الدقيق يشكل تحدياً صعباً بالنسبة للعاملين وقد يبدو انخراطهم فيه مهمة مستحيلة.

غير أن خبرتنا العملية تظهر أن ذلك غير مستحيل على الإطلاق. فمدراء الشركات التي توفر لموظفيها وظائف عمالية جيدة على استعداد تام لمشاركة موظفيهم بما يعرفونه من بيانات اقتصادية مفيدة -كالمبيعات والظروف الاقتصادية المتوقعة على سبيل المثال- وذلك أثناء اللقاءات الأسبوعية التي يعقدونها معهم. ومن جهتهم، يسعى ممثلو فريق العمل بالدرجة الأولى إلى توفير المعطيات الميدانية كانطباعات الزبائن التي يتلقاها مندوبو خدمة الزبائن على الهاتف وما يلاحظه موظفو نقاط البيع من تبدلات في سلوك المشترين. وكما هي الحال في جميع الاختصاصات، تتطور مهارات التوقع الجيد بالممارسة. فالموظفون يحددون ما ينقصهم من المعلومات ويكتشفون طرقاً وأساليب فعالة لملء الفراغات وجسر الهوات. وبمقارنة التوقعات مع الميزانيات ومع النتائج الفعلية، يمكن تحديد خطوط الأعمال التي تسير وفق ما هو متوقع وتلك التي تتطلب المزيد من العمل والتحسين. كما أن الطلاب يتعلمون ويتطورون من خلال تطبيق نظام علامات مدروس وفعال، يتعلم الموظفون ويطورون مهاراتهم من خلال دراسة التغيرات التي تطرأ على مؤشرات أداء شركتهم.

شارك نتائج تحسن الأداء مع موظفيك

إن مبادرات التعلم الفردية المطلوبة في ثقافة ملكية الموظفين لأسهم شركتهم، هي أمور جديدة كلياً على غالبية الشركات وعلى موظفيها على حد سواء. فهذه الثقافة تتطلب من الموظفين بذل المزيد من الجهد وتحمل المزيد من المسؤوليات. وهذا يستدعي بالطبع طرح السؤال الطبيعي الذي أدى إغفاله إلى توقف العديد من المبادرات حسنة النية: "ما فائدة ذلك بالنسبة لي؟".

لا شك في أن ملكية الأسهم والحصول على حصة من الأرباح يجيبان جزئياً على ذلك السؤال، غير أن كلا الأمرين يبدوان بعيدين عن النجاحات والإخفاقات اليومية في مكان العمل. ولذلك نرى أن تقديم الحوافز قصيرة الأجل المرتبطة بتحسن مؤشرات الأداء الأساسية هو أمر جوهري بالنسبة إلى الوظائف العمالية الجيدة في اقتصادنا الحديث.

ففي ظل خطط الحوافز، يمكن للموظفين والإدارة أن يتفقوا مع بداية العام على أهداف مرتبطة بمؤشرات الأداء الأساسية. وتقوم الشركة بوضع مخطط للدفع يحصل بموجبه الموظفون على مبلغ إضافي محدد في حال تحقيق الهدف وعلى مبلغ إضافي آخر في حال تجاوز الهدف. وفي كثير من الأحيان، تلجأ الشركات إلى تحديد المكافأة المالية الإضافية بعدد من الأيام أو الأسابيع الإضافية مدفوعة الأجر وإلى الإعلان عن ذلك بشكل أسبوعي. فيسمح ذلك للموظفين بأن يلحظوا القيمة الدقيقة للحوافز التي يستحقونها ومقارنتها مع الحوافز المتوقعة.

ومبدئياً، يجب ألا تكون هنالك أية حدود عليا لقيمة المكافآت في الخطة. فإذا كانت المكافأة مرتبطة بأداء مؤشر إجمالي الأرباح على سبيل المثال، وكانت النتائج ممتازة، قد يحصل الموظفون على مبالغ مالية كبيرة جداً. ولقد رأينا بعض الشركات تمنح موظفيها مكافآت تصل إلى أجر إضافي عن 30 أسبوعاً، وهي مكافأة كبيرة بحسب كل المقاييس، وتعد رافداً جيداً للراتب الذي يحصل عليه أصحاب الوظائف العمّالية الاعتيادية. وفي الوقت نفسه، يتعين على تلك الخطط ألّا تكلف الشركات أية نفقات إضافية، فالمكافآت يجب أن تمول بشكل كامل من خلال التحسن في أداء تلك الشركات، بل إنها قد تحقق أرباحاً إضافية تتراوح عادة بين ضعفي قيمة تلك المكافآت وأربعة أضعافها. وهكذا تعزز تلك الخطط فكرة أن الموظفين والإدارة يقفون في خندق واحد ويعملون معاً لتطوير أعمال شركتهم.

ضع جميع تلك الأمور مع بعضها لتحصل على تعريف جديد للوظيفة العمّالية الجيدة فهي لم تعد تعني ببساطة تركيب القطع أو خدمة الزبائن أو قيادة الرافعة الشوكية، بل إنها باتت تنطوي على التفكير مثلما يفكر صاحب الملك، المسؤول عن تتبع وإدارة مؤشرات الأداء الأساسية واكتشاف الأساليب والطرق التي من شأنها تحسين ذلك الأداء. كما تنطوي أيضاً على تشارك ثمار النجاح وعدم الاكتفاء بالحصول على أجور ساعات العمل. يبدو هذا التعريف ملائماً لاقتصادنا الحديث، فهو يؤدي إلى عمل أكثر تفاعلاً وانخراطاً بالنسبة للموظفين في مختلف سويات الشركة.

الفرصة


قبل تسعين عاماً، ألقى رئيس شركة جنرال إلكتريك وكبير مدرائها التنفيذيين في ذلك الوقت أوين يونغ خطاباً مكرساً لمناسبة افتتاح الحرم الجديد لكلية هارفارد للأعمال على الضفة المقابلة من نهر تشارلز. ولا شك في أنه قد فاجأ مستمعيه بما قاله في ذلك الوقت: "آمل أن يأتي يوم تكون فيه هذه الشركات الكبرى ملكاً للرجال الذين يكرسون جهودهم وحياتهم في سبيلها، ولا يهم بأية صفة... فحينئذ ستشكل كل آلة معطلة وكل قطعة مادية ساكنة لا تتحرك بالنسبة لكل رجل يراها في المصنع تهمة موجهة إليه شخصياً بعدم الإنتاجية، وحينئذ سنتخلص نهائياً من تهمة أننا في القطاع الصناعي مستبدون وغير ديمقراطيين. حينئذ سنقف أمام فرصة توفير الأجر اللائق لكل عامل في شركاتنا. وبكلمة واحدة، سيكون الرجال العاملون في شركاتنا وأعمالنا التشاركية أحراراً لا تقيدهم سوى نفس القيود المفروضة على أصحاب الأعمال الفردية الحرة. فحينئذ لن يكون لدينا رجال مستخدَمون".

تماشياً مع عصره، تحدث يونغ عن الرجال فقط وركز اهتمامه على الشركات الصناعية التي كانت تشكل أكبر الجهات الموفرة لفرص العمل في ذلك الوقت. ولكن بغض النظر عن ذلك، من السهل ترجمة رؤيته تلك إلى عصرنا الاقتصادي الراهن، حيث يعمل غالبية الناس في القطاع الخاص لدى الشركات الخدماتية. من الواضح أنه كان ينظر إلى مسألة خلق وظائف عمالية جيدة بالطريقة نفسها التي ننظر فيها إلى تلك المسألة. غير أننا نمتلك ميزة لم يكن يونغ يمتلكها، ألا وهي خبرة عقود من الزمن في برامج تشارك الأرباح وتشارك الملكية (بما في ذلك خطط ملكية أسهم الشركات من قبل موظفيها)، إلى جانب فهم متزايد حول كيفية مساعدة الموظفين على التفكير والسلوك كأصحاب ملك لا كيد عاملة مستخدَمة.

يجد الاقتصاد الأميركي نفسه اليوم في وضع غير معتاد. فلقد أدى تراجع حجم الوظائف العمّالية الجيدة مقارنة بالحقبة السابقة إلى ركود الرواتب والأجور بالنسبة للأسر الواقعة في الأربعة أخماس الأدنى من توزع مرتبات الأسر الأميركية، الأمر الذي فاقم مستويات عدم الرضا لدى تلك الأسر. ولقد كانت غالبية الحكومات غير قادرة أو غير راغبة في معالجة هذه الحالة، حتى إن الكثير من المنتخِبين لا يعتقدون أن على الحكومة حل هذه المشكلة. ولعل الفرصة الآن متاحة أمام الشركات لكي تكون سباقة في معالجة هذه المسألة الحيوية. فجميع الشركات قادرة بشكل أو بآخر على تطبيق نظام ما يشجع على إشراك الموظفين بالأرباح أو بالملكية أو بكليهما معاً. كما يمكن لغالبية الشركات خلق ثقافة تساعد الموظفين على فهم المسائل الاقتصادية المرتبطة بشركاتهم وتحسين نتائجها وكسب المزيد من المال بطريقة مباشرة وسهلة. ولا شك في أن الرؤساء التنفيذيين الذين يتبنون نظاماً كهذا سيكونون من أوائل الرواد الذين يعالجون واحدة من أكثر مشاكل أميركا إلحاحاً، ومن المرجح جداً أن يتحسن أداء شركاتهم بنحو ملحوظ.
هذا المقال متاح للمشتركين. للاشتراك يمكنك الضغط هنا

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz
error: المحتوى محمي !!