تابعنا على لينكد إن

إيجاد مواهب مناسبة ليس بالأمر السهل على أي مؤسسة كانت، إذ تراها في حالة بحث دائمة عن الشخصية “الأفضل والأكثر لمعاناً” والتي من الممكن أن تتميّز وتتفوق على أقرانها. كما تنفق المؤسسات كثيراً من إيراداتها لجذب الأشخاص المميزين والاحتفاظ بذوي الأداء المرتفع. لكن في الوقت ذاته، ترغب هذه المؤسسات بإيجاد فِرَق قادرة على العمل بشكل متّحد. لذا، يتم دمج تلك المواهب المميزة ضمن فِرق العمل بغية تطوير أدائها دون النظر إلى الأضرار التي قد تنتج عن دمجهم بتلك الفِرق والتي قد تتمخض عن مشاكل وتخريب وأحياناً استبعاد.

إذ تدفع تلك العواقب الاجتماعية السلبية بنسبة من ذوي الأداء المرتفع إلى مغادرة مؤسساتهم للتخلص منها، في حين يتابع البعض الآخر عمله لكن دون تقديم الدعم للأقران. وتشير الأبحاث إلى أن أكثر من 30% من ذوي الأداء المرتفع يشعرون بانعدام مشاركة البقية في العمل، في حين يتوقع 25% منهم أن يبدأوا العمل في مكان آخر خلال عام.

وتزداد هذه المشكلة سوءً كلما زادت حاجة الفريق للعمل مع بعضه أكثر. وفي بحث سنصدره قريبا في نشرة “علم النفس التطبيقي” (Journal of Applied Psychology)، سنشير إلى أن تركيز المؤسسات على العمل الجماعي في مكان العمل قد ضاعف من المخاطر التي يواجهها ذوي الأداء المرتفع. ويعود ذلك إلى نسبيّة الأداء المرتفع وأنه يقوم على المقارنة، التي تزداد في الفرق المتفاعلة فيما بينها طوال الوقت.

واستخلصنا نتائج بحثنا من دراسة ميدانية شملت 414 مصفف شعر يعملون في 120 صالون تجميل في تايوان، تلتها تجربة ضمت 284 طالب ماجستير في إدارة الأعمال في الولايات المتحدة. وكانت صالونات التجميل قد قدّمت السياق الذي يعكس العديد من خصائص مجموعات العمل نظراً لكونها بيئة ديناميكية اجتماعية يعمل فيها مصففو الشعر بشكل فردي ولكن ضمن منظومة جماعية. وتم تحديد المكافآت على أساس المساهمة الفردية والنجاح الجماعي. ثم اخترنا نهجاً تكميلياً للتحقق من صحة النتائج المستمدة من الدراسة الميدانية، استخدمناه لإجراء تجربة منضبطة العوامل على طلاب الماجستير في إدارة الأعمال بطريقة تُمكننا من التحكم بالمتغيّرات والشروط، كجعل الفرق أكثر تعاوناً أو زيادة التنافسية فيما بينهم، ثم ندرس ملاحظات كل فرد بعد أداء المهام.

تشير دلائلنا من الدراسة الميدانية والتجربة المنضبطة إلى هبوط اجتماعي واضح لذوي الإنجاز المرتفع، إذ قام أقرانهم -في كثير من الأحيان- بالإساءة لسمعتهم وإهانتهم وحتى إلحاق الضرر بهم. إضافة إلى ذلك، وجدنا أن مستوى العقوبة الاجتماعية ضد ذوي الأداء المرتفع يزداد طرداً مع مقدار التعاون المطلوب من الفريق ككل.

لعلّ الحسد كان السبب الأكثر بروزاً من بين الأسباب التي دفعت الفرق للتصرف بطريقة سلبية مع أصحاب الأداء المرتفع، فضلاً عن الشماته من أي ضرر يصيبهم. لكن مظاهراً أكثر شراً ظهرت أيضاً كسعي الأقران لإفشال ذوي الأداء المرتفع بطريقة استراتيجية.

تزداد احتمالية حصول ذوي الأداء المرتفع على الموارد الشحيحة، كالقيام بالمهام رفيعة المستوى أو التواصل مع العملاء المميزين، الأمر الذي يخلق شعوراً بالتهديد والخطر لدى الأقران. كما يميل ذوي الأداء المرتفع إلى تحطيم معايير الأداء، وخلق المزيد من العمل، ورفع التوقعات الخاصة بالمجموعة. لكن أحد لا يحب “من يشذ عن المألوف” في المصنع، أو ذاك “المخالف” الذي يتحدى كل الأعراف والتقاليد. ويزداد هذا التوتر في المجتمعات التعاونية، إذ يرى الأقران أنهم يتصرفون بإيثار عندما يتجبنون العمل بشكل مرتفع الأداء وبطريقة تهدد التضامن بين أفراد الفريق.

وعلى الرغم من السوء الذي أظهرته أبحاثنا، إلا أن جانباً معاكساً يظهر أحياناً وهو قيام الأقران بتغييب مصلحتهم الذاتية ودعم ذوي الأداء المرتفع في الفريق. ويحدث ذلك عندما يخلق ذوي الأداء المرتفع امتيازات لفرقهم، كتلك التي تزيد من فرص وصولهم إلى الموارد وزيادة رضا الرؤساء عنهم. صحيح أن ذوي الأداء المرتفع ينالون المكافآت أكثر من الآخرين (كما هو الحال عندما يقوم الطلاب المتفوقون بالحديث في احتفالات التخرج أو عندما يتسبب الرياضيون النجوم في فوز فرقهم)، إلا أن الجالسين على مقاعد الاحتياط لن يشتكوا أو يغضبوا كثيراً إن نالوا ميداليات البطولة بسبب ذوي الأداء المرتفع.

يشير ما سبق إلى مفارقة هامة، هي امتلاك الأقران مشاعر بغض تدفعهم لأذية ذوي الأداء المرتفع الذين يقومون بدورهم بتقديم الامتيازات التي تدفع الأقران لدعمهم. أي أنّ مزيجاً من الحب والكراهية يتعايشان داخل هؤلاء الأقران مع رؤيتهم ذوي الأداء المرتفع يشكلون تهديداً مهنياً وفائدة مهنية في آن معاً. هذا التناقض في المشاعر يؤدي إلى حدوث خسائر ضمن المجموعات التعاونية. إذ تشير البحوث إلى أن تعرض الفرد لاستجابات ودية وعدائية من نفس المصدر يمكن أن يؤدي إلى إصابته بالتشوّش، كما أنه أكثر ضرراً على العمل والصحة من العِداء وحده وذلك كون الرسائل غير المتناسقة تزيد من عدم اليقين لديه وكذلك من الأعباء المعرفية والعاطفية عليه.

ويتعين على المدراء الراغبين في الحفاظ على عوائد مرتفعة ومواصلة الاعتماد على ذوي الأداء المرتفع، توقع مواجهة الأخيرين للكثير من المشاكل، وتوضيح أن أمر تقويض ذوي الأداء المرتفع غير مقبول إطلاقاً، والاستعداد لتقديم الدعم والتشجيع المرتفع عند الحاجة.

إضافة إلى ما سبق، أشارت دراستنا أنّ على المدراء التدّخل لمساعدة ذوي الأداء المرتفع في مواجهة ما يتعرضون له، وتعريفهم بحقيقة أنّ معاملة أقرانهم لهم تنبع من تقييماتهم العقلانية الداخلية للتهديدات والمنافع.

أولاً، يمكن للمدراء معالجة مخاوف الأقران من تهديد ذوي الأداء المرتفع لرفاههم ومواردهم عبر عدة طرق، كإنشاء نظام أكثر توازناً لاستعراض الأداء يقدِّر مساهمات أعضاء الفريق بالكامل بعد إنجاز المهمة، والذي هو أيضاً نظام مفضّل لذوي الأداء المرتفع.

تساهم السلوكيات التنظيمية الصحية، مثل مساعدة الآخرين وتقديم اقتراحات بنّاءة والروح الرياضية، بشكل كبير في الأعمال، وهو ما يساعد على زيادة الحالة الاجتماعية في المؤسسة. وينسى ذوي الأداء المرتفع هذه الأبعاد أحياناً، إذ يركزون على المهام ويتجاهلون الأشخاص.

ثانياً، من المهم جداً للمدراء زرع مفهوم أن الجميع فائز في حالة أداء الفريق بشكل مرتفع، رغم حقيقة أن المساواة في تخصيص الموارد داخل مجموعة ليست ممكنة أو عادلة على الدوام. ويمكن للمدراء التأكيد على الاتجاه الخاص بالمكاسب للجميع لدى محاولتهم معالجة قابلية الأقران لتهديد ذوي الأداء المرتفع.

على سبيل المثال، يجلب ذوي الأداء العالي خبرات وتجارب وروابط تُترجم غالباً إلى تحسين سمعة الفريق بالمجمل وتحقّق الهدف وتطوّر الأداء العام، وهو ما يعود بالفائدة على جميع أعضاء الفريق. يمكن للمدراء أيضاً تسهيل نقل المنافع من الأفراد الأكثر موهبة وقدرة إلى الأفراد الأقل من خلال جعل ذوي الأداء المرتفع مرشدين لأقرانهم الأقل أداءً، وهو ما يسمح للبقية بالتعلم والتحسّن.

على نفس المنوال، يمكن للمدراء مساعدة ذوي الأداء المرتفع على مساعدة أنفسهم من خلال تدريبهم على إظهار القيم والسلوكيات الاجتماعية الإيجابية. إذ عندما يهتم أصحاب الأداء المرتفع بمصالح الآخرين بشكل أصيل، يصبحون ذي احتمالية أقل لنيل الفضل الفردي وأكثر احتمالية إلى نسب النجاح إلى كامل الفريق، وهو ما سيقلل من احتمالات النظر إليهم على أنهم يشكلون تهديداً للفريق.

ينبغي للمدراء أن يولوا اهتماماً خاصاً بهذه القضايا في ثقافات أماكن العمل والتأكيد على الانسجام والتعاون. ويكمن مفتاح مساعدة الفريق في جعله يدرك أن فوائد التعاون مع ذوي الأداء المرتفع ستفوق التهديدات المحتملة.

إذاً، يمكن لذوي الأداء المرتفع تحقيق نتائج ذات قيمة مرتفعة. لكن في نفس الوقت ليس من السهل المحافظة عليهم كما أنه من المكلف البحث عن بدائل لهم. بالتالي يجب على مدراء ذوي الأداء المرتفع البقاء يقظين، ومشاهدة علامات العزلة والعمل على حلها، والتدخل في وقت مبكر لزراعة وحماية نجومهم. كما أن عليهم دائماً أخذ الحكمة التالية بعين الاعتبار “الشجرة المثمرة دائماً ما تُرمى بالحجارة”.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2017.

هذه المقالة عن قيادة-

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz