تابعنا على لينكد إن

من المعروف علمياً أهمية التأخر  أحياناً في تحقيق العائد المباشر، والتخلي عن الفوائد الفورية لتحقيق أهداف أكبر مستقبلاً. وخير مثال على ذلك، تجربة “اختبار المارشميللو”: إذ أن قدرة الأطفال على تأجيل تناول قطعة مارشميللو واحدة حتى يتمكنوا من تناول قطعتين لاحقاً، هو أمر يرتبط بالعديد من نتائج الحياة الإيجابية بما في ذلك النجاح الأكاديمي والعلاقات الصحية.

ولكن ألا تساعدنا الفوائد الفورية أيضاً على متابعة أهدافنا طويلة المدى؟ للإجابة على هذا السؤال أجرينا خمس دراسات تستطلع 449 شخصاً، منهم طلاب وروّاد أندية رياضية وزوّار متاحف. حيث أخبرونا بقدرتهم على تحقيق أهدافهم طويلة المدى. وفيما إذا جربوا الحصول على فوائد فورية أو مؤجّلة أثناء عملهم على تحقيق تلك الأهداف. ونُشرت ورقتنا البحثية في نشرة “الشخصية وعلم النفس الاجتماعي” (Personality and Social Psychology Bulletin).

وفي إحدى الدراسات، سألنا الأشخاص عبر الإنترنت عن الأهداف التي وضعوها في بداية العام. أغلب الأشخاص حددوا أهدافاً لتحقيق فوائد مؤجّلة وطويلة المدى مثل التطور المهني وسداد الديون وتحسين الصحة. ثم سألنا هؤلاء الأفراد عن مدى المتعة التي يشعرون بها في متابعة أهدافهم وأهمية هذه الأهداف، وما إذا كانوا لا يزالون يعملون على تحقيقها بعد شهرين من تحديدها؟ فوجدنا أن المتعة توافقت مع الاستمرارية في الهدف بعد شهرين من تحديده أكثر بكثير من تصنيف الأشخاص لأهمية تلك الأهداف.

ومع ذلك، بالغ الناس في مدى تأثير الفوائد المؤجّلة على استمرارية أهدافهم. إذ يعتقدون أنّ كلا من الفوائد الفورية والمؤجّلة لهما ذات الأهمية للتمسك بأهدافهم خلال الشهور القادمة، أما في الواقع كان للفوائد المؤجّلة تأثير أقل على الاستمرارية.

وبناءّ على ذلك، توصلنا إلى أنّ الفوائد الفورية أقوى تنبؤاً بالاستمرارية من الفوائد المؤجّلة، وذلك عبر دراسة مجموعة من الأهداف في مجالات تتضمن اللياقة البدنية والتغذية والتعليم.

في دراسة أخرى، قمنا خلالها بقياس عدد الدقائق التي يمضيها روّاد النوادي الرياضية في التمرّن على أجهزة لتمارين قلبية. ومدى اهتمامهم بتحسين هذه التمارين لصحتهم كفوائد مؤجّلة ومدى متعتها كفوائد فورية. كانت النتيجة أنّ المتدربين الذين كان اهتمامهم بالمتعة والسعادة المستمرة، تمرّنوا أكثر من أولئك الذين لم يهتموا كثيراً بموضوع المتعة.

علاوة على ذلك، ظهر نمط مشابه في دراسة أخرى أجريناها لقياس الالتزام بالعادات الصحية مع مرور الوقت. حيث اقتربنا من أشخاص في مدينة شيكاغو كانوا يزورون متحفاً، وطلبنا منهم تقييماً للمتعة التي شعروا بها أثناء التمارين الرياضية بالإضافة إلى عدد ساعات ممارسة التمارين أسبوعياً في الأشهر الثلاثة الماضية. أما النتيجة فكانت أنّ الأشخاص الذين قيّموا تمارينهم على أنها أكثر متعة، تمّرنوا لساعات أكثر خلال تلك الفترة. في حين لم تحدد “أهمية التمارين” المدة التي مارس بها هؤلاء الأشخاص الرياضة اليومية. ورغم أنّ هؤلاء الأشخاص أفادوا بأهمية ومتعة ممارسة الرياضة، إلّا أنّ الأهمية لم تكن هي العامل الحاسم بسلوك ممارستهم للرياضة، ولكن المتعة لعبت الدور الأكبر بذلك.

ثم سألنا زوّار المتحف ذاتهم عن استهلاكهم للغذاء الصحي. إذ قاموا بتقييم المذاق وأهمية تناول الخضروات، بعدها أفادونا عن استهلاكهم الأسبوعي لها. وعليه، كانت النتيجة أنّ الأشخاص الذين أحبّوا طعم الخضروات، تناولوا المزيد من الحصص على مدى أسبوع واحد. في المقابل، الأشخاص الذين صنّفوا الخضروات على أنّها أكثر أهمية لصحتهم لم يزد استهلاكهم لهذه الخضروات.

كما ظهر هذا التأثير أيضاً عندما بحثنا في استمرارية طلاب جامعة شيكاغو في الدراسة. حيث يتابع معظم الطلاب دروسهم للحصول على فوائد مؤجّلة مثل الدرجات الجيدة، ولكن يمكن للدراسة أن تكون ممتعة إذا كان موضوعها مثيراً للاهتمام.

ومنه، توجهنا إلى سؤال الطلاب الذين يعملون في مكتبة الجامعة عن مدى استمتاعهم بمواد دراستهم وأهمية هذه المواد لنجاحهم في فصولهم الدراسية. ما تبين لنا أنّ أولئك الذين استمتعوا أكثر بموادهم الدراسية، أمضوا وقتاً أطول في الدراسة، ولم تكن هناك أي علاقة بين أهمية هذه المواد ومدة الدراسة. فكانت الخلاصة المهمة من هذا البحث: أنّ تسخير الفوائد الفورية تزيد من الاستمرارية في تحقيق الأهداف. ولكن كيف يمكننا استخدام هذه النتيجة لمساعدة الناس على متابعة أهدافهم المهمة؟

كما تقدّم بحوث أُخرى أجريناها، عبر أربع تجارب وعينة من 800 طالب، ثلاث استراتيجيات:

أولاً: عندما تقوم باختيار النشاط الذي ستقوم به لمتابعة تحقيق أهدافك قم بحساب عنصر المتعة. على سبيل المثال، اختيار تمرين رفع الأثقال بناءّ على المتعة أدّى بروّاد النادي إلى إكمال المزيد من جولات هذا التمرين. وفي المتوسط، قام المتدربون بإكمال جولات أكثر بنسبة 52% من التمارين التي اختاروها بناءً على المتعة مقابل تمارين اختاروها بناءً على فعاليتها. لذلك إذا أردتَ التمرن بشكل أكبر، اختر حصة ممتعة من تمارين اللياقة البدنية. وإذا أردتَ أن تنجح في عملك، جِد مهاماً أو بيئة تستمع بها. وإذا أردتَ أن تتناول طعاماً أكثر صحية، صمّم نظاماً غذائياً يحتوي أطعمة تفضّل تناولها فعلاً.

ثانياً: حاول الحصول على فوائد فورية أكثر خلال متابعتك لتحقيق أهدافك. إذ وجدنا طلاب المرحلة الثانوية عملوا لفترة أطول من أجل مهمة في مادة الرياضيات، عندما كانوا يستمعون إلى الموسيقى ويأكلون وجبات خفيفة ويستخدمون أقلاماً ملونة. حيث تجعل الأهداف الفورية المهام الصعبة تبدو نشاطاً ممتعاً أكثر من كونها عملاً.

ثالثاً: فكر في الفوائد الفورية التي ستحصل عليها أثناء سعيك نحو هدفك. على سبيل المثال، وجدنا الناس يأكلون طعاماً صحياً أكثر بنسبة 50% عندما ركّزوا على المذاق الإيجابي مقارنة بمجموعة أخرى ركّز أفرادها على الفوائد الصحية. ومنه، نتوصل إلى أنّه حينما تسعى لتحقيق هدف ما، ربما يساعدك السعي وراء التجربة الإيجابية على الاستمرارية.

أخيراً: يُعتبر تحديد الهدف الخطوة الأولى نحو تحقيق النتائج المؤجّلة التي تريدها. ومع ذلك فإنّ التخلي عن النتائج الفورية أو الملذات اليومية يمكن أن يُضعف من فرصك لتحقيق هذه الأهداف. لذلك اجعل  تجربتك ممتعة ومجزية أكثر، ستكون فرصتك في النجاح أكبر.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية. جميع الحقوق محفوظة لشركة هارفارد بزنس ببليشينغ، بوسطن، الولايات المتحدة الأميركية – 2018.

هذه المقالة عن إدارة الذات

شاركنا رأيك وتجربتك

كن أول من يعلق!

التنبيه لـ

wpDiscuz