تابعنا على لينكد إن

بيّن العلماء المعنيون بموضوع الشبكات الاجتماعية أنّ العواطف والقيم الإنسانية يمكن أن تنتشر في صفوف مجتمع معيّن بالأنماط ذاتها التي تنتشر وفقها الأمراض المعدية في هذا المجتمع. وتشير هذه الملاحظات إلى وجود فرصة مواتية لجعل الرعاية الصحية أفضل، بل وأكثر كفاءة حتى، فيما لو تمكّنت المؤسسات المعنية بالرعاية الصحية من خلق مرض اسمه “جائحة التعاطف بين الناس”.

فما هو الشكل الذي سيتخذه هكذا مرض؟ بالتأكيد ستكون لدينا زيادة مضطردة ومستمرة في نسبة العاملين والموظفين في الحقل الطبي الذين سينتبهون تماماً لما هو حاصل بين مرضاهم وعائلات هؤلاء المرضى. كما أنّ الرعاية المنسقة والقائمة على التعاطف لن تبدو بالنسبة للمرضى على أنها أمر إعجازي أو غير متوقع. بل على العكس من ذلك، سيصبح تقديم هذا النوع من الرعاية هو المعيار الطبيعي، وسيصبح هذا الأمر وبصورة متزايدة أساسياً لطريقة نظر العاملين في الحقل الصحي إلى أنفسهم.

ولربما حان الوقت لوصول هذه الجائحة إلينا. فنحن بالتأكيد لدينا الدافع – إذ إنّ الرعاية الصحية قد وصلت إلى درجة عالية من التعقيد، حيث تدفع المرضى إلى الشكوى على الدوام من أنهم يعانون من الضياع وسط حالة من الإهمال. فهم قلقون من أنّ لا أحد يهتم لأمرهم فعلياً.

لكنني أعتقد أننا أخيراً بتنا نمتلك المعارف والسبل التي تمكّننا من إيجاد “جائحة التعاطف بين الناس” هذه. فالعلماء المعنيّون بموضوع الشبكات الاجتماعية، ومن بينهم نيكولاس كريستاكيس، أظهروا أنّ البدانة، بل والسعادة، تنتشر في المجتمعات عبر علاقات التواصل الشخصي بين الناس. كما أظهر كريستاكيس أنّ الناس يقتبسون سلوك الأشخاص الآخرين الذين يعرفونهم مباشرة، حتى الأشخاص الذين قد يكونون بعيدين عنهم جسدياً، لكنهم على بعد درجة أو درجتين عنهم ضمن شبكاتهم الاجتماعية.

فهل يمكن لمؤسسات الرعاية الصحية الاستفادة من هذه النتائج والبحوث لاستعمالها من أجل نشر ثقافة التعاطف والرعاية ولجعلها المعيار السائد الجديد؟

في الحقيقة، هذا الموضوع جار العمل عليه وإن كان بصورة مجتزأة وبجهود مبعثرة هنا وهناك. لكن السؤال المطروح هو: من الذي سيقوم بتجميع هذه الجهود المجتزأة والمبعثرة معاً ضمن مسعى واحد؟

إحدى الخطوات الأساسية تتمثل في التوصّل إلى الرؤية المشتركة لمعنى التعاطف. فعلى سبيل المثال، استعمال كلمات “معاناة” أو “يعاني” من قبل العاملين في الحقل الطبي والمجلات الطبية كان نادراً في الماضي، لكن هذه الكلمات باتت تستخدم حالياً وبوتيرة متزايدة من قبل مقدمي الرعاية الصحية بغية تذكير العاملين في المجال الصحي بالقلق والإرباك والتوتر الذي يشعر به المرضى.

الخطوة الأساسية الثانية تتمثل في فهم العوامل التي تقود المرضى إلى المعاناة. فالألم والعجز الناجمين عن أمراضهم والمعالجات التي يتلقونها، هي بالتأكيد عوامل رئيسية، لكن ما يوازي هذه العوامل في الأهمية أيضاً هي المعاناة التي يمكن تحاشيها والناجمة عن الخلل في نظام تقديم الرعاية الصحية، مثل الانتظار لفترات طويلة قبل رؤية الطبيب، وعدم اليقين تجاه الخطوات التالية الواجب اتخاذها في العلاج، والتأثير المهين أحياناً لنظام بيروقراطي يفتقر إلى اللمسة الشخصية.

أما الخطوة الثالثة فتقتضي جمع ما يكفي من البيانات بحيث يمكن إجراء تحاليل ذات مغزى ضمن الوحدات التي يمكن تحسينها، ومن ضمن ذلك الطبيب بحد ذاته. وذلك يعني استعمال تكنولوجيا المسح الإلكتروني، وجمع عناوين البريد الإلكتروني من كل مريض محتمل، وإرسال الاستبيانات طلباً للمعلومات بعد كل مرة يدخل فيها مريض إلى المستشفى أو يزور عيادة الطبيب.

ذلك يقودنا إلى سؤال يتعلّق بالكيفية الفعلية التي ستجري بها عملية توجيه التغيير المنشود. فلكي تقوم المؤسسات بإيجاد “جائحة للتعاطف بين الناس”، فإنها بحاجة إلى استعمال مقاربة متكاملة – أي العثور على الموظفين الطبيين الذين يمتلكون أفضل التقارير المقدمة من المرضى بخصوص التنسيق والتعاطف الذي يتلقونه أثناء الرعاية الصحية، ومحاولة نشر كل الممارسات الصحيحة التي يقوم بها هؤلاء الموظفون.

تنويه: إن نسخ المقال أو إعادة نشره بأي شكل وفي أي وسيلة دون الحصول على إذن مسبق يعتبر تعدياً على حقوق الملكية الدولية ويعرض صاحبه للملاحقة القانونية.

ﺟﻣﯾﻊ اﻟﺣﻘوق ﻣﺣﻔوظﺔ ﻟﺷرﻛﺔ ھﺎرﻓﺎرد ﺑزﻧس ﺑﺑﻠﯾﺷﻧﻎ، ﺑوﺳطن، اﻟوﻻﯾﺎت اﻟﻣﺗﺣدة اﻷﻣﯾرﻛﯾﺔ - 2018

اترك تعليق

قم بـ تسجيل الدخول لتستطيع التعليق
avatar
  شارك  
التنبيه لـ
error: المحتوى محمي !!